"لا طواقم، لا معدات، لا دواء"

الغارديان: طبيب غزي يعود من الأسر ليشهد إبادة نظامٍ صحي كامل

الدكتور أحمد مهنا مدير مستشفى العودة

بعد 665 يومًا في السجون الاحتلال الإسرائيلية، لم يكن أكثر ما يخشاه الدكتور أحمد مهنا، طبيب التخدير الفلسطيني، هو آثار الاعتقال أو سنوات الغياب القسري، بل لحظة العودة.

عودةٌ وثّقتها صحيفة" الغارديان" البريطانية في تقرير إنساني مطوّل، تكشف فيه كيف اصطدم الطبيب الغزي بواقعٍ يفوق الكوابيس التي حملها معه خلف القضبان.

عندما وصل مهنا إلى مستشفى العودة شمال غزة، المكان الذي شكّل جزءًا كبيرًا من حياته المهنية قبل اعتقاله، لم يجد مستشفى بالمعنى المعروف، بل مبانٍ منهكة، أقسام مدمّرة، وأجهزة صامتة فقدت وظيفتها، في مشهد وصفه بأنه "خانق"، مضيفًا أنه لم يتمالك نفسه من البكاء عند رؤيته حجم الدمار.

مستشفى بلا حياة

ينقل التقرير عن مهنا قوله إن المستشفى العودة الذي كان يعجّ بالمرضى والطواقم الطبية تحوّل إلى هيكل عاجز عن أداء أبسط وظائفه، لا غرف عمليات مجهّزة، ولا أدوات تخدير كافية، ولا أدوية أساسية لإنقاذ المصابين، ولا طوابير المراجعين والمرضى حيث كانت تعتمد عليه محافظة الشمال كواحد من أبرز المستشفيات هناك.

وتحت عنوان "لا طواقم، لا معدات، لا دواء"، تصف الغارديان واقع العمل الطبي في غزة اليوم، حيث يعمل الأطباء في ظروف تشبه ساحات الكوارث الدائمة، ويضطرون لاتخاذ قرارات قاسية في ظل انعدام الخيارات.

75 زميلًا غابوا

الصدمة لم تكن في الخراب المادي وحده. فبحسب ما نقله التقرير، اكتشف مهنا أن 75 من زملائه العاملين في مستشفى العودة قُتلوا خلال فترة اعتقاله. أسماء يعرفها، ووجوه عمل معها، اختفت من المشهد، تاركة فراغًا هائلًا في الطواقم الطبية، خصوصًا في التخصصات الحرجة.

ولا يتوقف النزيف عند هذا الحد، إذ تشير بيانات نقلتها الصحيفة عن منظمات طبية غير حكومية إلى أن نحو 1200 من العاملين الصحيين الفلسطينيين قُتلوا منذ 7 أكتوبر 2023، فيما اعتقل 384 آخرون لدى جيش الاحتلال الإسرائيلي، في واحدة من أعنف الضربات التي يتعرض لها أي نظام صحي حديث.

الجوع يدخل غرف العلاج

وتتوسع الغارديان في ربط الانهيار الصحي بالأزمة الغذائية، مشيرةً إلى أن 77% من سكان غزة يعانون من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم قرابة 100 ألف طفل، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية.

ويؤكد التقرير أن سوء التغذية لم يعد أزمة منفصلة، بل أصبح عاملًا قاتلًا يضاعف من خطورة الأمراض، ويحوّل الحالات البسيطة إلى مهددة للحياة، في وقت تعجز فيه المستشفيات عن تقديم العلاج اللازم.

هدنة بلا أمان إنساني

ورغم الحديث عن تهدئة، تشير الصحيفة إلى أن الواقع الإنساني في غزة ما زال متفجرًا، إذ لم تتوقف تداعيات الحرب، ولم تبدأ أي عملية تعافٍ حقيقية، في ظل القيود المفروضة على إدخال المساعدات الطبية والإنسانية.

ويحذر التقرير من أن خطط إسرائيلية لإلغاء أو تقييد تراخيص منظمات غير حكومية قد تؤدي إلى شلل إضافي في العمل الإنساني، ما يهدد بحرمان مئات الآلاف من آخر خطوط النجاة المتبقية.

ولا يكتفي التقرير بالسرد، بل ينقل اتهامات مباشرة، حيث تشير "الغارديان" إلى أن منظمات حقوقية دولية، ولجنة تابعة للأمم المتحدة، خلصت إلى وجود تدمير منهجي لنظام الرعاية الصحية في غزة، معتبرة أن ما يجري يرقى إلى سياسات يمكن توصيفها ضمن إطار الإبادة.

ورغم كل ذلك، عاد مهنا إلى العمل فور الإفراج عنه، في خطوة تصفها الصحيفة بأنها مزيج من الواجب واليأس. فالطبيب، بحسب التقرير، يعمل اليوم وهو منهك نفسيًا وجسديًا، ويحمل شعورًا ثقيلًا بأن غزة التي عرفها لم تعد موجودة، وبأن مستقبل عائلته بات معلقًا في فراغ مفتوح.

وتخلص "الغارديان" إلى أن قصة أحمد مهنا ليست استثناءً، بل شهادة حيّة على انهيار نظام صحي بأكمله، وعلى حرب لم تتوقف آثارها عند القصف، بل امتدت لتصيب الحق في العلاج والحياة.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة