تقرير - عبد الحميد رزق
يستقبل قطاع غزة عيد الأضحى المبارك هذا العام في ظل انهيار اقتصادي كامل وتلاشي مصادر الدخل، ما حرم مئات آلاف الأطفال من فرحة "العيدية"، لتغيب العادة السنوية أمام عجز العائلات عن توفير أدنى المتطلبات.
ومع انعدام الوظائف وتوقف الرواتب، وجد الآباء أنفسهم عاجزين عن تقديم بضع شواكل لأبنائهم، لتغيب بهجة العيد المعتادة، ويتحول هذا الطقس السنوي إلى عبء إضافي على عائلات تصارع يوميًا لتأمين القوت الأساسي.
وتشهد أسواق القطاع ركودًا تجاريًا غير مسبوق نتيجة الشح الحاد في السيولة النقدية والعملات الورقية التي باتت مفقودة تمامًا من أيدي المواطنين، إلى جانب الغلاء الفاحش في الأسعار.
هذا الواقع جعل توفير "العيديات" أو كسوة الأطفال عبئًا ماليًا مستحيلًا يفوق القدرة الشرائية للمواطنين، مما دفع العائلات والنازحين إلى التخلي عن المظاهر الاحتفالية، وإعطاء الأولوية القصوى لتأمين المياه والأغذية الشحيحة بالأساس.
"السيولة مفقودة"
يتحدث المواطن إياد الهندي (54 عامًا)، من سكان معسكر مدينة دير البلح وسط القطاع، عن غياب مظاهر العيد وتلاشي عادة "العيدية" هذا العام، قائلاً: "كنا ننتظر العيد لنوزع العيديات على الأطفال والنساء ونبث الفرحة في أرجاء العائلة، لكن اليوم تبدل الحال كلياً".
ويضيف الهندي في حديثه لـ (شهاب): "فلم نعد نملك حتى السيولة النقدية في جيوبنا، وإن توفرت بضع شواكل فهي تذهب مباشرة لتأمين ربطة الخبز والاحتياجات الأساسية اليومية".
ويشير الهندي إلى أن جيلًا كاملًا من أطفال غزة كبروا خلال هذه الحرب وهم لا يعرفون من العيد سوى أصوات القصف وأجواء النزوح.
وأكد أن انعدام الدخل وتوقف الرواتب جعل من الصعب جدًا مجاراة متطلبات العيد، مما أجبر الجميع على التخلي عن المظاهر الاحتفالية والاكتفاء بصلة الرحم في خيام ومراكز النزوح.
محاولات لادخار العيدية دون جدوى
وفي سياق متصل، تعبر النازحة من شمالي القطاع، أم محمد بدر، عن الصعوبات التي تعيشها الأمهات، مشيرة إلى أنها كانت تحاول ادخار مبالغ بسيطة لتوزيعها كـ "عيدية" ترسم بها الفرحة على وجوه أطفالها.
وتستدرك أم محمد: "لكن غلاء المعيشة الفاحش وشح السيولة جعلا من توفير هذه المبالغ البسيطة أمرًا مستحيلًا هذا العيد".
وتتابع قائلة: "أبنائي باتوا يُدركون حجم الأزمة الكارثية المحيطة بنا، وأصبحوا يخفون رغباتهم البسيطة وانتظارهم لـ "العيدية" حتى لا يزيدوا من معاناة وضغوط الأسرة".
وتضيف: "موسم العيد هذا العام ليس كما الأعوام السابقة؛ فلا فرحة ولا عيديات، والنزوح أكل الأخضر واليابس ولم يترك لنا شيئًا".
"شلل مالي وعمولات باهظة"
من جانبه، يؤكد الخبير في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن قطاع غزة يعيش حالة من الشلل المالي غير المسبوقة، نتيجة الاحتجاز المتواصل للسيولة النقدية وتوقف تدفق الأموال والعملات الورقية عبر منافذ القطاع.
واستعرض أبو قمر في حديثه لـ (شهاب) أبعاد الأزمة موضحًا أن "انعدام الفئات النقدية الصغيرة والورقية في الأسواق خلق أزمة مر مركبة؛ إذ لم يعد المواطن القادر على السحب يجد نقدًا في يده، مما أدى لظهور سوق سوداء تفرض عمولات باهظة وصلت مستويات قياسية للاستبدال أو السحب النقدي".
وأضاف الخبير الاقتصادي أن غياب السيولة تسبب في انكماش القدرة الشرائية للشرائح الاجتماعية كافة، وضرب المشهد التجاري في مقتل.
وأشار إلى أن الأسر أصبحت تفاضل بين أولويات أولية جدًا كالدواء والغذاء، في حين أُلغيت كافة المناسبات والطقوس الاجتماعية ومنها "العيدية"، لكونها تحتاج نقدية ورقية غير متوفرة في التداول اليومي.
ويُذكر أن أزمة السيولة النقدية ترافقت مع فقدان قرابة 85% من المواطنين لمصادر دخلهم المعتادة جراء تعطل الحركة الإنتاجية والتجارية بالكامل، وتدمير معظم المقار المصرفية وأجهزة الصراف الآلي، مما ألقى بظلاله القاتمة على طقوس العيد والمناسبات الاجتماعية وفي مقدمتها "العيدية".
