تقرير – شهاب
هنا غزة، في أرضٍ لم تجف بعد من رماد الحرب، يتقدّم الشتاء بملامحه القاسية، ويطرق على أسقف النايلون الهشة، والخيام القماشية البالية، كمن يذكّر الناجين بأن الحرب لم تنتهِ بعد، بل غيّرت شكلها، من لهبٍ ونار من الاحتلال إلى صقيعٍ وبرد ينصل العظام الموجوعة من الحرب والجوع.
والمطر هذه المرة لا يحمل بشارة خير، ليأتي مثقلاُ بالدمع والبرد والطين، وتسير الرياح في أزقة الخيام كأنها تبحث عن نافذة بيتٍ غاب، وتصفّر بين الأقمشة المهترئة كصفير الذاكرة التي ترفض أن تنطفئ.
كما أن الغزيون لا يتهيأون لفصل الشتاء بملابس جديدة أو سخانات كهربائية، بل بالتنفس العميق ومحاولة النجاة يوماً آخر، قبل أن تغرق الأقدام في الطين وتنكمش الأجساد الصغيرة تحت البطانيات الرطبة إذا توفرت.
إنه الشتاء الثالث للحرب، لكنه الأول الذي يأتي على غزة وقد فقدت كل شيء تقريبًا، البيوت، والأبواب، والجدران، والمدافئ، والماء النظيف، وحتى الصباحات الهادئة.
ومنذ عامين، يعيش الناس تحت السماء مباشرة، واليوم يأتي المطر ليشاركهم هذه العراء، كضيفٍ ثقيل على مائدة لا طعام فيها.
خيامٌ في مهبّ الريح
من بعيد، تبدو مخيمات النزوح كبحرٍ أبيض من القماش الممزق، تتحرك مع الرياح كما لو أنها أرواح تبحث عن مأوى، فكل خيمة تحمل حكاية بيتٍ كان، وجدارٍ تهدّم، وصوتِ طفلٍ لم يعُد ينام إلا على إيقاع الرعد.
ويقول "أبو محمد" من سكان مخيم للنازحين في منطقة المواصي جنوب غرب قطاع غزة: "حين تمطر، نغلق عيوننا كي لا نرى الماء يدخل الخيمة من كل اتجاه، ولا نملك ما نغطي به الثقوب، حتى الأغطية أصبحت أثقل من أجسادنا حين تبتلّ".
وأضاف "أبو محمد"، أنه مع كل زخة مطر، تتحول الأرض إلى بحرٍ من الوحل، والممرات إلى مصائد للمياه العادمة، وفي الليل، تهبّ الرياح فتُسقط الخيام الضعيفة على من فيها، فتتعالى صيحات الاستغاثة من كل مكان، لكن لا أحد يملك أن يهرع إلى أحد، فالكلّ غارق في معركته الصغيرة ضد الماء والبرد والعجز.
أما أبو العبد فقال إنه "حين تهبط درجات الحرارة إلى ما دون العشرة، يبدأ الصقيع في التسرب إلى القلوب قبل الأجساد، فيبدأ الناس يحرقون بقايا الخشب والملابس القديمة لتدفئة أطفالهم، فيختنق الدخان في صدورهم قبل أن يدفئ أيديهم".
كما يقول الطبيب الميداني "علاء زعرب" العامل مع منظمة طبية محلية: "نرى حالات التهاب رئوي كثيرة بين الأطفال، ونقص حرارة حادّ لدى كبار السن، ومع غياب الأدوية والتدفئة، نخشى من ارتفاع الوفيات في هذا الشتاء".
وأضاف: "في كل خيمة قصة مع البرد، أمّ تضع ابنها المريض في حضنها محاولة أن تبعث فيه دفء الجسد، ورجل عجوز يلفّ نفسه ببطانية مبللة ينتظر الشمس، وأطفالٌ يحلمون فقط بليلةٍ لا تهطل فيها السماء عليهم".
كارثة إنسانية
ففي غزة، شبكات الصرف الصحي مدمّرة، وشوارع كثيرة تتحول إلى أنهار من الوحل، ومع كل عاصفة تختلط مياه الأمطار بمياه المجاري، فينتشر المرض مع كل بركة تتكوّن أمام الخيام، وحتى المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء تغرق أحيانًا، فتتحول الصفوف إلى برك من المياه.
ومن جانبها، حذرت بلدية غزة، من تفاقم الكارثة الإنسانية الكبيرة التي تعيشها المدينة بالتزامن مع بدء موسم الأمطار، في ظل الدمار الواسع الذي ألحقته حرب الإبادة الجماعية بالبنى التحتية.
وقالت البلدية: "المدينة تعيش كارثة كبيرة بسبب الدمار في البنية التحتية والنزوح، قد تتفاقم مع بدء فصل الشتاء"، موضحةً أنه مع اقتراب موسم الأمطار تتضاعف "مخاوف الفلسطينيين بغزة بسبب حجم الدمار الذي أصاب المدينة وبناها التحتية".
وأكدت بلدية غزة على أن طواقمها تعمل "بكل ما تملك، رغم الظروف القاسية وقلة الإمكانيات، من أجل التخفيف من آثار الأمطار وحماية السكان قدر المستطاع".
كما حذرت بلدية رفح من كارثة إنسانية وشيكة تهدد حياة عشرات الآلاف من أبناء رفح النازحين، مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل غياب المأوى الملائم وانعدام مقومات الحماية من البرد والأمطار.
وأكدت البلدية، أن جميع عائلات رفح ما زالت نازحة منذ أكثر من ثمانية عشر شهراً، وتعيش في مخيمات مكتظة في مواصي رفح ومناطق النزوح الأخرى جنوب ووسط قطاع غزة، وسط ظروف قاسية ونقص حاد في أبسط مستلزمات الحياة.
وأشارت إلى أن الخيام الحالية متهالكة وضعيفة الحماية، ولم تعد قادرة على الصمود أمام الظروف الجوية القاسية، محذرة من أن أي منخفض جوي أو هطول للأمطار قد يتسبب بـ"مأساة إنسانية حقيقية" تطال عشرات الأرواح، خصوصاً من الأطفال وكبار السن.
ودعت بلدية رفح إلى إدخال ما لا يقل عن ٥٠ ألف خيمة و١٠٠ ألف شادر وأغطية وملابس شتوية لتوزيعها على أسر رفح النازحة في مخيمات رفح وسائر مناطق النزوح في قطاع غزة.
وفي تصريح سابق، قال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي بغزة إسماعيل الثوابتة، إن 288 ألف أسرة فلسطينية تعيش في الشوارع والساحات العامة بعدما فقدت منازلهم في حرب الإبادة ولم يتوفر لها بدائل للإيواء.
وأشار الثوابتة، إن البروتوكول الإنساني لاتفاق وقف النار نص على إدخال أكثر من 300 ألف خيمة وبيت متنقل لإيواء النازحين إلا أن إسرائيل لم تلتزم بذلك.
2 مليون فلسطيني بالعراء
ومن جهته، أطلق مركز غزة لحقوق الإنسان تحذيرًا شديد اللهجة بشأن تفاقم الكارثة الإنسانية التي يعيشها نحو مليوني فلسطيني في قطاع غزة، مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل غياب المأوى الآمن ونقص الخيام وندرة الأغطية والملابس الشتوية.
وأكد المركز، أن عشرات آلاف الأسر لا تزال تقيم في خيام مهترئة لا تقيهم برد الليل ولا أمطار الشتاء، بينما تُحرم من أبسط احتياجات الحياة بفعل الحصار واستمرار إغلاق المعابر ومنع دخول مواد الإغاثة، رغم مرور شهر على بدء وقف إطلاق النار.
وأشار إلى أنه لم يتم تلبية سوى 23% من احتياجات المأوى الشتوي، ما يعني أن نحو 945,000 شخص يعيشون دون حماية كافية، فيما تُظهر تقديرات الأمم المتحدة أن هناك 1.5 مليون شخص معرّضون للبرد والأمطار نتيجة تأخر دخول مواد الإيواء، ونحو 74% من الخيام الحالية غير صالحة للسكن بسبب التآكل وسوء الجودة.
وشدد، على أن الخيام لم تعد كافية لتوفير الحد الأدنى من الأمان الإنساني، مطالبًا باعتماد الكرفانات كبديل أكثر فعالية يوفر حماية أفضل من البرد والمطر، ويحد من مخاطر الأمراض التنفسية وحالات الوفاة بين الأطفال وكبار السن، إلى جانب ضرورة المباشرة في تنفيذ خطة الإعمار والإيواء العاجل لمئات آلاف المشردين.
ودعا المركز إلى فتح جميع المعابر فورًا والسماح بدخول مواد الإغاثة الشتوية الأساسية، بما في ذلك الكرفانات، الخيام، البطانيات، الملابس، الأغطية الأرضية، ومواد العزل.
كما أكد مركز غزة لحقوق الإنسان على أن مواجهة الكارثة الإنسانية المقبلة تتطلب تحركًا عاجلًا يتجاوز البيانات والوعود، فالشتاء في غزة لا يعني انخفاض درجات الحرارة فحسب، بل يهدد حياة مئات آلاف المدنيين الذين يعيشون دون مأوى أو حماية.
كما وشدد على أن إنقاذ الأرواح وتوفير الكرامة الإنسانية للنازحين مسؤولية مشتركة تقع على عاتق المجتمع الدولي، والمنظمات الإنسانية، والسلطات المحلية على حد سواء.
وخلال موسمي الشتاء في عامي الإبادة، اقتلعت الرياح العاتية وأغرقت مياه الأمطار عشرات الآلاف من خيام النازحين، ما أدى أيضا إلى تلف مستلزماتهم الشخصية بعدما اكتست بالطين.
ونهاية سبتمبر/ أيلول الماضي، قال المكتب الإعلامي الحكومي إن 93 بالمئة من إجمالي خيام النازحين في القطاع انهارت ولم تعد صالحة للإقامة، بواقع 125 ألف خيمة من أصل 135 ألفا.
ورغم انتهاء الحرب، ما زال النازحون الفلسطينيون يعيشون ظروفا إنسانية كارثية في ظل نقص توفر مقومات الحياة وصعوبة الوصول إلى الأساسيات بعدما حولتهم الحرب، وفق معطيات البنك الدولي، إلى فقراء.
وارتكبت إسرائيل عشرات الخروقات للاتفاق ما أسفر أيضا عن استشهاد 241 فلسطينيا وإصابة 619 آخرين منذ 11 أكتوبر المنصرم.
وفي 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بدأت حكومة الاحتلال الإسرائيلي إبادة جماعية بغزة بدعم أمريكي، استمرت لعامين، وخلفت أكثر من 69 ألف قتيل وما يزيد عن 170 ألف جريح، وألحقت دمارا طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية في القطاع.
