تقرير ظاهرة "بيع الأدوار" أمام البنوك بغزة.. تكشف معاناة الطوابير الطويلة والحرب الاقتصادية

صورة تعبيرية

تقرير/ شهاب 
تحوّل الانتظار أمام البنوك في القطاع إلى عبءٍ يومي يُثقل كاهل المواطنين المنهكين أصلًا من تبعات الحرب. فبين حساباتٍ جُمِّدت، وهواتف فُقدت تحت الركام، وأوراقٍ ناقصة لا تُنجَز دون حضورٍ شخصي، يجد الغزيون أنفسهم عالقين في طوابير طويلة، حيث بات "الدور" في طابور البنك يُباع ويُشترى كسلعةٍ جديدة فرضتها الظروف القاهرة. 
منذ أكثر من شهر، تتردد الستينية أم خالد بكرون على أحد بنك فلسطين، محاولة حلّ مشكلاتٍ معقّدة تتعلق بحسابها البنكي، بعد أن نسيت التوقيع الخاص بحسابها، وفقدت هاتفها المحمول خلال قصفٍ طال منزلها، ما حال دون قدرتها على فتح التطبيق البنكي أو إجراء أي معاملة. 


العودة دون فائدة

تقول لـ "شهاب" إن كل زيارة للبنك تنتهي بالعودة دون فائدة، بسبب طول الطابور أو عدم اكتمال الإجراءات، منوهة أن عمرها لا يسمح لها بالوقوف لساعات طويلة أو الوصول في وقتٍ مبكر قبل فتح البنك بسبب أزمة الموصلات.
وتضيف وجدت نفسي مضطرة لشراء "دور" بمبلغ 200 شيكل، فقط لأتمكن من الدخول دون الوقوف في طابورٍ مرهق جسديا ونفسيا. 
تستدرك أن ما دفعته يعادل جزءاً مهماً من دخلها المحدود، لكنها لم تجد خياراً آخر في ظل غياب أي تسهيلات لكبار السن، منوهة أن البنك لا يقوم بأي إجراءات تجاه ما يحدث رغم كثرة الشكاوى. 
في حين توضح سناء أبو مرق "40 عاما"، والتي فقدت زوجها الموظف ويتلقى راتبه من بنك فلسطين، أنها اضطرت لإجراء عدد كبير من المعاملات الإدارية داخل البنك، بهدف ترتيب ملف زوجها واستكمال الإجراءات اللازمة لتلقي راتبه دون عراقيل، وهي معاملات تتطلب مراجعات متكررة وحضوراً شخصياً.
وتتابع قائلة: "أنها خلال الأسبوع الحالي، اضطرت إلى شراء "دور دخول" للبنك مرتين، حتى لا تضطر لترك أطفالها وحدهم في الخيمة لساعات طويلة بانتظار دورها. 
تقول إن المال الذي تدفعه لقاء "الدور" يُثقل كاهلها في ظل وضها الاقتصادي المتردي، لكنه يبقى أهون من القلق الذي ينهش قلبها وهي بعيدة عن أطفالها الأيتام في ظروف غير آمنة.


طوق نجاة مؤقت


في حين يقول سعيد الثلاثيني، انه تم تجُميّد حسابه البنكي خلال الحرب، وواجه صعوبة كبيرة في إعادة تفعيله بعد إعادة فتح البنوك، حاول لأيام الانتظار في الطوابير الطويلة، لكن دون جدوى، إذ كان الوقت ينفد قبل وصول دوره.
ويضيف بعد فشل الانتظار، اضطرت لشراء "دور" بقيمة 100 شيكل كانت أخر ما أملكه من المال، على أمل الدخول سريعاً وإنهاء معاملته، إلا أن المحاولة باءت بالفشل، إذ لم أتمكن من الدخول قبل موعد إغلاق البنك.
وينوه في اليوم التالي توجت قبل الفجر بساعات، في محاولة جديدة لتفادي خسارة أخرى، مقتنعاً بأن النوم في الشارع لانتظار فتح باب البنك بات هو الحل الوحيد في ظل هذا الواقع المرهق.
فيما تحوّل قرب منزل الشاب محمد (27 عامًا) من فرع بنك فلسطين في دير البلح إلى طوق نجاة مؤقت، بعد أن فقد مصدر رزقه الوحيد جراء الحرب في محل لبيع الأدوات الكهربائية، لكن القصف دمّر المحل بالكامل، ليجد نفسه بلا عمل ولا دخل، في مدينة تتآكل فيها فرص الحياة يومًا بعد يوم.
مع تزايد أعداد المواطنين المصطفّين يوميًا أمام البنك، ولساعات طويلة تمتد منذ الفجر، لاحظ محمد حالة الفوضى واليأس التي تسيطر على الطوابير. كبار سن، ونساء، ومرضى، ينتظرون دورًا قد لا يصلهم. عندها، خطرت له فكرة استغلال موقع منزله القريب من البنك، فبدأ بحجز أدوار مبكرة في الطابور وبيعها لمن لا يستطيعون الانتظار طويلًا.
يقول محمد إن ما يفعله ليس رفاهية ولا تجارة رابحة، بل "محاولة للبقاء" فالمبلغ الذي يحصل عليه بالكاد يؤمّن احتياجات أسرته الأساسية، في ظل غياب أي بدائل عمل، وارتفاع الأسعار، وانعدام الدخل. 
ويضيف: "أنا لا أفرض شيئًا على أحد، من يريد يشتري، ومن لا يريد ينتظر"ز


قرارًا شخصيًا


ورغم إدراكه لحساسية ما يقوم به، يؤكد محمد أن الظروف القاسية هي من فرضت هذا الواقع، مشيرًا إلى أن بيع "الدور" لم يكن ليظهر لولا غياب التنظيم وطول فترات الانتظار، وصمت الجهات المسؤولة عن إيجاد حلول تحترم كرامة الناس.
من جانبه يوضح ربيع دويكات، رئيس دائرة اتصال المؤسسات والعلاقات العامة في بنك فلسطين – رام الله، أن ظاهرة بيع الأدوار أمام فروع البنك في قطاع غزة تُعد نتيجة مباشرة للضغط الاستثنائي الذي تشهده الفروع العاملة، بعد تضرر الغالبية العظمى منها خلال الحرب.
ويشير دويكات، في حديث تابعته "شهاب" أن الدمار الواسع حال دون تشغيل معظم فروع البنك، ولم يُستأنف العمل سوى في ثلاثة فروع فقط، الأمر الذي أدى إلى تركز الضغط الذي كانت تتحمله جميع الفروع سابقًا على عدد محدود منها، ما انعكس ازدحامًا شديدًا أمامها.
ويضيف أن عملية بيع الدور تبقى قرارًا شخصيًا بين طرفين، ولا يتدخل البنك فيها بأي شكل من الأشكال، لافتًا إلى أن هذه الظاهرة شهدت تراجعًا نسبيًا مقارنة بالفترات السابقة، نتيجة الخطوات التي اتُخذت لتحسين التنظيم داخل الفروع وتسهيل آلية تقديم الخدمات.
ورغم ذلك، يقرّ دويكات بأن الضغط ما يزال قائمًا، في ظل الكم الكبير من المعاملات المطلوبة من المواطنين بعد سنوات من الحرب والنزوح، موضحًا أن البنك يعمل حاليًا على تطوير آليات التنظيم وتخفيف العبء عن المتعاملين قدر الإمكان.
من جانبه أكد الاقتصادي أحمد أبو قمر أن أزمة "بيع الأدوار" أمام فروع البنوك في قطاع غزة مشكلة تنظيمية وإدارية يمكن إيجاد عدة حلول لها للتخفيف على المواطنين، لكن اكل الأماكن الخدماتية تتهاون في الحل معلقة حدوث المشكلة على الانعكاس المباشر للوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي يعاني منه المواطنون في القطاع.
 وقال أبو قمر في مقابلة مع وكالة "شهاب": "ظاهرة بيع وشراء الأدوار ظهرت نتيجة الضغط الهائل على الفروع المحدودة بعد إغلاق تام لأبواب البنوك خلال الحرب، حيث أصبح الحصول على الدور في بعض الأحيان عملية تجارية بحد ذاتها.


تدخلًا فوريًا


وأشار إلى أن شراء الدور أصبح بالنسبة للبعض وسيلة لتوفير الوقت والجهد، موضحًا أن ما يقوم به المواطن يمثل ما يُعرف في الاقتصاد بــ"كلفة الفرصة البديلة"، أي تقدير القيمة الاقتصادية للوقت مقابل المال. 
ولفت أبو قمر إلى أن هذه الظاهرة تكشف حجم التضييق الذي يعيشه سكان غزة، سواء على صعيد الخدمات الحكومية والأهلية أو الإغاثية أو حتى على صعيد شراء السلع أو إجراء معاملاته المالية.
وتطرق أبو قمر إلى حالة بيع الأدوار أمام بنك فلسطين أنها مشكلة متعلقة بالبنك وأنها حلها أيضا في يد إدارة البنك، مشيرًا إلى أن البنك يعمل حاليًا عبر ثلاثة فروع فقط لخدمة أكثر من 2 مليون نسمة، وهو ما يجعل من المستحيل تلبية احتياجات الجميع.
وقال: "حتى لو زاد عدد الموظفين، فإن الفرع الواحد لا يمكنه استيعاب هذا العدد، والحل يكمن في فتح فروع جديدة وزيادة التوزيع الجغرافي للخدمات".
وأوضح أبو قمر أن هناك حلولًا ممكنة لتخفيف أزمة الأدوار، منها على سبيل المثال ذيادة عدد الفروع العاملة بأسرع وقت، الاعتماد على الحجز الإلكتروني بحيث يتمكن المواطن من حجز دوره مسبقًا مع فرض قيود تمنع تكرار الحجز خلال فترة محددة، إضافة إلى متابعة حالات بيع الأدوار ومحاسبة من يستغل هذه الحاجة الإنسانية.
وختم أبو قمر بالقول إن قضية الأدوار ليست مجرد مشكلة تنظيمية داخل البنوك، بل هي جزء من الحرب الاقتصادية التي يعيشها المواطن في غزة، مؤكداً أن هذه الأزمة تتطلب تدخلًا فوريًا من البنوك وسلطة النقد لتخفيف معاناة السكان اليومية وتأمين وصول الخدمات المالية بشكل عادل ومنظم.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة