خاص / شهاب
في صباحات الأعياد تتحول مقابر قطاع غزة إلى الوجهة الوحيدة لآلاف النساء اللواتي فقدن أبناءهن وأزواجهن وأحبتهن خلال الحرب، حيث يغدو العيد بالنسبة لهن موعداً ثابتاً مع الشواهد الحجرية والأسماء التي تعتليها، بدل أن يكون مناسبة للفرح وتبادل الزيارات ودفء البيوت.
هناك، لا يشبه العيد ما اعتادته البيوت. لا أصوات ضحك ولا أبواب تُفتح على عجل لاستقبال المهنئين، بل طرقات بطيئة على تراب المقابر ووجوه تعرف طريقها جيداً إلى أماكن الغياب. الأمهات يأتين وكأنهن يلتقين أبناءهن في موعد لا يتأخر، يضعن أيديهن على الشواهد، يتحدثن بصوت منخفض، كأنهن يخشين أن يقطع أحد هذا اللقاء.
ومع أول ساعات العيد، يتبدل كل شيء في غزة. النساء اللواتي كنّ يستقبلن العيد في البيوت، أصبحن يبدأن صباحهن في المقابر. لا حاجة لكلمات كبيرة، ولا لمظاهر معقدة؛ فقط حضور ثقيل، وذاكرة لا تهدأ، ومحاولة بسيطة لإبقاء من رحلوا قريبين، ولو بين اسمٍ منحوت وحجر بارد.
الأحبة فى القبور
تقول سناء حمدان، وهي تقف في صباح العيد أمام شواهد قبور أبنائها وأحفادها في أحد مقابر قطاع غزة، إنها لم تعد تقصد البيوت كما يفعل الناس في الأعياد، بل تتجه منذ الفجر إلى هذا المكان الذي صار، بحسب وصفها، الوجهة الوحيدة التي تجد فيها عائلتها.
وتضيف حمدان، وهي تتأمل القبور بصمت طويل، أنها فقدت ثلاثة من أبنائها وأربعة من أحفادها خلال الحرب، لكنها رغم ذلك لا تشعر بأنهم غابوا تماماً، بل تصف إحساسها بأنهم “ما زالوا ينتظرونها في المكان ذاته كل صباح عيد”. وتتابع حديثها قائلة إنها تخاطبهم في كل زيارة بعبارة واحدة باتت تكررها كجزء من نهجها الشخصي: “العيد يعني أن نجتمع مع الأحبة.. وأحبتي هنا بين القبور”.
وتؤكد سناء أن مفهوم العيد تبدّل لديها بالكامل منذ فقدانهم، إذ لم يعد مناسبة للزيارات العائلية أو تبادل التهاني، بل أصبح، كما تقول، لحظة مواجهة مباشرة مع الفقد، ولقاء صامت مع من غيّبتهم الحرب. وتختم حديثها بالتأكيد على أن العيد بالنسبة لها لم يعد يُقاس بمظاهر البهجة المعتادة، بل بالمكان الذي تقول إن أبناءها وأحفادها “ما زالوا فيه”، مضيفة: “لا أرى العيد في مكان آخر.. العيد هنا فقط حيث هم”.

تحكي شيماء أبو صافي، وهي تمسك بيد أطفالها الثلاثة في طريقها إلى أحد مقابر قطاع غزة حيث يرقد زوجها، أنها لا تستطيع أن تسمح للعيد بأن يمر دون أن تأتي إليه، معتبرة أن هذا المكان بات، بحسب وصفها، المساحة الوحيدة التي ما زالت تشعر فيها بأن العائلة لم تتفكك بالكامل.
وتضيف أبو صافي، وهي تتابع خطوات أطفالها بين أزقة المقبرة، أن حضورها المتكرر إلى قبر زوجها يمنحها شعوراً مؤقتاً باستمرار الحياة العائلية، رغم الفقد الكبير الذي غيّر تفاصيل يومها. وتؤكد أن غياب الزوج لم ينهِ إحساسها بوجوده، إذ تقول إنها تشعر به قريباً منها، يسمعهم ويرافق أبناءه في صمت.
وتشير إلى أن أطفالها يطرحون عليها في كل عيد السؤال ذاته: “هل سيأتي بابا اليوم؟”، موضحة أن هذا السؤال يتكرر دون أن يدركوا معنى الموت أو ما حدث فعلاً. وتضيف أنها تتعامل مع هذا السؤال بحذر شديد، محاولة ألا تصدمهم بحقيقة الفقد، فتأخذهم إلى القبر بدلاً من شرح ما لا يحتملونه.
وتوضح شيماء أن زيارتهم إلى المقبرة في صباح العيد أصبحت نهجاً ثابتاً، تقول إنه يمنح الأطفال شعوراً مختلفاً بالعيد، حتى وإن كان في سياق حزين، مشيرة إلى أنها تحاول أن تُشعرهم بأن والدهم “ما زال حاضراً بطريقة أخرى”، وأن العيد، بالنسبة لهم، يمر عبر هذا اللقاء الصامت عند شاهد القبر.
محاولة للوفاء
تقول رضا أبو حية، وهي تجلس بين قبور إخوتها في أحد مقابر قطاع غزة عقب صلاة العيد، إن صباح العيد بالنسبة لها لم يعد يبدأ في البيت أو بين أفراد العائلة الأحياء، بل يبدأ منذ اللحظة الأولى التي تصل فيها إلى المقبرة.
وتضيف أبو حية أن فقدانها ثلاثة من إخوتها غيّر شكل العيد بالكامل في حياتها، موضحة أنها تتجه مباشرة بعد الصلاة إلى قبورهم، حيث تجلس بينهم وتقرأ لهم ما تيسر من القرآن الكريم، في نهج تعتبره محاولة للوفاء واستمرار الصلة رغم الغياب.
وتؤكد أنها لا تستطيع، كما تقول، أن تتركهم وحدهم في يوم العيد، فتقضي جزءاً من وقتها بين الشواهد، وأحياناً تقوم بتوزيع الحلوى على الأطفال الذين يزورون قبور ذويهم في المكان نفسه، في مشهد تختلط فيه ملامح الفقد مع أجواء العيد بشكل غير مألوف.
وتشير رضا إلى أن مفهوم العيد لديها لم يعد مرتبطاً بالفرح التقليدي، بل بات، بحسب وصفها، “لقاءً مختلفاً” يجمعها بإخوتها في هذا المكان، حيث يتحول الصمت إلى وسيلة للحضور، والزيارة إلى شكل من أشكال استمرار الحياة مع الغائبين.

إحساساً بالرضا
تقول روان أبو حديد، وهي تقف في صباح العيد عند قبر والدتها في أحد مقابر قطاع غزة برفقة أشقائها، إن العيد بالنسبة لها فقد معناه التقليدي منذ اللحظة التي غابت فيها والدتها، مؤكدة أنها لم تعد تتعامل معه كحدث سنوي للفرح، بل كموعد ثابت للزيارة لا يمكن تغييره.
وتضيف أبو حديد أن فقدان والدتها لم يترك فراغاً عاطفياً فقط، بل غيّر شكل الحياة اليومية داخل الأسرة، مشيرة إلى أن كل الأيام باتت متشابهة لديها، ولا فرق بينها وبين يوم العيد، في ظل غياب الشخص الذي كان يمنح التفاصيل معناها وترتيبها.
وتوضح أنها تخرج مع أشقائها في صباح العيد إلى المقبرة، حيث يتجهون مباشرة إلى قبر والدتهم، وتبقى هناك فترة من الوقت تتولى خلالها، كما تقول، دور الأم البديلة داخل الأسرة، فتقوم بترتيب شؤون إخوتها والعناية بهم كما كانت تفعل والدتها في السابق.
وتشير روان إلى أن هذه الزيارات أصبحت نهجاً ثابتاً لا يمكن التخلي عنه، لافتة إلى أنها تشعر في هذا المكان تحديداً بأنها ما زالت ابنة لوالدتها، وأن الرابط بينهما لم ينقطع رغم الغياب، مضيفة أن حضورها عند القبر في صباح العيد يمنحها إحساساً بأن والدتها ما زالت جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية، وإن غابت عن المشهد المادي للحياة.

