تقرير بين الطريقين 60 و90.. منظومة استيطانية تعيد تشكيل الحياة اليومية وتكرّس الانتهاكات في القرى الفلسطينية

خاص / شهاب

يكشف واقع الحركة اليومية لسكان القرى الفلسطينية في المساحة الممتدة بين الطريقين 60 و90 الاستيطانيين في الضفة الغربية صورة مختلفة تمامًا لشكل القرى المتقاربة جغرافيًا. فبين محورين رئيسيين صُمما ضمن منظومة الطرق الالتفافية، تتشكل شبكة قرى محصورة داخل جغرافيا مقطعة، تتحرك فيها الحياة عبر مسارات أطول، وتخضع لإيقاع حركة تحدده شبكة البنية الطرقية الاستيطانية.

حيث يتشكل واقع يومي معقّد لسكان القرى الفلسطينية في المنطقة، لا يقتصر تأثيره على الحركة أو الاقتصاد، بل يتداخل مباشرة مع توسع الاستيطان وما يرافقه من انتهاكات ميدانية متكررة.

إذاً، يواجه السكان قيودًا مستمرة على التنقل بسبب شبكة الطرق الالتفافية التي تعيد توجيه الحركة بعيدًا عن المسارات الطبيعية بين القرى، إلى جانب وجود نقاط سيطرة عسكرية وإغلاقات متكررة، ما يجعل الوصول إلى العمل أو التعليم أو الخدمات الصحية عملية مرهقة وغير مستقرة، في ظل اقتراب المستوطنات من التجمعات الفلسطينية، وما ينتج عنه من انتهاكات يومية مباشرة للفلسطينيين.

محفوفًا بالمخاطر

أما على الأرض، فإن تصاعد الاستيطان وتوسع البؤر الاستيطانية ومصادرة المزارع الرعوية تدريجيًا يحدّ من قدرة السكان على استخدام أراضيهم، وسط اعتداءات متكررة تشمل اقتحام القرى، تقييد الوصول إلى الأراضي، وإتلاف الممتلكات أو محاصيل زراعية، وسرقة المواشي وقطع المياه، ما يخلق حالة ضغط مستمرة على المجتمعات المحلية.

وفي البعد الاقتصادي، تؤدي هذه الانتهاكات اليومية إلى تقويض النشاط الزراعي والرعوي الذي يشكل مصدر دخل رئيسي لكثير من العائلات، حيث يصبح الوصول إلى الأرض محفوفًا بالمخاطر أو غير ممكن في بعض الأحيان، ما يدفع بعض السكان إلى تقليص الإنتاج أو تركه بالكامل.

لا يظهر تأثير هذه المنظومة كسياسة معزولة، بل كواقع يومي متراكم، يتداخل فيه الاستيطان مع القيود الأمنية والانتهاكات الميدانية، ليعيد تشكيل تفاصيل الحياة في القرى الواقعة بين الطريقين 60 و90 بشكل مستمر وعميق.

وبحسب مؤسسة الدراسات الفلسطينية في ورقة بحثية بعنوان: تهجير التجمعات البدوية "الوصل والفصل الجيوسياسي في الأغوار بعد 7 أكتوبر"، تشكل الطرق الالتفافية في الضفة الغربية، وفي مقدمتها الطريق 60 والطريق 90، جزءًا من بنية طرقية ممتدة تربط المستوطنات ببعضها البعض، وتوفر مسارات التفاف تتجاوز التجمعات الفلسطينية.

ويلفت البحث إلى أن الطريق 60 يمتد كمحور طولي من شمال الضفة إلى جنوبها، مرورًا بعدد من المراكز الفلسطينية، بينما يشكل الطريق 90 امتدادًا موازيًا على طول غور الأردن بمحاذاة الحدود الشرقية. وبين هذين المحورين، تقع عشرات القرى الفلسطينية داخل نطاق جغرافي يعيد تنظيم المسافات والعلاقات المكانية، لا مجرد عبورها.

وبحسب معطيات مرتبطة بشبكة الطرق الالتفافية في الضفة الغربية، فإن هذه الشبكة تمتد لأكثر من 980 كيلومترًا، وتخضع أجزاء واسعة منها لقيود حركة متفاوتة مرتبطة بالوضع الأمني وترتيبات السيطرة الميدانية، ما يعزز من الطابع المقيد للحركة في عدد من المناطق.

في هذا السياق، يلفت الخبير في الشأن الإسرائيلي وليد حباس إلى أن القرى الواقعة بين شارعي 60 و90 تتميز بكثافة سكانية فلسطينية أقل نسبيًا، ما يجعلها أكثر عرضة للضغط والتهجير التدريجي.

ويؤكد أن هذه الطرق لم تُنشأ بشكل عشوائي، بل جاءت ضمن تصور أمني وإطار استيطاني يهدف إلى إعادة تنظيم المجال الجغرافي في الضفة الغربية.

ويرى حباس أن المشهد الاستيطاني في الضفة يتجه نحو مزيد من التصعيد، مع استمرار الاستيلاء على أراضٍ فلسطينية جديدة وتضييق الحيز المتاح للحركة، إلى جانب زيادة اعتداءات المستوطنين واقتحاماتهم للقرى، في سياق يحظى بدعم حكومي وعسكري.

طبيعة التوازن

يشير حباس إلى تقديرات "إسرائيلية" تفيد بأنه خلال نحو 15 عامًا قد يصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية إلى مليون مقابل نحو 4.5 مليون فلسطيني، وهو ما من شأنه — وفق التحليل الذي يقدمه — أن يغيّر طبيعة التوازن السكاني في المنطقة ويجعل التعايش داخل نفس الحيز الجغرافي أكثر تعقيدًا. ويضيف أن استمرار هذا المسار دون تغيير سياسي أو حماية للوجود الفلسطيني قد يدفع نحو مزيد من الضغوط التي قد تنتهي، في أسوأ السيناريوهات، بعمليات تهجير.

وفي سياق متصل، يشير حباس إلى أن المنطقة "ج" باتت، وفق تقديره، ضمن مسار واضح نحو الضم الفعلي، وهي التي تضم أكثر من 300 ألف فلسطيني. ويستحضر في هذا الإطار السياق التاريخي لمرحلة النكبة، معتبراً أن مقاربات التعامل مع السكان في هذه المناطق ما زالت تتأثر بذاكرة إدارة السكان والحيز في التجربة "الإسرائيلية" الأولى، وأن استمرار الوضع القائم قد يقود إلى إعادة إنتاج أنماط تهجير تدريجية.

وتكشف المعطيات التاريخية أن الاستيطان في الضفة الغربية بدأ بعد عام 1967، ليصل اليوم إلى نحو 550 ألف مستوطن، موزعين على مئات المستوطنات والبؤر الاستيطانية والمزارع، إلى جانب 35 منطقة صناعية وشبكة طرق واسعة تربط هذه التجمعات.

ويشير حباس إلى أن هذه البنية الاستيطانية أصبحت تنتج واقعًا يصعب فيه استمرار وجود فلسطيني و"إسرائيلي" في نفس الحيز الجغرافي داخل الضفة الغربية، وهو ما أسهم في بروز تشكيلات للمستوطنين داخل المستوطنات، مثل "لجان الإنذار" وفرق الحماية وفرق الأثر، إضافة إلى مجموعات شبابية تُعرف باسم "شبيبة التلال"، جميعها تمارس انتهاكات يومية ممنهجة ضد الوجود الفلسطيني، وتحظى بدعم حكومي وعسكري من قبل جيش الاحتلال.

يوضح أن المستوطنين باتوا يمتلكون أدوات تقنية وميدانية متقدمة، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيّرة وتطبيقات للتعرف على الوجوه، ما يعزز من قدرتهم على الانتهاك والمراقبة في محيط القرى الفلسطينية، مما يفاقم من معاناة سكان القرى الفلسطينية.

ويضيف أن هذا الواقع يعزز شعورًا لدى المستوطنين بالقدرة على التحرك والاقتحام، ما ينعكس في زيادة وتيرة الاعتداءات، بما يشمل الهجمات على القرى وإغلاق الطرق وعمليات سرقة المواشي، إلى جانب محاولات خلق بيئة طاردة للسكان الفلسطينيين.

يخلص حباس إلى أن التطورات التي أعقبت السابع من أكتوبر عززت، بحسب قراءته، توجهات متصاعدة داخل منظومة الاحتلال "الإسرائيلية" نحو تكثيف سياسات تستهدف الوجود الفلسطيني، بما يفاقم من حدة الضغوط المفروضة على الأرض، ويضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد القائم في الضفة الغربية.

في المحصلة، لا تبدو القرى الواقعة بين الطريقين 60 و90 مجرد تجمعات سكانية محصورة بين محورين، بل مناطق تتقاطع فيها البنية الطرقية مع التحولات الاستيطانية والأمنية والديموغرافية، لتنتج واقعًا جغرافيًا أكثر تجزئة، يتغير تدريجيًا في شكل الحياة اليومية ومعنى الحركة داخل المكان.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة