رام الله _ شهاب
تشير استطلاعات الرأي الإسرائيلية التي تُنشر منذ عدة أشهر إلى ظاهرة سياسية لافتة، إذ رغم التراجع الواضح في الثقة الشعبية بحكومة الاحتلال الإسرائيلي وتفاقم الأزمات الأمنية والسياسية، إلا أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ما زال يظهر كعقدة مركزية في مشهد تشكيل أي حكومة مقبلة، وتبدو فرص بقائه في الحكم أعلى من فرص إسقاطه.
وأوضح المختص في الشأن الإسرائيلي عماد أبو عواد، أن هذا الواقع يعكس خصوصية البنية السياسية الإسرائيلية، التي لا يمكن تشبيهها بأي نظام آخر، إذ يتصدر نتنياهو المشهد السياسي رغم تراجع شعبية معسكره، نتيجة مجموعة عوامل تكرّس استمراريته.
وقال أبو عواد إن العامل الأول يتمثل بتشتّت المعارضة الإسرائيلية وهي المعادلة التي أنقذت نتنياهو مراراً.
ويرى أبو عواد أن القوى المعارضة لنتنياهو، رغم تعددها من يائير لبيد إلى بيني غانتس وأفيجدور ليبرمان، تعاني من أزمة بنيوية تتمثل في غياب قيادة موحدة تتوافق عليها جميع مكونات المعارضة، وتباينات واسعة في الملفات الأمنية والدستورية، من التجنيد إلى القضاء وغزّة وإدارة الصراع.
وبحسب أبو عواد، فإن الاستطلاعات تظهر أن المعارضة تمتلك مقاعد أكثر من الائتلاف الحالي، لكنها عاجزة عن ترجمة ذلك إلى سلطة سياسية، ما يمنح نتنياهو نافذة بقاء دائم.
ووفق المختص في الشأن الإسرائيلي، فإن العامل الثاني يتمثل بتغيّر في خطاب المعارضة تجاه إمكانية التشارك مع نتنياهو
ولفت أبو عواد إلى تحول لافت داخل عدة أحزاب معارضة، يتمثل في تراجع "الفيتو" القديم على الجلوس مع نتنياهو، بعد أن أدركت المعارضة أن المقاطعة السابقة كانت "كارثة استراتيجية" سمحت لليمين المتطرف بالهيمنة على الدولة.
ويظهر هذا التحوّل في تصريحات من "المعسكر الرسمي" حول التعاون إذا اقتضت الضرورات الأمنية، وعدم تمسك لبيد بالقطيعة المطلقة مع نتنياهو، ونقاشات داخل حزب ليبرمان حول أن مواجهة نفوذ الأحزاب الدينية قد يكون أولوية تتقدم على إقصاء نتنياهو، ومواقف نفتالي بينِت الأخيرة التي لم تستبعد بشكل قاطع إمكانية التحالف معه، وفق أبو عواد.
أما العامل الثالث، حسب المختص في الشأن الإسرائيلي فإنه يتمثل بسيطرة اليمين المتطرف بسبب قطيعة المعارضة، حيث أصبح نفوذ الصهيونية الدينية والحريديم أكبر من أي وقت مضى، ودخلت "إسرائيل" في حالة أسر سياسي لهذه الأحزاب، في ظل قدرتها على ابتزاز نتنياهو بعناوين من قبيل "إما نحن أو السجن".
وتحوّلت هذه القوى إلى "بيضة قبان" تستنزف موارد الدولة وتعيق تشريعات أساسية مثل قانون التجنيد، ما دفع المعارضة لاستخلاص أن "العمل مع نتنياهو ضمن قيود" قد يكون أقل ضرراً من ترك الدولة لليمين المتطرف الخالص.
بخصوص العامل الرابع، بحسب أبو عواد فإن استطلاعات الرأي تشير إلى أنه لا معسكر يستطيع الوصول إلى 61 مقعداً، واليمين الديني القومي يتراجع، لكن ليس بمستوى إسقاط معسكر نتنياهو، والمعارضة تتقدم رقمياً، لكنها عاجزة عن بناء ائتلاف مستقر دون شريك من اليمين التقليدي.
وبناءً عليه، فإن الأزمة الائتلافية المقبلة _وفق ابو عواد _ تبدو مستعصية على الحل إلا عبر تفاهمات جديدة تعيد نتنياهو إلى الواجهة بوصفه "الخيار الأقل سوءاً" لبعض قوى المعارضة.
ويتطرق أبو عواد إلى تأثير العامل الأمريكي، وهو العامل الخامس، خصوصاً في عهد الرئيس دونالد ترامب، الذي يسعى لإعادة ترتيب التحالفات في المنطقة، وتبرز عدة مؤشرات تتمثل بدعوات ترامب المتكررة لمنح نتنياهو عفواً مقابل ترتيبات سياسية، ورغبة واشنطن في وجود قيادة إسرائيلية قادرة على الموافقة على ترتيبات كبرى تشمل غزة والاتفاقات الإقليمية والتطبيع، وتخوّفها من انهيار نتنياهو لما قد يسببه من فوضى سياسية في لحظة إقليمية حساسة، لذلك، تفضّل التعامل مع “نتنياهو المقيّد” على مواجهة "إسرائيل" في حالة فراغ سياسي.
أما عن سيناريوهات الحكومة المقبلة في ضوء تشتّت المعارضة، وصعود اليمين المتطرف، وتحوّلات واشنطن، يرجح أبو عوّاد أن استمرار نتنياهو في الحكم يبقى السيناريو الأكثر واقعية.
وأشار إلى أن السيناريو الأكثر تداولاً اليوم هو حكومة وحدة جزئية أو واسعة يكون نتنياهو جزءاً منها ولو بشروط مقيدة، باعتباره أقل الضررين للمعارضة والضامن الوحيد لتحييد اليمين المتطرف، وهو الخيار المقبول أمريكياً.
أما البديل، فهو العودة إلى مشهد 2019 بتكرار انتخابات متتالية، ما يبقي نتنياهو رئيس حكومة انتقالية لسنوات دون حسم واضح.
