لليوم الـ14 على التوالي 

تقرير المدينة بلا ماء.. معاناة نازحي غزة تتفاقم مع استمرار انقطاع المياه

المدينة بلا ماء.. معاناة نازحي غزة تتفاقم مع استمرار انقطاع المياه

خاص _ شهاب 

لليوم الرابع عشر على التوالي، تعيش مدينة غزة أزمة إنسانية متفاقمة جراء الانقطاع المستمر للمياه عن أحياء واسعة من المدينة، في ظل انقطاع خط المياه الرئيسي "ميكروت"، ومنع سلطات الاحتلال طواقم بلدية غزة من الوصول إلى موقع العطل لإجراء أعمال الصيانة اللازمة.

هذا الانقطاع المتواصل فاقم معاناة مئات آلاف المواطنين، وتركهم أمام شحٍ حاد في المياه الصالحة للاستخدام، وسط ظروف معيشية وصحية بالغة الصعوبة، ما ينذر بتداعيات خطيرة على الحياة اليومية والصحة العامة، وبين انتظار الإصلاح، وصمت المجتمع الدولي، تتسع رقعة الأزمة يومًا بعد يوم، لتتحول المياه من حقٍ أساسي إلى معاناة يومية تثقل كاهل مدينة محاصرة منذ سنوات.

الحياة أصبحت لا تحتمل 

تجلس الحاجة أم محمد الخور داخل خيمةٍ مهترئة نُصبت فوق أنقاض منزلها المدمر في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، تحاول الاحتماء من برد الشتاء، فيما تتضاعف معاناتها يومًا بعد يوم مع استمرار انقطاع المياه منذ أكثر من 14 يومًا متواصلة.

تقول أم محمد بصوتٍ يختلط فيه التعب بالغضب لـ "شهاب": "إحنا من أكثر من أسبوعين ما شُفنا نقطة ميّ، لا للشرب ولا للنظافة، بنجيب المي من بعيد، وإذا لقيناها أصلًا، والحياة صارت لا تُحتمل".

وتضيف وهي تشير إلى أوانٍ بلاستيكية فارغة مصطفة بجانب الخيمة "كنت أتحمّل فقدان البيت، بس فقدان المي كسرنا، المي هي الحياة، ومن دونها الإنسان ما بعيش".

وتوضح أم محمد أن أزمة المياه زادت من قسوة النزوح، خاصة مع انخفاض درجات الحرارة وغياب أبسط مقومات الحياة، في ظل عجز تام عن إيجاد بدائل حقيقية، واستمرار منع طواقم البلدية من إصلاح خط المياه المتضرر.

قصة أم محمد هي نموذج لمعاناة آلاف العائلات في مدينة غزة، التي تواجه أزمة إنسانية خانقة، تتجاوز حدود الاحتمال، في ظل صمتٍ مطبق وواقعٍ يزداد قسوة يومًا بعد يوم.

وعلى مقربةٍ من دوار الشجاعية شرق مدينة غزة، يقيم المواطن أشرف جندية في خيمةٍ مؤقتة، ليجد نفسه في مواجهة معاناةٍ جديدة لا تقل قسوة عن فقدان البيت، وهي أزمة انقطاع المياه المتواصلة منذ أكثر من أربعة عشر يومًا.

يقول أشرف جندية بنبرةٍ مثقلة بالإرهاق لـ "شهاب": "المي مقطوعة بشكل كامل، لا في خزان ولا في شبكة، وكل يوم بنطلع ندور على مي بأي طريقة، أحيانًا نمشي مسافات طويلة، وأحيانًا نرجع بخيبة أمل".

ويضيف أن الأزمة لم تقتصر على العطش فقط، إنما امتدت لتشمل كل تفاصيل الحياة اليومية "ما في مي للنظافة، ولا لغسيل الملابس، ولا حتى لطهي الأكل، الأطفال أكثر ناس بتتعب، والجو برد كثير، والظروف صعبة بشكل ما بينوصف".

ويؤكد جندية أن النازحين في المنطقة يعتمدون على كميات محدودة من المياه يتم جلبها بصعوبة بالغة، وغالبًا ما تكون غير كافية أو غير صالحة للاستخدام، في ظل غياب أي حلول عاجلة، واستمرار تعطل خط المياه الرئيسي، ومنع طواقم البلدية من الوصول إليه.

"إحنا مش طالبين رفاهية، بدنا مي بس، المي حق أساسي، والي بصير عقاب جماعي بحق مدينة كاملة"، بهذه الكلمات يختصر أشرف جندية حجم الأزمة التي تضرب غزة، حيث تحوّل الحصول على المياه إلى معركة يومية من أجل البقاء، في واقع إنساني يزداد قسوة مع مرور الوقت.

كارثة صحية وبيئية 

وحذّر المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا من تفاقم غير مسبوق في أزمة المياه التي تعيشها مدينة غزة لليوم الرابع عشر على التوالي، عقب تعطل خط مياه "ميكروت" القادم من الأراضي المحتلة، نتيجة الأعمال العسكرية "الإسرائيلية" في ما يُعرف بالمنطقة الصفراء شرق المدينة.

وقال مهنا في تصريح خاص لوكالة "شهاب" إن تعطل الخط الرئيسي، بسبب التجريف والاستهداف المباشر لمساره، أدى إلى حرمان أكثر من 85% من مساحة المدينة من المياه بشكل شبه كامل، وإصابة المنظومة المائية بالشلل التام، في وقت تعتمد فيه البلدية على هذا الخط  كمصدر رئيسي بعد تدمير الاحتلال لـ72 بئرًا خلال حرب الإبادة الجماعية.

وأوضح أن مدينة غزة تواجه واحدة من أخطر الأزمات المائية في تاريخها، حيث يبلغ الاحتياج اليومي نحو 100 ألف متر مكعب من المياه، بينما لا يتوفر فعليًا سوى ما بين 15 إلى 20 ألف متر مكعب في أفضل الأحوال، ما خلق عجزًا يتجاوز 75%، وانعكس مباشرة على حياة المواطنين والنازحين، إذ لا تتجاوز حصة الفرد في كثير من المناطق 5 لترات يوميًا.

وأشار مهنا إلى أن العطل الأخير تسبب بانقطاع المياه عن أحياء واسعة شملت الزيتون والشجاعية وساحة الشوا وشارع يافا والبلدة القديمة وتل الهوى وأجزاء من الصبرة والمناطق الغربية، مؤكدًا أن اعتماد البلدية القسري على خط "ميكروت" جاء بعد إخراج محطة تحلية السودانية وآبار الشمال والصفا عن الخدمة.

وحذّر من أن الأزمة لا تقتصر على العطش، إنما تمتد إلى كارثة صحية وبيئية، في ظل تكدس مئات آلاف النازحين، وتراكم نحو 350 ألف طن من النفايات، وانتشار الحشرات والقوارض، ما ينذر بتفشي الأوبئة والأمراض، خاصة مع اقتراب فصل الصيف.

وشدد مهنا على أن أزمة المياه ليست أزمة إدارة بلدية، إنما نتيجة مباشرة للحرب والحصار ومنع الإصلاح، محمّلًا الاحتلال المسؤولية الكاملة، وداعيًا المجتمع الدولي إلى التحرك الفوري لإدخال الوقود والمعدات وضمان ضخ مستقر لخط "ميكروت" قبل تحوّل الأزمة إلى كارثة صحية تهدد حياة سكان المدينة.

ومع استمرار انقطاع خط المياه، ومنع أعمال الإصلاح، وتفاقم العجز المائي، تتحول الحياة اليومية إلى صراع مفتوح من أجل البقاء، وبين مسؤولية احتلال يفرض الحصار ويمنع الحلول، وصمت دولي يطيل أمد المعاناة، تبقى المياه في غزة عنوانًا لأزمة إنسانية كبرى، وحقًا أساسيًا يُسلب من مدينة بأكملها.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة