خاص / شهاب
فرض جيش الاحتلال الإسرائيلي، منذ مطلع شهر مايو/ أيار، نمطاً ميدانياً جديداً في قطاع غزة، يقوم على استهداف المنازل والمربعات السكنية عقب إجبار سكانها على الإخلاء، ما خلّف دماراً واسعاً في الأحياء السكنية التي أنهكتها أشهر طويلة من القصف المكثف خلال حرب الإبادة المستمرة على القطاع. وفي الثامن من مايو، قصفت قوات الاحتلال منزلاً يعود لعائلة الأضم في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، الأمر الذي أدى إلى تدمير المنزل وإلحاق أضرار كلية وجزئية بأكثر من 20 منزلاً مجاوراً، نتيجة القوة التدميرية الكبيرة المستخدمة في القصف.
مشهد يومي
فيما تفاقمت الأزمة الإنسانية بفعل استمرار الحصار الإسرائيلي وإغلاق المعابر، ما تسبب في تعطل دخول المساعدات الإنسانية والوقود، في وقت تؤكد فيه مؤشرات رسمية أن ما يسمح بدخوله لا يلبي سوى نسبة ضئيلة من الاحتياجات الأساسية للسكان، إلى جانب استمرار القيود المفروضة على حركة التنقل والسفر.
غير أن التحول الأبرز في المشهد الميداني برز منذ فبراير/ شباط الماضي وحتى مايو/ أيار الجاري، إذ صعّد الاحتلال الإسرائيلي عملياته العسكرية بوتيرة غير مسبوقة، متجاوزاً الذرائع التي كان يروّج لها في بداية اتفاق وقف إطلاق النار.
وبات القصف الإسرائيلي جزءاً من المشهد اليومي الذي يعيشه الفلسطينيون في غزة، مع استمرار استهداف المركبات المدنية ومركبات الشرطة الفلسطينية والنقاط الأمنية في مختلف مناطق القطاع. وبالتوازي مع ذلك، يواصل الاحتلال توسيع ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" غرب المناطق الشرقية، وسط تحذيرات من مخططات إسرائيلية تهدف إلى تقليص المساحة الجغرافية المتاحة لسكان غزة إلى نحو 35% فقط من مساحة القطاع.
وشكلت عمليات الإخلاء وتدمير المنازل، التي بدأت عقب التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، مرحلة جديدة من التصعيد، إذ تكررت بصورة ممنهجة في المنطقة الوسطى، خصوصاً في مخيمات النصيرات والمغازي والبريج، إضافة إلى مدينة دير البلح، عبر اتصالات مسبقة يجريها ضباط استخبارات إسرائيليون لإبلاغ السكان بإخلاء المربعات السكنية قبل استهدافها بالقصف.
وفي سياق الانتهاكات المتواصلة منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار، أكد المكتب الإعلامي الحكومي أن الاحتلال الإسرائيلي واصل عملياته العسكرية وتصعيده الميداني بصورة يومية، عبر سلسلة واسعة من الخروقات التي طاولت مختلف مناطق قطاع غزة، رغم دخول الاتفاق حيّز التنفيذ قبل نحو 227 يوماً.
وأوضح المكتب، في تصريح صحفي، أن قوات الاحتلال ارتكبت خلال هذه الفترة ما مجموعه 3005 خروقات وانتهاكات جسيمة لاتفاق وقف إطلاق النار، تنوعت بين القصف المباشر للمناطق السكنية، واستهداف المدنيين، وتنفيذ عمليات تدمير واسعة لمربعات وأحياء كاملة، إلى جانب إطلاق النار المتكرر على المواطنين، والتوغلات العسكرية داخل المناطق المأهولة بالسكان.
وبيّن أن هذه الانتهاكات المتصاعدة أدت إلى استشهاد 910 فلسطينيين، وإصابة 2747 آخرين بجراح متفاوتة، في وقت تواصل فيه قوات الاحتلال سياسة الاعتقالات والاختطاف بحق المدنيين، حيث جرى اعتقال 82 مواطناً منذ بدء سريان الاتفاق.
وأشار المكتب الإعلامي الحكومي إلى أن الاحتلال لم يكتفِ بالتصعيد العسكري، بل واصل فرض قيود مشددة على دخول المساعدات الإنسانية والاحتياجات الأساسية إلى قطاع غزة، في ظل تفاقم الكارثة الإنسانية الناتجة عن الحرب والحصار المستمر. ولفت إلى أن عدد الشاحنات التي سُمح لها بالدخول إلى القطاع بلغ 49 ألفاً و973 شاحنة فقط، من أصل 135 ألفاً و600 شاحنة كان من المفترض دخولها وفق التفاهمات الإنسانية، ما يعني أن نسبة الالتزام الإسرائيلي لم تتجاوز 36% فقط.
حدة المجاعة
وأكد أن هذا النقص الحاد في تدفق المساعدات الإنسانية والوقود والمواد الأساسية انعكس بصورة مباشرة على الواقع المعيشي للسكان، وفاقم من حدة المجاعة والأزمات الصحية والإنسانية، في وقت تعاني فيه المستشفيات ومراكز الإيواء والبنية التحتية من انهيار شبه كامل بفعل الحرب المستمرة.
وفي ما يتعلق بحرية التنقل والسفر، أوضح المكتب أن الاحتلال سمح بسفر 5636 مسافراً فقط من أصل 17 ألف مسافر كان من المفترض السماح لهم بالمغادرة، بنسبة التزام لم تتجاوز 34%، الأمر الذي يعكس استمرار سياسة التضييق على حركة السكان وعرقلة سفر المرضى والجرحى والطلبة وأصحاب الإقامات الخارجية، رغم الحاجة الإنسانية الملحة لفتح المعابر وتسهيل حركة التنقل.
واعتبر المكتب الإعلامي الحكومي أن هذه الأرقام تعكس بصورة واضحة استمرار الاحتلال في التنصل من التزاماته المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار، عبر الجمع بين التصعيد العسكري والحصار الإنساني، بما يفاقم معاناة أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون أوضاعاً كارثية وغير مسبوقة داخل قطاع غزة.
وفي موازاة ذلك، شهدت أعداد الضحايا ارتفاعاً ملحوظاً منذ اتفاق وقف إطلاق النار، إذ أفادت آخر إحصائية صادرة عن وزارة الصحة بارتفاع عدد الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار إلى 906 شهداء، إلى جانب 2747 مصاباً، فيما ارتفعت الحصيلة الإجمالية لضحايا حرب الإبادة الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إلى 72 ألفاً و803 شهداء، و172 ألفاً و855 جريحاً.
بيئة غير قابلة للحياة.
من جانبه، أكد رامي عبده أن العدوان الإسرائيلي لم يتوقف فعلياً رغم اتفاق وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن الاحتلال انتقل إلى مرحلة أكثر عنفاً تقوم على تكثيف الهجمات العسكرية وتوسيع عمليات التدمير المنهجي للمناطق السكنية في قطاع غزة.
وأوضح عبده أن الاحتلال يواصل استهداف المنازل والمربعات السكنية بعد إجبار سكانها على الإخلاء عبر اتصالات هاتفية وأوامر نزوح مسبقة، قبل تنفيذ غارات عنيفة تسوي الأحياء بالأرض خلال دقائق، مؤكداً أن هذه الإجراءات لا تمنح الاحتلال أي غطاء قانوني لاستهداف المدنيين، بل تعكس إدراكاً مسبقاً بوجودهم داخل المناطق المستهدفة.
وأشار إلى أن الحرب المستمرة منذ 31 شهراً أسفرت عن تدمير أكثر من 80% من منازل قطاع غزة، ما دفع مئات آلاف العائلات إلى النزوح المتكرر والعيش في خيام ومراكز إيواء، أو بجوار منازلهم المدمرة، في ظل غياب أي بدائل آمنة.
وحذر عبده من أن السياسات الإسرائيلية الحالية تهدف إلى تقليص المساحة الجغرافية المتاحة للسكان إلى نحو 35% فقط من مساحة القطاع، بالتوازي مع تدمير مقومات الحياة والبنية التحتية، معتبراً أن ما يجري يندرج ضمن سياسة ممنهجة لدفع الفلسطينيين نحو التهجير القسري وتحويل غزة إلى بيئة غير قابلة للحياة.
