"سينسور" المقاومة يضرب من جديد

محللون يكشفون : عملية بيت حانون تربك طاولة التفاوض في الدوحة وتصفع الرواية الإسرائيلية في واشنطن

خاص / شهاب

في توقيت سياسي وعسكري بالغ الحساسية، نفذت المقاومة الفلسطينية عملية نوعية في بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، أسفرت عن مقتل خمسة جنود من وحدتي "الناحال" و"نيتسح يهودا" وإصابة أكثر من 16 آخرين، بعضهم تفحمت جثثهم، وسط حديث عن جنود مفقودين.

العملية التي نُفذت من تحت الأنقاض وبين الركام، جاءت بالتزامن مع زيارة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، وفي وقت تُدار فيه جولة من المفاوضات غير المباشرة في الدوحة، ما منح الحدث أبعادًا تتجاوز الميدان إلى دوائر القرار السياسي والدبلوماسي.

  صفعة في لحظة مفصلية

قال الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا إن العملية جاءت لتوجه صفعة سياسية مدوية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الإدارة الأميركية، موضحًا أن الأخير كان يروّج في واشنطن لرواية اقتراب الحسم العسكري في غزة، بينما أثبتت العملية أن المقاومة لا تزال تحتفظ بأوراق القوة وتتحكم بتوقيت الضربات.

وأضاف القرا أن الهجوم جاء بعد أيام فقط من عملية مركبة في خانيونس، ما يعكس استمرارية الفعل المقاوم رغم مرور أكثر من 640 يومًا على الحرب، مشيرًا إلى أن المقاومة أظهرت قدرة عالية على التخطيط من النقطة صفر، والتنفيذ الدقيق ضمن بيئة عملياتية شديدة التعقيد.

وأشار إلى أن العملية فضحت الرواية الإسرائيلية التي ادّعت "مسح" بيت حانون عن الخارطة، بعد أن نُفذت العملية من داخلها، مما يعكس فشلًا استخباراتيًا وميدانيًا كبيرًا لدى جيش الاحتلال، الذي بدا عاجزًا عن رصد التحركات أو التعامل مع التهديدات الأرضية.

كما رأى القرا أن الهجوم جاء في وقت يشهد تصاعدًا في الخلافات داخل القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، لا سيما بين رئيس الأركان ونتنياهو وأعضاء الكابينت، وهو ما يزيد الضغط على المؤسسة السياسية، ويعكس تآكل الثقة بين القيادة العسكرية والسياسية.

وأوضح أن العملية كشفت هشاشة منظومة "عربات جدعون" التي رُوّج لها على أنها مشروع تقني متطور لمواجهة الأنفاق والعبوات، لكن تبين أنها عاجزة عن رصد تحركات المقاومة أو منع تنفيذ مثل هذا النوع من الكمائن.

كما تطرق إلى تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس بشأن إقامة منطقة عازلة شمال القطاع، مؤكدًا أن عملية بيت حانون نسفت هذا الطرح بالكامل وأظهرت أن السيطرة الإسرائيلية في هذه المناطق هشّة ومؤقتة.

وفي ما يتعلق بالتوقيت، أشار القرا إلى أن العملية وضعت الاحتلال أمام مفاضلة صعبة، إذ تزامنت مع تحضيرات للإفراج عن 8 أسرى فلسطينيين ضمن صفقة تبادل، بينما خسر الجيش في المقابل ستة جنود في ضربة واحدة، وهو ما سيترك ارتدادات واسعة في الجبهة الداخلية.

وختم القرا بالقول إن عملية بيت حانون ليست مجرد ضربة تكتيكية، بل تمثل رسالة استراتيجية واضحة بأن سياسة الحسم العسكري قد فشلت، وأن المقاومة قادرة على إدارة معركة استنزاف ذكية تربك الاحتلال على المستويات السياسية والميدانية والتفاوضية.

التكتيك المركب 

من جانبه يرى المختص في الشؤون الإسرائيلية والشؤون العسكرية رامي أبو زبيدة أن كمين بيت حانون يمثّل تطورًا نوعيًا في أداء المقاومة، حيث جمع بين القدرة الهندسية، والتكتيك العسكري، والاستخدام الذكي للأرض والأنفاق والكمائن النارية.

وأوضح أن الاعترافات الإسرائيلية أشارت إلى أن العبوات الناسفة أصبحت التهديد القاتل الأول للقوات البرية داخل غزة، حيث قُتل منذ مارس 27 جنديًا من أصل 38 بفعل العبوات، 19 منهم في كمائن على الطرق، و6 نتيجة تفخيخ المباني.

وبيّن أن هذا الرقم يبرز تفوقًا هندسيًا لافتًا للمقاومة، التي نجحت في تحويل الطرق والمباني إلى شبكة نارية شديدة التعقيد، تُحاصر قوات الاحتلال من أكثر من اتجاه.

وأضاف أبو زبيدة أن المقاتلين لم يعودوا يكتفون بتنفيذ الكمين والانسحاب، بل أصبحوا يتصدّون لقوات الإنقاذ والإسناد، ويواصلون الاشتباك في نمط استنزاف متصاعد، يتم فيه توثيق العمليات من زوايا متعددة بهدف العمليات الدعائية والعسكرية معًا.

وأشار إلى أن بيت حانون لم تعد مجرد بلدة حدودية، بل تحولت إلى نموذج فريد لمنطقة ترفض الاحتلال ميدانيًا، إذ تُعاد السيطرة عليها من قبل المقاومة بعد كل انسحاب إسرائيلي، باستخدام شبكة أنفاق متطورة تُمكّن المقاتلين من التموضع والانسحاب الآمن.

وأكد أبو زبيدة أن العمليات باتت تُدار بمنطق القائد الميداني وليس كردّات فعل فصائلية، إذ تبدأ العملية بانفجار عبوة وتنتهي بمعركة متعددة المراحل، تستهدف ناقلة الجنود، ثم قوة الإنقاذ، وأحيانًا حتى الطائرات المُسيّرة.

أما على صعيد الجبهة الداخلية، فقد أشار إلى أن تكرار هذه الكمائن يُربك الإسرائيليين، ويُفاقم الغضب الشعبي، ويؤدي إلى تراجع الثقة في القيادة العسكرية، كما أظهرت استطلاعات الرأي التي بيّنت أن ثقة الجمهور بالجيش الإسرائيلي تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ 2006، في حين ارتفعت نسبة القلق من استمرار الحرب إلى أكثر من 68%.

وختم أبو زبيدة بالقول إن "كمين بيت حانون يُقدم درسًا عملياتيًا صارخًا لجيش الاحتلال: السيطرة فوق الأرض لا تعني امتلاكها، والميدان في غزة لا يُحكم بالدبابات ولا الجو، بل يُدار من قبل عقول مفخخة وقلوب ثابتة".

  الميدان يُفاوض

أما الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة، فقد وصف عملية بيت حانون بأنها ليست مجرد كمين عسكري بل محطة استراتيجية لها انعكاسات ميدانية وسياسية. وقال إن العملية خرجت من بين الركام والدمار في شمال غزة، وأحدثت صدمة مزدوجة داخل أوساط الجيش الإسرائيلي ودوائر صنع القرار.

أوضح عفيفة أن صدى العملية ارتدّ إلى العاصمة القطرية الدوحة، حيث تُدار جولة من المفاوضات غير المباشرة، مشيرًا إلى أن الكمين المفاجئ فرض نفسه بندًا غير مكتوب على طاولة الوسطاء، في إشارة إلى أن الميدان بات شريكًا فعليًا في التفاوض.

وأضاف أن نتنياهو كان في واشنطن يحاول إقناع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدعم إضافي لمواصلة الحرب، بزعم أن النصر بات وشيكًا، لكن جاءت العملية لتُطيح بتلك السردية وتُظهر أن المقاومة لا تزال تملك المبادرة وتتحكم بالميدان.

وتابع أن العملية تسببت في حالة صمت ثقيل داخل المؤسسات العسكرية في تل أبيب، وأعادت إشعال الخلافات بين رئيس الأركان إيال زامير ووزراء اليمين، الذين يتبادلون الاتهامات حول الفشل المتكرر في غزة.

يعيد تشكيل الطاولة السياسية

وأكد عفيفة أن الجيش يشعر بأنه يُقاد نحو الهاوية دون غطاء سياسي، ما يزيد من احتمالية انفجار موجة محاسبة داخلية في حال استمرار الخسائر.

واعتبر أن الرسالة الأهم من العملية هي أن "لا مفاوضات تمر بينما غزة تحترق وحدها، ولا حرب بلا كلفة"، مؤكدًا أن غزة لا تزال ترسم معادلاتها بالدم والمفاجآت.

بحسب المعلومات الميدانية، وقعت العملية في حي الندى شرق بلدة بيت حانون، حيث فجرت المقاومة عبوات ناسفة شديدة الانفجار زرعت مسبقًا في مسار تحرك آلية عسكرية إسرائيلية تقل جنودًا من وحدتي "الناحال" و"نيتسح يهودا".

الانفجار أدى إلى تدمير ناقلة الجند بالكامل، ما أسفر عن مقتل خمسة جنود، بينهم ضابط، وإصابة أكثر من عشرة آخرين بجروح متفاوتة، بعضهم تفحمت جثثهم، وسط حالة من الإرباك والصدمة، تخللتها أنباء عن فقدان الاتصال بعدد من الجنود لساعات.

العملية نُفذت بطريقة احترافية، حيث وثّقت من زوايا متعددة عبر كاميرات للمقاومة، فيما شاركت في الاشتباك وحدات ميدانية خرجت من بين الأنقاض والأنفاق، لتستهدف قوة الإنقاذ التي حاولت التدخل بعد الانفجار الأول.

وتعتبر هذه العملية من أبرز العمليات المركّبة التي تُنفذ في جبهة الشمال منذ شهور، نظرًا لحجم الخسائر والتأثير النفسي والمعنوي على الجبهة الداخلية للاحتلال، وتوقيتها الذي تزامن مع لحظات سياسية حساسة داخليًا وخارجيًا.

وبذلك، تمثل عملية بيت حانون تحولًا نوعيًا في أدوات الاشتباك ورسائل المقاومة، وسط معادلات إقليمية ودولية دقيقة، وتُعيد تثبيت القاعدة التي تقول إن الميدان لا يزال هو اللاعب الأقوى في المعادلة السياسية والعسكرية.

 

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة