خاص / شهاب
واحدة من أكثر العبارات استهلاكا على مدار سنوات النضال الفلسطينى كانت تقول:" أن النساء الأكثر تأثرا فى الأزمات والانتهاكات التى نتعرض إليها كفلسطنين باعتبارها المتأثر مباشرة فى تداعيات هذه الانتهاكات".
شكلت النساء و الأطفال 70% من عدد الضحايا الذين استهدفتهم آلة الحرب الإسرائيلية، فمن بين 1.9 مليون شخص نازح في غزة، هناك ما يقرب من مليون امرأة نازحة.
ففى كل يوم مر من حرب الإبادة تقتل اسرائيل ما يقارب 37 امرأة ، بالقصف من الطائرات والمدفعيات أو عبر حالات إعدام نفذت على طرقات النزوح، لنساء كن يحملن الأعلام البيضاء أثناء فرارهن إلى أماكن أكثر أمانا بحسب توجيهات جيش الاحتلال أو إعدامات نفذت داخل البيوت أثناء اجتياحها.
مهينة ومروعة
وعلاوة على الإبادة الجسدية، تتعرضت النساء في غزة لسلوكيات غير إنسانية مهينة ومروعة من الجيش الإسرائيلي منها تجريدهن من الملابس وتصويرهن أثناء الاستجواب، فيما نقلت الشهادات الشخصية والحقوقية معلومات عن حالات اعتداء وتحرش جنسي.
ووفق تقرير لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، فإن ما لا يقل عن 557 ألف امرأة في غزة واجهن انعداما حادا في الأمن الغذائي، وصعوبات أكثر من الرجال في الحصول على الطعام.
وواجهت النساء الحوامل والمرضعات أخطارا صحية عالية بسبب عدم توفر الرعاية الصحية والتغذوية الكافية، إذ أن 76 بالمئة من النساء الحوامل كن مصابات بفقر الدم، و99 بالمئة يواجهن تحديات في الوصول إلى الإمدادات التغذوية والتكميلية بما يهدد صحة الأمهات والمواليد.
وتعتمد 69 بالمئة من المشاركات في الاستطلاع الذي أجرته الهيئة على طرق طبخ غير آمنة مثل استخدام الخشب وحرق النفايات، ما يزيد المخاطر الصحية.
وأظهر تقرير أعدته المؤسسة الفلسطينية للتمكين والتنمية المحلية REFORM، انعدام الخصوصية عند 78 بالمئة من النساء، نتيجة موجات النزوح المتكررة والعيش في خيام مكتظة ومتراصة.
وأفاد التقرير، بأن 68 بالمئة من النساء يتعرضن للعنف الجسدي، و73 بالمئة يتعرضن للعنف النفسي، و89 بالمئة من النساء يعانين أعراض الاكتئاب والصدمة.
فى هذا السياق تقول الباحثة مادلين الحلبي من ﻓﻲ مؤسسة الدراسات الفلسطينية :" لطالما كانت شهية الاحتلال مفتوحة على قتل النساء الفلسطينيات"، إذ يرى فيهنّ عدواً يحمل في رحمه الأجيال الفلسطينية القادمة، وأنهنّ قادرات على إعادة تشكيل "العائلة" كونها البنية التقليدية والأساسية للمجتمع الفلسطيني.
وتضيف مع بدء الاجتياح البري لمدن قطاع غزة، استخدمت إسرائيل سياسة اعتقال جميع الرجال، والإبقاء على النساء والأطفال في محاولة لتفكيك دورهن وصمودهن من خلال إجراء حوارات تدفعهن إلى نبذ المقاومة، أو إجبارهن على ذلك بقوة السلاح، وتصويرهن، وابتزازهن، إلاّ أن النساء رفضن الخضوع أو الانسياق لأوامرهم، الأمر الذي أدى إلى اعتقالهن، أو قتلهن، أو اختطاف أطفالهن، أو قتل أزواجهن وعائلاتهن،أو اخفاءهم قسرياً ولم يعرف مصيرهن حتى اللحظة، وخصوصاً في مناطق شمال غزة ومَنْ بقي فيها في سبيل تكريس حالة من الصمود المجتمعي و رفض مخطط التهجير القسري.
تضاريس المجتمع
وتتابع منذ بداية العدوان أكدت إحصاءات وزارة الصحة:"أن معظم الضحايا من النساء والأطفال بواقع 70% من إجمالي عدد الضحايا، ولم يقتصر الأمر على استهداف الأبادة، بل عمد الاحتلال على استهداف "تضاريس المجتمع" بما في ذلك العلاقات والبنى والهياكل الاجتماعية في أطرها التقليدية، إذ أفرزت هذه الحرب عدداً كبيراً من النساء الأرامل واليتامى.
مما فرض على هؤلاء النساء إعالة الأسرة والأبناء، وحمايتهم وتوفير الطعام والغذاء لهم في ظل عدم توفرهما، عدا عن الأعمال الشاقة الواقعة على كاهلهن في ظل انعدام جميع مقومات الحياة، مثل تقطيع الأخشاب لإعداد الطعام، أو الوقوف في طوابير طويلة لنقل المياه، بالإضافة إلى المخاطرة العالية بحياتهن لتوفير لقمة العيش.
من جانبها تقول مديرة أكاديمية المسيري للبحوث والدراسات في قطاع غزة الباحثة إسلام شحدة العالول
:"إن المرأة جزء من مجتمع كامل يتعرض لجرائم الإرهاب والابادة، لكن أفظع ما تتعرض له المرأة الفلسطينية بشكل خاص هو التحقيق والتفتيش العاري والاعتقال وإهانة إنسانيتها.
ثم عدم الاستقرار وحياة التنقل التي يفرضها الاحتلال بطلبه من سكان قطاع غزة إخلاء منطقة ما والانتقال لمنطقة أخرى، ومن ثم يطلب إخلاء المنطقة التالية وهكذا، هذا الواقع الجديد فرض على المرأة ضرورة التأقلم السريع مع كل منطقة ترحل إليها، ولعل ذلك ركز لديها مشاعر الفوضى وعدم الاستقرار والخوف وعدم الأمان.
منوهة مع ذلك نجحت النساء بدورهن كأمهات صامدات يواجهن حرب الإبادة بالحفاظ على أجسادهن وعائلاتهن من خلال إنتاج العديد من الأنماط المعيشية المقاومة، بالإضافة إلى الممارسات التضامنية في المواجهة كونهن أم الأسير أو الشهيد أو المصاب، وليس ضمن واقع الابادة كنساء مغلوبات على أمرهن.
تحديات آدمية
وتواصل حديثها قائلة :"أجبرت سلطات الاحتلال النساء على النزوح القسري مشياً على الأقدام مسافة تقدر بـ 22 كيلومتراً وسط كثافة النيران نحو مناطق جنوب غزة، ضمن جملة من التحديات ليجدن أنفسهن في وضع جديد يفتقر إلى ظروف الحياة الآدمية، في ظل فقدانهن خصوصيتهن في حيز النزوح،فى ظل الاكتظاظ الشديد الذي فاق القدرة الاستيعابية.
وضع النساء وسط حالة كبيرة من الضغط في عدة مواضع، مثل بقائها في الحجاب طوال الوقت، أو التقليل قدر المستطاع من مأكلها ومشربها تفادياً لاستخدام المراحيض والوقوف في صفوف الانتظار أمام أعين الغرباء، وكذلك النوم في كثير من الأحيان على الأرض.
فى هذا السياق قالت ماريس غيمون ممثلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة في فلسطين :" إن مليون امرأة وفتاة في قطاع غزة يتحملن أسوأ أعباء حرب ممتدة لتسعة أشهر"
وذكرت أن النساء في غزة جائعات ومنهكات ومريضات، يحافظن على بقاء الأسر معا على الرغم من أنهن يعشن في خوف مستمر وفقدان وأن أكثر من 10 آلاف امرأة فقدت حياتها، أكثر من 6 آلاف أسرة فقدت أمهاتها و نحو مليون امرأة وفتاة فقدت منزلها وأحباءها وذكريات حياتها.
ذكرت غيمون انه لا يوجد مكان آمن للنساء في غزة". وأشارت إلى أن 9 من بين كل 10 أشخاص في غزة، نازحون وأن نحو مليون فتاة وامرأة قد نزحن خمس أو سبع مرات بدون نقود أو متعلقات وبدون أن يعرفن إلى أين سيذهبن أو سيعشن.
