خاص / شهاب
يأتي عيد الأضحى في قطاع غزة هذا العام، كما في العامين السابقين، مثقلاً بغياب واحد من أكثر الشعائر ارتباطاً بالروحانية والانتظار الطويل: فريضة الحج، التي تُحرم منها آلاف العائلات الفلسطينية منذ بدء الحرب الإسرائيلية على القطاع بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ورغم الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار في أكتوبر من العام الماضي، فإن الواقع على الأرض لم يتغير لصالح الغزيين، إذ تواصل إسرائيل منع خروج سكان القطاع عبر المعابر، باستثناءات محدودة وضيقة غالباً ما ترتبط بالحالات الطبية الطارئة، فيما تُبقي على القيود المفروضة على السفر، بما في ذلك أداء مناسك الحج.
قهر وحرمان
وبحسب وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في قطاع غزة، فإن حصة القطاع السنوية من الحجاج تبلغ نحو 2500 حاجاً وحاجة، وهو ما يعني أن أكثر من 10000 فلسطيني حُرموا من أداء الفريضة خلال الأعوام الثلاثة الماضية. وتشير الوزارة إلى أن 2473 حاجاً وحاجة كانوا قد اجتازوا قرعة الاختيار منذ عام 2023، وكانوا ينتظرون السفر، إلا أنهم لم يتمكنوا من ذلك، فيما توفي 71 منهم خلال الفترة الماضية.
وتتجاوز تداعيات المنع مسألة السفر إلى البعد الروحي والديني، لتتحول إلى شعور متراكم بالقهر والحرمان، في ظل استمرار القيود التي لا تقتصر على الحج، بل تمتد إلى منع إدخال لحوم الأضاحي، وتعقيد دخول البضائع والمساعدات الإنسانية، ما يفاقم من مشاهد الفقر والضغط المعيشي خلال موسم العيد.
في مخيم جباليا شمال مدينة غزة، يقول عصام الحتو (63 عاماً) إنه كان ينتظر فرصة أداء الحج قبل الحرب، لكنه لم يُدرج ضمن القرعة في السنوات السابقة، ومع استمرار إغلاق المعابر لم تتجدد أمامه الفرصة. ويضيف: «كنا نأمل بعد وقف إطلاق النار وفتح معبر رفح جزئياً أن يُسمح لنا بأداء الفريضة، لكن ذلك لم يحدث. حُرمنا من كل شيء، حتى من زيارة بيت الله الحرام، وكأننا نعيش في عزلة كاملة لا يُسمح لنا فيها حتى بأبسط حقوقنا كبشر».
وفي قصة أخرى تعكس عمق المعاناة، تنتظر السيدة علياء الوحيدى (67 عاماً) منذ ثلاث سنوات دورها في الحج. كانت تأمل هذا العام أن يتحقق حلمها القديم بالخروج إلى بيت الله الحرام، خاصة مع توقف إطلاق النار النسبي، إلا أن القرار بالمنع حال دون ذلك مرة أخرى.
وتقول الوحيدى إنها تشعر بمزيج من الحزن والقهر، بعد أن حُرمت من حق عبادة تكفله الأعراف الدولية وحقوق الإنسان، مشيرة إلى أن هذا الحرمان المتكرر يضاعف الإحساس بالعجز أمام حلم ظل مؤجلاً لسنوات. وتضيف بمرارة أن انقطاع الكهرباء هذا العام حمل جانباً غير متوقع من الألم، إذ لم تعد قادرة على متابعة شعائر الحج عبر التلفاز كما اعتادت في السنوات السابقة، وهو ما جعل الشعور بالحرمان أكثر قسوة وثقلاً.
من جهته، أوضح رئيس جمعية شركات الحج والعمرة في غزة، محمد الأسطل، أن تعذر سفر حجاج قطاع غزة هذا العام دفع الجهات المختصة إلى اعتماد خطة بديلة، تمثلت في فتح باب التسجيل أمام الفلسطينيين من سكان غزة المقيمين في مصر ودول أخرى، شريطة حمل الهوية الفلسطينية.
حصة غزة
وبيّن الأسطل أن نحو 720 حاجاً استكملوا إجراءات السفر ضمن هذه الترتيبات، بينهم 422 مقيماً في مصر، فيما توزعت بقية الأعداد على دول مختلفة. وأضاف أن ضيق الوقت وتعذر استكمال الترتيبات الإدارية واللوجستية أدى أيضاً إلى تحويل جزء من حصة قطاع غزة إلى حجاج الضفة الغربية والقدس بشكل مؤقت، على أن يتم تعويض القطاع بنحو 1800 اسم في الموسم المقبل وفق قرار رسمي.
وأشار إلى أن تعطّل موسم الحج يعود بالأساس إلى رفض الاحتلال تقديم ضمانات تضمن خروج الحجاج وعودتهم، وهو ما أدى إلى توقف كامل في إجراءات تفويج حجاج غزة.
ولفت الأسطل إلى أن قطاع الحج والعمرة كان من بين أكثر القطاعات تضرراً بفعل الحرب، إذ دُمّر نحو 90% من شركاته البالغ عددها 78 شركة، ما تسبب في فقدان أكثر من 1500 موظف لمصادر رزقهم.
وفي السياق، جرى الأسبوع الماضي تفويج حجاج بيت الله الحرام من الضفة الغربية، والبالغ عددهم نحو 6600 حاج، ومن القدس بنحو ألف حاج، إضافة إلى نحو 4400 حاج من أراضي عام 1948، حيث وصلوا إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة لأداء المناسك، فيما بقي آلاف الغزيين على قوائم الانتظار، مع استمرار تعليق حلم الوصول إلى بيت الله الحرام بانتظار موسم جديد قد يفتح فيه الطريق.
في سياق متصل، أثار ملف “مكرمة الحج” المخصصة لأسر الشهداء جدلاً واسعاً في قطاع غزة، بعد اتهامات وُجّهت إلى جهات رسمية بالتلاعب في الكشوفات، وتحويلها إلى مساحة للمحسوبيات والتجاذبات السياسية، بحسب ما أفاد “تجمع عوائل الشهداء” في القطاع.
وقال التجمع في بيان صحفي إن المكرمة، التي يُفترض أن تكون تكريماً لأرواح الشهداء وذويهم، تحولت إلى ما وصفه بـ”ساحة لتصفية الحسابات السياسية وشراء الولاءات”، في ظل ما اعتبره إخفاءً متعمداً للكشوفات الرسمية ومنع العائلات من الاطلاع عليها أو التحقق من أسمائها.
تجاوزات خطيرة
وأوضح البيان، استناداً إلى متابعات ميدانية للتجمع، وجود ما وصفه بـ”تجاوزات خطيرة” شملت إدراج أسماء لأشخاص سبق لهم أداء فريضة الحج في سنوات سابقة، إضافة إلى وجود أسماء لأفراد لا تربطهم أي صلة مباشرة بعوائل الشهداء، وبعضهم يُنسبون إلى تيارات سياسية بعينها.
كما أشار التجمع إلى تكرار إدراج أسماء عاملين في لجان الإشراف على المكرمة، حيث يقوم بعضهم بإدراج أنفسهم وأفراد من عائلاتهم بشكل دوري، في وقت تُقصى فيه عشرات العائلات المستحقة، لا سيما المقيمة في القاهرة ودول عربية أخرى، والتي لم تتمكن من إدراج أسمائها رغم استحقاقها، وفق تعبيره.
ووصف التجمع ما يجري بأنه امتداد لسياسات التهميش التي تتعرض لها عوائل الشهداء في قطاع غزة، والتي تشمل قطع الرواتب، ورفض اعتماد مخصصات لشهداء ما بعد الانقسام، وغياب دور فعّال للجهات الرسمية الفلسطينية في متابعة حقوق هذه العائلات واحتياجاتها.
وطالب “تجمع عوائل الشهداء” بفتح تحقيق عاجل وشفاف في ما يجري من تجاوزات، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الإقصاء أو الاستغلال، إلى جانب وضع آلية واضحة وعادلة لاختيار المستفيدين وفق تاريخ الاستشهاد ومعايير شفافة.
وأشار البيان أيضاً إلى أن هذه الإشكاليات ليست جديدة، إذ سبق أن شهدت الأعوام الماضية تدخلات ووساطات غير رسمية، من بينها طلب جوازات سفر عبر وسطاء مرتبطين بموظفين في السفارة الفلسطينية بمصر لإدراج أسماء في قوائم المكرمة، ما أدى إلى حرمان عدد كبير من ذوي الشهداء من حقهم في الحج للعام الثاني على التوالي، لصالح أسماء وُصفت بأنها محمية بعلاقات نافذة.
