نساء غزة يترددن على مراكز التجميل في القاهرة.. لإزالة تشوهات الحرب!

نساء غزة يترددن على مراكز التجميل في القاهرة.. لإزالة تشوهات الحرب!

تقرير ـ شهاب

في زحام القاهرة، ثمة وجوه لنساء فلسطينيات يعشن في صمت ورفض وخوف، يحاولن استعادة شيء من ملامحهن المفقودة، بمحاولات ترميم وترقيع ما مزقته الصواريخ.

تتردد الغزيات على عيادات التجميل ليبحثن عن وجه يشبه ماضيهن، أو على الأقل لا يفضح مأساتهن كلما نظرن في المرآة والآخرين.

يحملن جروحًا لا تشبه الجراح، وندوبًا وتشوّهات لا تمحوها جلسات التجميل المختلفة. يقفن على قوائم الانتظار في عيادات التجميل، لعلاج آثار الحروق، وإزالة الشظايا. يعرفن أنفسهن أنهن ناجيات من الإبادة، لكنهن ما زلن يخضن معركة قاسية ضد التشوه، والعزلة، وفقدان الهوية.

 

مقاومة أخرى

تتردد إسلام "27 عاما" على عيادة طبية متخصصة في زراعة الأسنان منذ أكثر من سنة، بعد تحويلها للعلاج الى جمهورية مصر العربية ، بعد أن تعرضت للقصف بصاروخ "إسرائيلي" هي وزوجها وطفلها الوحيد بأحد مراكز الإيواء وسط قطاع غزة.

حيث أصيبت بشكل مباشر في مختلف أنحاء جسدها، مما أفقدها الكثير من جمالها، بينما استشهد زوجها وتركها وحيدة تصارع التشويه. أخبرها الأطباء أن 60% من جسدها تعرض لحروق من الدرجة الثالثة، بينما فقدت جميع أسنانها إثر إصابة مباشرة في فكها العلوي والسفلي.

أما نور أبو طحانة، فتقول: "عند ولادتي قبل أكثر من 23 عامًا، فرح أهلي فرحة عامرة، لأنني كنت أمتلك عينين بلون البحر وسط عائلة بدوية تتدرج ألوان عيونها بين الأسود والبني. لكن زرقة عيني، كما أخبرتني والدتي، كانت موروثة من جدتها لأمها."

وتضيف: "كانت زرقة العينين مصدر فخر لي، خاصة في عائلتي الممتدة، حيث كانوا ينادونني بـ(أم العيون الزرق). لكن هذه الحرب وهذه الإبادة أفقدتني لقبي وأفقدتني عيناي. فقد أصبت بشكل مباشر في عيني اليمنى، مما أدى إلى تلفها بالكامل.

و خضعت لعدة عمليات في غزة، جميعها تحت بند (إنقاذ حياتي)، ثم تم تحويلي إلى مصر لإجراء عملية تجميلية لعيني، لا يمكن أن تعيد لي نعمة النظر، لكنها تجمّل شكل وجهي وتعيد لي بعضًا من مظهري الطبيعي."

 

وجه الشظايا

أما غدير (27 عامًا)، فتقول إنها منذ وصولها إلى مصر قبل حوالي عام ونصف، تتردد على عيادات التجميل بهدف استعادة جمالها الذي فقدته إثر صاروخ أطلقه الاحتلال على الخيمة التي كانت تنزح فيها مع عائلتها في منطقة السلام، شرقي رفح، دون سابق إنذار.

في ذلك القصف، فقدت غدير عددًا من أفراد عائلتها، بينما تعرض جسمها بالكامل لتشوهات مختلفة، حيث غرس في وجهها ويديها ورأسها مئات من "شظايا الصاروخ" التي شوهت كل جزء أصابته.

تقول غدير: "منذ سنة ونصف ، وأنا أجري عمليات مصغرة بين الحين والآخر لإزالة هذه الشظايا المتناثرة في وجهي، والتي تسببت في تكون كتل سوداء صغيرة تخفي أي معالم للجمال."

وتتابع: حسب توصيات الأطباء، عليّ الانتظار مدة قد تصل إلى ستة شهور أخرى قبل الخضوع لعدة عمليات تجميلية بالليزر لإزالة الحروق والبقع والتكتلات السوداء التي تركتها الشظايا.

 تطمح غدير أن تكون واحدة ممن يحالفهم الحظ في الحصول على عملية تعيد لها جمالها وثقتها بنفسها، حيث إنها تتجنب رؤية الناس منذ إصابتها قبل نحو عامين من الان ، وتشعر بالخجل من المشاركة في أي أنشطة اجتماعية بسبب الأسئلة المتكررة عن سبب البقع السوداء في وجهها.

بينما تقول نسمة (21 عامًا) إن مشوارها في عمليات التجميل طويل جدًا، ولم تكن تتخيل يومًا أن يكون شغلها الشاغل هو البحث عن طرق لاستعادة مظهرها.

وتروي قصتها، حيث أصيبت بشكل مباشر في البطن والرأس، مما استدعى نقلها إلى الجراحة العامة في مستشفيات غزة بشكل عاجل، حيث خضعت لعدة عمليات لإنقاذ حياتها.

تضيف: "بعد شهرين من العلاج، استعدت صحتي وبدأت حياتي تعود إلى طبيعتها، لكن مكان الإصابة في رأسي لم يعد ينبت فيه الشعر مطلقًا.

أخبرني الأطباء أنني بحاجة إلى عملية زراعة شعر في الجزء الأيسر من رأسي، وبناءً عليه تم تحويلي إلى مصر لإجراء العملية.

وبحسب تقرير أصدره المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بعنوان "في يوم المرأة العالمي: نساء قطاع غزة ضحايا الإبادة الجماعية والصمت الدولي" نشر بمناسبة 8 مارس 2025، فإن النساء في قطاع غزة يتعرضن لأعباء جسيمة واستهداف ممنهج في ظل حرب الإبادة المستمرة، وتتجاوز معاناتهن القتل والتهجير لتشمل أزمات صحية ونفسية عميقة، ونقصًا حادًا في أبسط مقومات الحياة.

وتشكل النساء والأطفال نحو 70% من ضحايا الإبادة في غزة. ويذكر التقرير أن النساء الناجيات من الموت تعرضن لجروح عميقة وإصابات جسيمة غيرت مجرى حياتهن للأبد.

وأفقدت آلاف منهن أطرافهن، بينما تشوهت أجسادهن بالحروق والإصابات، تاركة ندوبًا لا تندمل مع ندرة الأدوية والعلاج. تُجبر النساء على اتخاذ قرارات مؤلمة مثل بتر أطرافهن لإنقاذ حياتهم في ظل الظروف الصحية الكارثية.

وبحسب التقرير تلجأ النساء إلى تدابير يائسة للحفاظ على نظافتهن وصون كرامتهن نتيجة غياب الماء ومواد التنظيف، كالحد من الاستحمام بشكل دوري، وتجنب شرب الماء لتقليل الحاجة إلى استخدام المرحاض، وتناول حبوب منع الحمل باستمرار لوقف الدورة الشهرية.

 

بصمات لا تمحى

من جانبه يقول الدكتور أحمد البدري – استشاري جراحة التجميل والترميم بالقاهرة : "للأسف الحرب تركت بصمتها على كل جزء من أجساد النساء الناجيات من غزة، وهي بصمات لا يمكن أن تمحوها عمليات التجميل والترميم في مجملها، فغالبيتها ناتجة عن إصابات مروعة لا يمكن للعقل البشري أن يتخيلها."

ويضيف كاستشاري متخصص في عمليات الترميم: "استقبلت خلال العام الاول من الحرب قرابة 40 حالة قادمات من غزة، غالبيتها لنساء أو شابات صغيرات، وإحداهن لطفلة لا تتجاوز العاشرة من عمرها."

ويتابع: "هؤلاء النساء لم يأتين لإجراء تجميلي عادي، بل كلهن ناجيات من صواريخ أو شظايا، بعضهن فقدن عيونًا، وأخريات فقدن أجزاء من الوجه أو الفكين."

يتابع البدري: " أن ما يصعب العلاج ليس فقط جسامة الإصابات، بل أيضًا الوضع النفسي للمريضات فالكثيرات يدخلن العيادة وهن لا ينطقن بكلمة واحدة، يرفضن الحديث عن التشوه ويرفضن النظر إلى أنفسهن، ويصدمن كون أن هذه العمليات الترميمية لا تعيد لهن جمالهن كما كان في السابق.

ويستدرك حديثه قائلًا: "أصعب الأمور خلال فترة العلاج أن غالبية المصابات مصابات بتشوهات مختلفة منها الحروق والكسور والتشوه وفقدان الأسنان والشظايا المتناثرة في أجسادهن ووجوههن، وهن غالبًا يترددن على أكثر من طبيب من اختصاصيي التجميل لحل مشكلاتهن."

في حين تقول الدكتورة ريم حسن – أخصائية جلدية وتجميل بالليزر: "أعمل منذ سنوات طويلة في مجال التجميل العادي لنساء عاديات يرغبن في أن يكن أكثر جمالًا، واعتدت أن أستقبل في عيادتي بمنطقة المعادي نساء من جنسيات مختلفة لم تكن الفلسطينيات من ضمنهن على مدار سنوات طويلة."

وتضيف: "لكن في عامي 2024 و 2025 بدأت باستقبال حالات من غزة وهن ناجيات من الإبادة جئن إلى القاهرة للعلاج. عند استقبالي أول حالة ذهلت من حجم التشوه وكانت لسيدة مصابة بشظايا صغيرة جدًا في كامل وجهها تسبب لها بقعًا داكنة لونها بين الأسود المتفحم والأسود المزرق، لكن مع الوقت شاهدت إصابات في غاية الصعوبة وشظايا متناثرة في أماكن مختلفة من أجساد هؤلاء النسوة كلها تدلل على بشاعة ما عاشته النساء الغزيات خلال الإبادة."

 

صدمة التشوه

وتتابع: "خلال جلسات العلاج أسمع أوجاعهن المرتبطة بالتشوه وغياب جمالهن، حيث تعاني غالبيتهن من فقدان كامل للثقة بالنفس، ونوبات بكاء متواصلة على ما فقدن من أحبة وأهل وجمال، حتى أن بعضهن يتمنين أن يلحقن بقافلة الشهداء على اعتبار أن الموت أرحم من وجع الروح الذي لا يغادرهن."

وتتابع: "اكتشفت لاحقًا أنني لست الوحيدة التي لديها حالات من هذا النوع، ففي أحد الفعاليات الخاصة بالتجميل صدمنا بعدد الحالات التي تتردد على عيادات التجميل بالقاهرة لطمس آثار الحرب عن وجوههن."

وفي السياق ذاته يقول د. محمد ندا اختصاصى التجميل : "نحن لا نتحدث عن بوتوكس أو فيلر، بل عن عظام مهشمة، أنسجة محروقة، جلود مشدودة وندوب عميقة، وهذا يعني فترات علاج طويلة وتكاليف عالية جدًا لا تستطيع غالبية النساء الغزيات دفعها ".

ويضيف: "المستشفيات الحكومية المصرية لا تغطي تكاليف عمليات التجميل والترميم غير الطارئة، لذا تلجأ النساء الفلسطينيات إلى مبادرات فردية، وجمعيات أهلية، أو حتى تمويل شخصي لاستكمال علاجهن، وهذا يعني انقطاعهن عن العلاج لفترات متباعدة بسبب عدم توفر تكاليف العلاج.

ويتابع: "في بعض الأحيان تختار بعضهن العلاج الأقل تكلفة، خاصة وأنهن لا يسعين للجمال بقدر ما يسعين لأن يكون شكل وجوههن غير ملفت للآخرين ولا يشعرهن بالخجل من نظرات الناس."

ويؤكد الأطباء الثلاثة أن الظاهرة أصبحت واضحة ومستمرة ومجدولة لديهم من ضمن الحالات التي يتمنون أن تسجل نجاحًا يشفي قلوب وأرواح هؤلاء النساء، سيما وأن مع علاج حالاتهن بتنا نشعر بقدسية عمليات التجميل وجدواها، فقد كنا نعمل على زيادة الجمال بطرق عادية، أما اليوم فإننا نعالج أرواحًا وندوبًا كبيرة.

ويجمع الأطباء أن ما يحدث في غزة ليس فقط قتلًا، بل محوًا لهويات النساء، لوجوههن، لصورتهن القديمة عن أنفسهن. نحن نحاول فقط أن نعيد لهن بعض الأمل."

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة