دخول البيض إلى غزة.. حدث يزاحم السياسة والهدنة في اهتمامات الناس

صورة من الأرشيف

خاص / شهاب

لا يمر دخول شاحنات محمّلة بالبيض كحدث عابر أو عاجل في غزة، فقد حولت الحرب وما رافقها من حصار وتشديد على إدخال السلع "البيض" من مادة غذائية يومية إلى مادة يتناقلها الناس كـسبق عاجل على الهواتف وصفحات التواصل، وتسأل عنه العائلات في الأسواق كما لو أنه سلعة نادرة لا طعام أساسي يجب أن يتوفر على موائدهم بشكل يومي.

يقف علاء أبو عبيد "35 عامًا" في طابور طويل أمام أحد المحلات التجارية في أسواق غزة، وكله أمل أن يحصل على طبق بيض ليعود به إلى أطفاله الذين شاهدوه آخر مرة منذ أكثر من ستة شهور.

صمت وقهر

يقول لـ"شهاب": لا يمكنك أن تشرح لطفل يسمع كغيره من الناس عن دخول البيض لماذا لم تعد له بطبق بيض ولو لمرة واحدة في العام، موضحًا أنه يقف في الطابور منذ أكثر من ساعتين أملًا في أن يحصل على الطبق مقابل 40 شيكل بتسعيرة وزارة الاقتصاد.

منوّهًا أنه إذا لم يستطع ذلك، فإن عليه أن يتقبل فكرة أن يشتريه من السوق السوداء مقابل مبلغ مضاعف قد يصل إلى 80 شيكل للطبق الواحد.

ويستدرك أبو عبيد قائلًا: في كل مرة أقف فيها لشراء طبق من البيض لا يحالفني الحظ، وأغادر بصمت وقهر دون شرائه.

على الصف الثاني من الطابور تقف سعاد خليفة "33 عامًا"، كل طموحها بعد ساعتين من الانتظار أن تحصل على عشر بيضات فقط، فالطبق الكامل رفاهية تفوق قدرتها المالية، ومن شأنها إحداث هزة اقتصادية في موازنتها اليومية للطعام.

وتؤكد خليفة أن البيض لا يختفي تمامًا من الأسواق، لكنه يظهر كسلعة محاطة بالانتظار والقلق والأسعار المضاعفة، فـ"كل شيء موجود… لكن لكل شيء ثمن"، لا يقدر عليه غالبية سكان مخيمات النزوح.

قبل الحرب، لم تكن غزة تعرف هذه الأزمة بهذا الشكل. مزارع الدجاج البياض المنتشرة في مختلف المحافظات كانت تغطي معظم احتياجات السكان، وكان البيض يُعتبر الطعام الأرخص والأكثر حضورًا على موائد الفقراء، خصوصًا في وجبات الأطفال، حيث سجلت معطيات وزارة الاقتصاد قبل الحرب أن استهلاك القطاع ما بين 15 إلى 20 مليون بيضة شهريًا، مع وجود مئات المزارع التي حققت شبه اكتفاء ذاتي للسوق المحلي.

لكن الحرب غيّرت شكل الطعام نفسه في غزة، مزارع البيض والدجاج تعرضت للتدمير بالكامل، فيما أدى منع إدخال الأعلاف بكميات كافية، إلى جانب انقطاع الكهرباء ونقص الوقود، إلى نفوق الثروة الحيوانية بالكامل في قطاع غزة، مما راكم من تراجع الإنتاج المحلي بصورة حادة.

ولم يعد النقص مرتبطًا بانهيار الإنتاج فقط، بل أيضًا بقيود الاحتلال المتغيرة على إدخال السلع إلى القطاع، والتي شملت في بعض الفترات حتى بيض المائدة نفسه، ضمن قائمة طويلة من المواد التي مُنع دخولها أو خضعت لتقييدات مشددة، رغم كونها جزءًا أساسيًا من غذاء السكان.

وعلى الجانب الرسمي، تُظهر إحصاءات هيئة المعابر أن هناك نهجًا إسرائيليًا يعرقل دخول السلع الأساسية منذ إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، مقابل السماح بدخول سلع كمالية، إلى جانب الإغلاق المتكرر للمعابر.

سوق موازية

وفي هذا السياق، يقول المتحدث باسم وزارة الزراعة في غزة رأفت عسلية إن ارتفاع أسعار البيض والمواد الغذائية يرتبط بجملة من السياسات، أبرزها محدودية السلع المسموح بدخولها إلى القطاع، وتقليص عدد التجار المسموح لهم بالاستيراد، إضافة إلى إجبار التجار على الاستيراد الحصري من الجانب "الإسرائيلي".

ومع تقلص الكميات المتوفرة، ظهرت سوق موازية رفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، حتى بات البيض، الذي كان يومًا الطعام الأبسط للفقراء، يُباع بأسعار تقترب من الرفاهية داخل مجتمع يعيش أصلًا تحت ضغط المجاعة والفقر وفقدان مصادر الدخل.

ولم تعد الأزمة مرتبطة بالكماليات أو السلع الثانوية، بل امتدت إلى الغذاء الأساسي، بما فيه البيض الذي شكّل لسنوات المصدر الأرخص للبروتين لدى الأطفال، الذين يعيشون منذ قرابة عامين ونصف تحت الحرب وسوء التغذية، باتوا يفتقدون حتى هذا الغذاء البسيط، بعدما اختفت كثير من مصادر البروتين الأخرى أو أصبحت بعيدة عن متناول العائلات.

وتتزامن أزمة الغذاء مع تحذيرات أممية متصاعدة بشأن الواقع الإنساني في القطاع، إذ أعلنت الأمم المتحدة أن الوضع الغذائي في غزة "لا يزال خطيرًا"، في ظل استمرار تدهور الظروف المعيشية ونقص الاحتياجات الأساسية. ووفق بيانات أممية، أجرى شركاء الأمم المتحدة فحوصات لأكثر من 76 ألف طفل قبل شهرين، وجرى رصد نحو 4900 حالة سوء تغذية بينهم، فيما ارتفع إجمالي حالات سوء التغذية المكتشفة منذ بداية العام الجاري إلى نحو 95 ألف حالة.

هذه الأرقام لا تُظهر فقط حجم الأزمة الصحية، بل تعكس أيضًا واقع موائد باتت تفتقر تدريجيًا إلى أبسط الأغذية الأساسية، بما فيها البيض الذي كان يومًا جزءًا يوميًا من غذاء الأطفال ونموهم.

وتأتي هذه الأزمة الخانقة في وقت بلغت فيه نسبة البطالة في قطاع غزة نحو 70%، ما يجعل تأمين الغذاء معركة يومية تخوضها العائلات الفلسطينية للتكيف مع واقع يزداد قسوة، في ظل حصار اقتصادي لا يتوقف حتى في فترات وقف إطلاق النار.

رفاهية البيض

تجمع الغزيات أن البيضة الواحدة أصبحت تُقسّم أحيانًا بين أكثر من طفل، فيما غابت عن موائد أطفالهن لشهور طويلة، مشيرات إلى أن دخول البيض إلى قطاع غزة لا يعني أنه متوافر في كل بيت، حيث إن الكميات المدخلة لا تسد احتياج القطاع، وفي حال حصول العائلات عليه فإنه لا يعد بيضًا بل وجبة غنية على الأطفال التوقف عن طلبها على الأقل لستة أشهر قادمة، سيما وأن سعرها لم يعد ثابتًا؛ يتغير من سوق إلى آخر، وأحيانًا من ساعة لأخرى، في مدينة يعيش سكانها على إيقاع النقص والانتظار وبوصلة غلاء وحصار تتحرك على مدار الثانية.

في غزة، لا خلاف أن الحرب جعلت من البيض، الذي كان يومًا طبقًا يوميًا على موائد الغزيين، رمزًا واضحًا لحياة تُدار بالحد الأدنى من الطعام، ورمزًا على رفاهية البيض في زمن الحرب، لمدينة بات سكانها يتابعون أخبار الغذاء أكثر من متابعتهم للأخبار العاجلة والدولية.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة