تقرير – شهاب
أثار إعلان حكومة الاحتلال الإسرائيلي اعترافها الرسمي بإقليم أرض الصومال (صوماليلاند) دولةً مستقلة موجة واسعة من ردود الفعل الإقليمية والدولية، في وقت تتصاعد فيه التوترات في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وسط تحذيرات من انعكاسات الخطوة على أمن الملاحة الدولية واستقرار المنطقة.
وجاء الإعلان الإسرائيلي بعد يوم واحد فقط من تصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب أكد فيه رفض واشنطن الاعتراف باستقلال الإقليم، مكتفيًا بالرد بـ“لا” على سؤال لصحيفة "نيويورك بوست" حول إمكانية اتخاذ موقف مماثل للموقف الإسرائيلي، مع الإشارة إلى أن مقترح إنشاء قاعدة بحرية أميركية في الإقليم "قيد الدراسة".
وأعلنت تل أبيب، يوم الجمعة، اعترافها بما أسمته "جمهورية أرض الصومال" دولةً مستقلة وذات سيادة، عقب توقيع وزير الخارجية بحكومة الاحتلال الإسرائيلي جدعون ساعر ورئيس الإقليم إعلانًا مشتركًا، قُدِّم في إطار ما وصفته إسرائيل بـ"روح اتفاقيات أبراهام".
وبحسب مراقبون، فإن هذه الخطوة تُعد خروجًا واضحًا عن الموقف الدولي السائد، إذ لا تحظى أرض الصومال بأي اعتراف دولي، وتُعتبر قانونيًا جزءًا من أراضي جمهورية الصومال الفيدرالية، وفق قرارات الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي التي تؤكد احترام وحدة الدول وسلامة أراضيها.
ما هي أرض الصومال؟
تعود جذور قضية أرض الصومال إلى الحقبة الاستعمارية، حين كانت المنطقة تُعرف بـ“الصومال البريطاني”، قبل أن تنال استقلالها عام 1960 وتندمج طوعًا مع الصومال الإيطالي لتشكيل الدولة الصومالية الحديثة.
غير أن الخلافات السياسية والتهميش الذي شكا منه الإقليم خلال حكم الرئيس محمد سياد بري، إلى جانب الحرب الأهلية التي اندلعت لاحقًا، دفعت سلطاته المحلية إلى إعلان الانفصال من جانب واحد عام 1991.
ومنذ ذلك الحين، تمكن الإقليم من بناء مؤسسات حكم محلية، وقوات أمن، وعملة خاصة، وشهد مستوى من الاستقرار مقارنة ببقية مناطق الصومال، إلا أنه لم يحصل على أي اعتراف دولي، ولا يتمتع بعضوية الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية الرئيسية.
كما يحظى إقليم أرض الصومال بأهمية استراتيجية متزايدة، نظرًا لامتلاكه ساحلًا طويلًا على خليج عدن، بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
ويجعل هذا الموقع الإقليم محط اهتمام قوى إقليمية ودولية تسعى إلى تعزيز نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في ظل تصاعد المنافسة الجيوسياسية وتزايد المخاطر الأمنية في المنطقة.
أطماع جيوسياسية في البحر الأحمر
في المقابل، جدّدت الحكومة الصومالية رفضها القاطع للاعتراف الإسرائيلي، مؤكدة أن أرض الصومال جزء لا يتجزأ من أراضي الدولة الصومالية، وأن أي اعتراف أحادي بالإقليم يشكّل خرقًا خطيرًا للقانون الدولي.
ووصف رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري إعلان رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاعتراف بأرض الصومال بالاعتداء الصارخ على سيادة الدولة الصومالية ووحدة أراضيها، مشددا على أنه إجراء باطل شرعا وقانونا.
وأكد بري، أن هذا الاعتراف ليس له أي أثر قانوني، مشددا على أن الصومال دولة مستقلة ذات سيادة وحدود معترف بها دوليا.
كما أكد على رفض الصومال، حكومة وشعبا، موقف نتنياهو الذي وصفه بـ"المتهور" جملة وتفصيلا، مضيفا أن الأجدر به هو الاعتراف بالدولة الفلسطينية التي يحتل أرضها ويشرد شعبها، بدلا من التدخل في شؤون الصومال.
وحذّر رئيس الوزراء الصومالي من الأبعاد الجيوسياسية للخطوة الإسرائيلية، مشيرا إلى أن "إسرائيل" تسعى للحصول على موطئ قدم في منطقة القرن الأفريقي بهدف السيطرة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وأوضح بري أن هذه المساعي تشمل محاولات لتأسيس قواعد عسكرية، مما يشكل "سابقة خطيرة" تهدد أمن المواطنين الصوماليين والاستقرار الإقليمي في المنطقة برمتها.
وعن الخطوات العملية لمواجهة هذا القرار، كشف بري عن تحركات دبلوماسية واسعة قامت بها مقديشو، شملت الاتصال بالدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الدولية.
وأشار بري إلى وجود إجماع دولي وإقليمي يساند الموقف الصومالي ويرفض التجاوزات الإسرائيلية للقانون الدولي.
وشدد رئيس الوزراء الصومالي على أن بلاده تمتلك الحق الكامل في استخدام كافة الآليات القانونية المتاحة للدفاع عن وحدة أراضيها، مؤكدا أن بلاده ستواصل تحركها الدبلوماسي والقانوني "لصد هذا العدوان بكل الأشكال الممكنة".
كما أدانت وزارة الخارجية الفلسطينية الخطوة الإسرائيلية، محذّرة من تداعياتها السياسية، فيما أعلنت كل من مصر وتركيا رفضهما للاعتراف، معتبرتين أنه يهدد أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وينعكس سلبًا على أمن دول المنطقة، وفي مقدمتها اليمن ومصر.
تداعيات محتملة
ومن جانبه، رأى الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم أن إعلان "إسرائيل" الاعتراف بإقليم أرض الصومال (صوماليلاند) يشكّل تطورًا سياسيًا لافتًا يتجاوز البعد الدبلوماسي المباشر، ويعكس تحركًا إسرائيليًا محسوبًا ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في مرحلة تشهد اضطرابًا إقليميًا غير مسبوق.
وبحسب إبراهيم، فإن هذا الموقف يعكس مقاربة أميركية تقليدية تقوم على تجنّب الاعتراف السياسي، مع إبقاء المصالح العسكرية والاستراتيجية مفتوحة، معتبرًا أن توظيف هذا الإطار يهدف إلى إضفاء شرعية سياسية على خطوة أحادية تتجاوز الموقف الدولي القائم.
وأشار الكاتب إلى أن هذا الاعتراف قوبل برفض رسمي واسع، إذ أكدت الحكومة الصومالية أن أرض الصومال جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصومال الفيدرالية، وأن أي اعتراف بالإقليم يمثل خرقًا للقانون الدولي وتهديدًا لوحدة البلاد. كما أدانت وزارة الخارجية الفلسطينية الخطوة الإسرائيلية، محذّرة من تداعياتها السياسية، فيما أعلنت كل من مصر وتركيا رفضهما للاعتراف، محذّرتين من انعكاساته على أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وبحسب إبراهيم، فإن إقليم أرض الصومال يمثّل حالة خاصة في النظام الدولي، إذ أعلن انفصاله من جانب واحد عام 1991 عقب انهيار الدولة الصومالية، وتمكّن منذ ذلك الحين من بناء مؤسسات حكم محلية، وقوات أمن، وإدارة مستقرة نسبيًا، دون أن يحظى بأي اعتراف دولي أو بعضوية الأمم المتحدة. ويرى الكاتب أن هذا الواقع جعل الإقليم عرضة للتوظيف الخارجي في ظل غياب مظلة قانونية دولية تحمي سيادة الصومال.
وأكد إبراهيم أن الأهمية الحقيقية لأرض الصومال لا تكمن في وضعها السياسي بقدر ما ترتبط بموقعها الجغرافي، إذ يمتلك الإقليم ساحلًا طويلًا على خليج عدن، قرب واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق باب المندب، والذي يضع الإقليم في قلب التنافس الدولي المتصاعد على تأمين خطوط الملاحة والتأثير في التوازنات البحرية.
كما يرى الكاتب أن الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم ينسجم مع تحركات سابقة لتوسيع الحضور الإسرائيلي في البحر الأحمر، سواء عبر التعاون الأمني أو العلاقات غير المعلنة مع بعض دول القرن الأفريقي، معتبرًا أن هذه الخطوة تمنح إسرائيل موطئ قدم سياسي وأمني جديد خارج أي إجماع دولي.
وحذر إبراهيم من أن هذه الخطوة قد تتقاطع مع سيناريوهات إقليمية أكثر خطورة، من بينها ما طُرح خلال الحرب على غزة بشأن تهجير الفلسطينيين، حيث جرى تداول اسم أرض الصومال كإحدى الوجهات المحتملة، ما يضفي على الاعتراف الإسرائيلي بعدًا وظيفيًا يتجاوز الحسابات الدبلوماسية التقليدية.
وخلص الكاتب إلى أن غياب موقف عربي موحّد تجاه وحدة الصومال واستقراره أسهم في فتح المجال أمام تدخلات خارجية متزايدة، معتبرًا أن التعامل مع الكيانات الهشّة خارج إطار القانون الدولي قد يؤدي إلى تعميق حالة عدم الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية.
