منذ أيام، تتصدر قضية الممرضة الفلسطينية تسنيم مروان الهمص المشهد الإنساني في غزة، بعد أن أعلن الاحتلال الإسرائيلي استخدامها كأداة ابتزاز مباشرة للضغط على والدها، الدكتور مروان الهمص، الطبيب والمستشار الإداري في المستشفيات الميدانية.
اختُطِفت تسنيم أثناء ممارسة مهنتها في تقديم الرعاية الطبية، حيث اقتحمت قوة مسلحة نقطة طبية؛ إذ وصلت شاحنة صغيرة تقلّ أربعة مسلحين وسائق بزي مدني إلى محيط النقطة الطبية في منطقة الأرض الطيبة، غربي محافظة خان يونس، واعترضت طريق الممرضة أثناء توجهها إلى عملها. ترجّل عدد من المسلحين من الشاحنة، وسحبوا الممرضة بالقوة إلى داخل المركبة بعد الاعتداء عليها بالضرب وتكميم فمها، وسط إطلاق نار في الهواء لتفريق المواطنين الذين حاولوا التدخل، قبل أن تغادر الشاحنة باتجاه المناطق الشمالية من محافظة رفح، وهي منطقة تخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي، بعد نحو شهرين من اختطاف والدها، الطبيب مروان الهمص، مدير المستشفيات الميدانية، في ظروف مماثلة، قبل أن يتبين وجوده داخل السجون الإسرائيلية.
أداة ضغط وابتزاز
من جانبه، أكّد المرصد الأورومتوسطي أنّ هذه الجريمة تمثّل امتدادًا واضحًا لنهجٍ إسرائيلي في استخدام سياسة الخطف والإخفاء القسري ضد المدنيين في قطاع غزة، سواء من خلال وحدات خاصة تابعة للجيش أو عبر ميليشيات مسلّحة تعمل بإمرته أو بتنسيق مباشر معه، في انتهاك جسيم لأحكام القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الأربع، ولا سيّما القواعد التي تكفل حماية المدنيين والعاملين في المجال الصحي أثناء النزاعات المسلحة.
وفي هذا السياق، أفاد المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى بحصوله على معلومات موثقة تؤكد قيام سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" باستخدام المعتقلة الفلسطينية الممرضة تسنيم مروان الهمص، ابنة الطبيب الفلسطيني المعتقل مروان الهمص، كأداة للضغط والابتزاز بهدف إجبار والدها على تقديم أقوال واعترافات تخدم رواية الاحتلال في قضايا معينة.
وأوضح المركز أنَّ هذا السلوك لدولة الاحتلال، القائم على استخدام ذوي الأسرى والمعتقلين كرهائن وأدوات ابتزاز وضغط وترهيب، لا يعكس سوى مستوى الانحطاط والتخبط الذي وصلت إليه الأجهزة الأمنية وكافة المستويات العسكرية والسياسية في سلوكها مع الفلسطينيين عموماً، والأسرى والمعتقلين خصوصاً، وتحديداً السيدات والأطفال.
وأشار إلى أنَّ حادثة اختطاف الممرضة تسنيم الهمص، التي لم تستدعِ موقفًا دوليًا واحدًا من قبل المجتمع الدولي، ومن قبلها عملية اختطاف والدها من مكان عمله، ثم ما يمارس بحق هذه العائلة الآن في سجون الاحتلال "الإسرائيلي"، تؤكد استمرار النهج ذاته.

وقال إنَّ ما بدأ يتكشف الآن، وربما لاحقًا، يؤكد مجددًا وبشكل لا لبس فيه أن الاحتلال ماضٍ في استخدام أسلوب العصابات ولغة العربدة وشريعة الغاب التي بات يحتكم إليها في التعامل مع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين.
منذ بدء الحرب على غزة، تزايدت التقارير الصادمة عن ما يتعرض له المعتقلون الفلسطينيون داخل السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية بصورة ممنهجة: تعذيب بدني ونفسي، إهمال طبي، تجويع، حرمان من أبسط مقومات الإنسانية، وحتى عنف جنسي في حالات كثيرة.
ذاكرة جمعية صادمة
وفق التقرير الأخير لـ "أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل"، وثّق منذ أكتوبر 2023 حتى الآن وفاة ما لا يقل عن 98 فلسطينيًا داخل مراكز الاحتجاز والسجون الإسرائيلية، والسبب حسب التقرير: "التعذيب، الاعتداء، الإهمال الطبي أو سوء التغذية".
لكن الأرقام ليست مجرد إحصائيات؛ فشهادات الأسرى المحررين والمفرج عنهم من الاعتقال رسمت لوحة رعب في الذاكرة الجمعية الفلسطينية، تتمثل في غزيون محتجزون محبوسون في "أقفاص"، يُجرّدون من ملابسهم، يُجبرون على الوقوف أو التعليق لساعات، يُمنع عنهم الطعام أو الماء أو الرعاية الطبية، وجُرّدت نساء ورجال من حقهم في النظافة، وحتى من أوراق صحية وفوط نسائية — فيما يشبه سياسة متعمدة لتدمير الجسد والكرامة.
في هذا السياق، يُصبح احتمال أن تتعرض تسنيم — باعتبارها ممرضة مدنية — إلى نفس هذه الانتهاكات إذا أضفنا إلى ذلك الهدف المعلن، وهو استخدام ذوي المعتقلين كـ "أوراق ضغط" — كما تشير تصريحات المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى — فإن الخطر يتعدى مجرد اعتقال أو احتجاز إلى ابتزاز نفسي وانتهاك حياة، وابتزاز على حياة إنسان، على كرامة مدنية، على حق في الرعاية، أو على حق في النجاة.
لهذا، فإن الحديث عن قضية تسنيم لا يمكن أن يقتصر على "اختطاف" فحسب، بل يجب أن يُقرأ في إطار "سلسلة انتهاكات ممنهجة" تعصف بالمعتقلين الفلسطينيين — ذكورًا وإناثًا — المدنيين، المرضى، الأطباء، الممرضات، العاملين في الرعاية الطبية، وكل من لا ذنب له سوى إنسانيته.
رغم فداحة ما تتعرض له الممرضة الفلسطينية تسنيم مروان الهمص — اختطاف، عزل، إخفاء قسري، وابتزاز عبر استغلالها كورقة ضغط ضد والدها الطبيب — لم تحظَ قضيتها بأي اهتمام يُذكر من المؤسسات الدولية أو النسوية أو الحقوقية.
خذلاناً صارخاً
ترى الباحثة المتخصصة في قضايا النساء، مريهان أبو لبن، أن صمت المجتمع الدولي تجاه الانتهاكات التي تتعرض لها النساء الفلسطينيات ليس حالة عابرة، بل رسالة واضحة على التهميش المتعمد.
تشير أبو لبن إلى أن قضية الممرضة الفلسطينية تسنيم الهمص، التي اختطفت واستخدمت كأداة ابتزاز سياسي، تكشف خذلاناً صارخاً من قبل المؤسسات الحقوقية والنسوية العالمية، التي تتصدر بيانات مطولة عند تعرض أي امرأة للعنف في أي مكان، لكنها لم تتحرك ولو ببيان مقتضب لحماية امرأة فلسطينية تواجه أحد أشكال العنف الأكثر وحشية: الاختطاف، الإخفاء القسري، والتهديد المباشر لحياتها.
وتوضح أبو لبن أن هذا الصمت الدولي لا يمكن فصله عن البعد الاجتماعي، فالنساء الفلسطينيات يتعرضن داخل السجون لمستويات مضاعفة من العنف، تشمل التعري، التهديد الجنسي، الإهمال الطبي، العزل، والإذلال، إلى جانب الحرمان من التواصل مع ذويهن. وحين تكون المرأة أسيرة ومختطفة في ظروف غياب شبه كامل عن الرقابة، يتضاعف الخوف، ويغدو غياب المجتمع الدولي صمتاً يشرعن الانتهاك، بحسب أبو لبن.
وتشير الباحثة إلى أن استمرار احتجاز تسنيم رغم قرار الإفراج عنها، ومن دون السماح لمحامٍ بالوصول إليها أو الكشف عن مكان احتجازها، يجعل قضيتها نموذجاً حيّاً للعنف المبني على النوع الاجتماعي، وللسياسة الممنهجة التي تستخدم فيها إسرائيل جسد المرأة وصحتها كأداة للتفاوض مع ذويها.
وفي ظل غياب أي موقف دولي، تصبح تسنيم واحدة من آلاف النساء اللواتي يقفن اليوم بلا حماية، بلا صوت، وبلا جهة دولية تجرؤ على مساءلة الاحتلال عن الانتهاكات المستمرة.
وتوسع أبو لبن نظرتها لتؤكد أن صمت العالم لا يقتصر على قضية تسنيم وحدها، بل يشمل النساء الغزيات بشكل عام، اللواتي يعانين بشكل يومي جراء الإبادة والحصار المطبق، من تجويع ممنهج، قصف، فقدان للمأوى، وحرمان من الخدمات الأساسية، في ظروف تهدد حياتهن وصحتهن الجسدية والنفسية. وفي هذا السياق، تصبح قضية تسنيم ليست حادثة فردية، بل اختباراً أخلاقياً للمجتمع الدولي، ومؤشراً على حجم التمييز الجندري والسياسي الذي تتعرض له النساء الفلسطينيات في سياق الاحتلال المستمر.
وتختتم أبو لبن مؤكدة أن التساؤل الأكثر إلحاحاً يبقى: إذا كان المجتمع الدولي يصمت في ذروة حملة عالمية لمناهضة العنف ضد المرأة، فمتى ستتحرك المؤسسات فعلياً؟ ومتى يُعتبر الإخفاء القسري والابتزاز والاحتجاز غير القانوني شكلاً من أشكال العنف يستحق الإدانة والمساءلة؟
