في قطاع أنهكته الحرب وتبدلت خرائطه تحت وقع النار، يطفو مصطلح "الخط البرتقالي" بوصفه عنواناً جديداً لمرحلة أكثر تعقيداً في المشهد الميداني داخل غزة.
بينما يعيش السكان ضغط إنساني متواصل، تتسع رقعة المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في مشهد يعيد تشكيل الجغرافيا وحدود الحركة والحياة، خدمةً لهواية جنوده في قنص المدنيين العزل منهم الأطفال والنساء بذريعة تخطي الخطوط المستحدثة.
ويأتي هذا التطور في سياق توسع ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، الذي نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، حيث يفصل بين مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي شرقا، والمناطق التي يُسمح بوجود الفلسطينيين فيها غربا، ويغطي نحو 53% من مساحة القطاع.
طالع المزيد: خبير قانوني لـ شهاب: "الخط البرتقالي" تكريس للإبادة وتطهير عرقي يلتهم 60% من مساحة غزة
كيف تشكل الخط البرتقالي؟
ولم يكن الإعلان عن "الخط البرتقالي" وليد اللحظة، بل جاء نتاج جملة من الإجراءات الميدانية الإسرائيلية على مدى الشهور الماضية، والتي فرضت واقعا جديدا على امتداد قطاع غزة تجاوز حدود "الخط الأصفر".
و"الخط الأصفر" افتراضي داخل القطاع، انسحب إليه الجيش الإسرائيلي مؤقتا بموجب اتفاق وقف النار، على أن ينفذ الجيش انسحابات أخرى لاحقا.
وحُدد "الخط الأصفر" في حينه، بمكعبات إسمنتية مطلية باللون الأصفر، لكن شهود عيان ومصادر محلية، أكدوا في أوقات سابقة، أن الجيش الإسرائيلي ومنذ سريان الاتفاق، يعمل على إزاحة هذه المكعبات إلى أماكن أكثر عمقا داخل أراضي القطاع، تحت غطاء عمليات حفر وتجريف واسعة.
ودفع هذا الخرق المتكرر للاتفاق عشرات العائلات الفلسطينية إلى ترك منازلها وخيامها والنزوح غربا، وخصوصا في مدينة خان يونس، وشرق حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، وفي بلدة جباليا.
ترافق الزحف الإسرائيلي في عمق القطاع، مع غارات جوية ومدفعية وإطلاق عشوائي للنار ما أسفر عن مقتل وإصابة عشرات الفلسطينيين، بزعم اجتيازهم "الخط الأصفر" أو اقترابهم منه.
من جهته، قال المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي د.إسماعيل الثوابتة، إن المعطيات الميدانية تشير إلى أن الاحتلال لم يكتفِ بالإبقاء على ما يُسمى "الخط الأصفر" في غزة، بل عمل على توسيعه فعلياً إلى ما بات يُعرف بـ"الخط البرتقالي"، وهو نطاق أوسع وأشد تقييدا يمتد إلى عمق المناطق السكنية، ولا سيما في شمال القطاع ووسطه.
وأوضح الثوابتة أن هذا التوسع يتسم بزيادة المساحات المحظورة، وتشديد القيود على الحركة، وتحويل مناطق واسعة إلى نطاقات خطرة وغير قابلة للوصول، الأمر الذي أدى إلى تقليص المساحات المتاحة للسكان بشكل حاد، وفرض وقائع ميدانية جديدة تعمّق من معاناة المواطنين وتحدّ من حركتهم، وتمنع عودة مئات آلاف النازحين إلى مناطقهم الأصلية.
وقال سمير زقوت، نائب رئيس مركز الميزان لحقوق الإنسان، إن ما يسمى بـ "الخط البرتقالي" أو "الأصفر" بات يبتلع مساحات شاسعة من القطاع، إذ ارتفعت نسبة الأراضي التي يسيطر عليها الاحتلال من 50% إلى أكثر من 70% من مساحة القطاع.
وبين أن "طريق صلاح الدين" الواصل بين خان يونس وغزة أصبح تحت السيطرة المباشرة، حيث وُضع "البلوك الأصفر" في منتصف دوار بني سهيلة، وأُنشئت مواقع عسكرية مرتفعة للاحتلال تكشف الطريق وتجعل التنقل فيه مغامرة محفوفة بالموت.
ويرافق كل تمدد لهذا الخط عمليات نسف وتدمير ممنهجة لكل المنشآت والمباني، لضمان عدم عودة الحياة إليها مستقبلاً.
يعكس استهتاراً واضحاً بالجهود الدولية
حذر المستشار والخبير القانوني، أسامة سعد، من الخطورة القانونية والإنسانية لما يسمى بـ "الخط البرتقالي" الذي يحاول جيش الاحتلال "الإسرائيلي" فرضه في قطاع غزة، واصفاً إياه بأنه "انتهاك جسيم" لاتفاق التهدئة وتصعيد ميداني يهدف إلى فرض واقع ديموغرافي وجغرافي جديد.
وأوضح سعد في تصريح لوكالة (شهاب) أن هذا المخطط يقتطع نحو 60% من مساحة القطاع، ويندرج ضمن سلسلة تدابير تهدف إلى حشر السكان في مناطق ضيقة للغاية تحولت إلى بيئة خطرة صحياً وبيئياً، مؤكداً أن إنشاء هذا الخط يعكس استهتاراً واضحاً بالجهود الدولية الرامية لتثبيت التهدئة.
وشدد المستشار القانوني على أن محاولة تغيير الواقع الجغرافي تمثل امتداداً لسياسة الإبادة الجماعية التي ينتهجها الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، وجريمة تطهير عرقي وتهجير قسري مكتملة الأركان، وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، خاصة القواعد المتعلقة بحماية المدنيين وحظر العقاب الجماعي.
ودعا سعد المجتمع الدولي والجهات الراعية لاتفاق التهدئة إلى تحمل مسؤولياتهم والتدخل الفوري لإلزام الاحتلال ببنود وقف إطلاق النار، مشدداً على ضرورة مساءلة المسؤولين عن الخروقات وتوفير حماية حقيقية للمدنيين، والعمل على إنهاء الواقع الكارثي الذي يفرضه الاحتلال.
تأتي تصريحات المستشار سعد في وقت يشهد فيه الميدان تصعيداً دموياً، حيث ارتفعت حصيلة شهداء غزة منذ صباح اليوم الأربعاء إلى 9 شهداء نتيجة الخروقات "الإسرائيلية" المتواصلة.
وفقاً لبيانات وزارة الصحة، فإنه ومنذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لم يتوقف نزيف الدم، حيث بلغت الحصيلة حتى الآن: 837 شهيداً فلسطينياً، و2,381 مصاباً بجروح متفاوتة.
وكانت الأمم المتحدة، قد أكدت أن "إسرائيل" وسعت من احتلالها في قطاع غزة عبر إنشائها "الخط البرتقالي" داخل "الخط الأصفر".
وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، إن لدى الأمم المتحدة خرائط تضم خطا ملونا آخر يُسمّى "الخط البرتقالي"، تم تقديمه للكوادر الأممية النشطة في مجال المساعدات الإنسانية.
وذكر دوجاريك أنه تم إبلاغ الأمم المتحدة بضرورة قيام فرق المساعدات الإنسانية بتنسيق تحركاتهم مسبقا مع "إسرائيل" عند تجاوز "الخط البرتقالي، الأمر الذي يعد مؤشرا على أن المناطق التي تعتبر غير آمنة بالنسبة لنا تبعث على القلق".
وأكد أن الأمم المتحدة تواصل اتصالاتها مع سلطات الاحتلال للحصول على توضيحات حول طبيعة هذه التعديلات وحدودها الميدانية.
