تقرير / شهاب
يتعلّق آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة ببارقة أمل مع تصاعد الحديث عن إعادة فتح معبر رفح الحدودي مع مصر، بعد عام وتسعة أشهر من الإغلاق، الذي حوّل القطاع إلى مساحة معزولة عن العالم.
يمثّل المعبر بالنسبة للجرحى والمرضى فرصة أخيرة للعلاج خارج غزة، بينما يراه العالقون في الخارج بوابة للعودة إلى منازلهم المدمّرة ولمّ شمل عائلاتهم.
غير أن هذه الآمال، التي تتجدّد مع كل حديث عن فتح وشيك، تصطدم بواقع معقّد من الإجراءات والقيود، التي تجعل حركة العبور محدودة وبطيئة، وتُبقي مصير آلاف الحالات الإنسانية معلّقًا بقرارات سياسية وأمنية خارجة عن إرادة السكان.
ورغم تداول مواعيد متقاربة لفتح معبر رفح، لا يزال الغموض يحيط بالموعد الفعلي لبدء العمل به، في ظل تضارب التقديرات الواردة من مصادر إسرائيلية مختلفة.
ترقب وقلق
هذا التباين يضاعف حالة الترقب والقلق لدى الغزيين، الذين اعتادوا على تأجيلات متكررة لا تفضي إلى تغيير ملموس في واقع الإغلاق.
في المقابل، تتحدث مصادر مطلعة عن أن إعادة تشغيل المعبر، في حال تمت، ستكون وفق آلية عبور محدودة، تفرض قيودًا صارمة على عدد المسموح لهم بالدخول والخروج يوميًا.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن الأعداد قد لا تتجاوز عشرات الحالات، وهو ما يعني انتظارًا طويلًا لآلاف المرضى والجرحى الذين يحتاجون إلى علاج عاجل خارج القطاع.
وبحسب وزارة الصحة في غزة، فإن نحو 20 ألف مريض وجريح يواجهون أوضاعًا صحية حرجة تتطلب تدخلًا طبيًا غير متوفر داخل القطاع، في وقت يزداد فيه الضغط على المنظومة الصحية المنهكة أصلًا بفعل الحرب ونقص الإمكانات.
ولا تقتصر تداعيات هذه القيود على المرضى فحسب، بل تمتد إلى عشرات الآلاف من الفلسطينيين العالقين خارج غزة، ممن حالت ظروف الحرب دون عودتهم، ليبقى لمّ الشمل مؤجلًا بانتظار فتح فعلي وغير مشروط للمعبر.
وعلى صعيد إدارة حركة العبور، يُتوقع أن يخضع المعبر لترتيبات إشراف معقدة تشارك فيها جهات فلسطينية ومصرية وأوروبية، إلا أن القرار النهائي بشأن السماح بالدخول أو الخروج يبقى مرهونًا بموافقات أمنية إسرائيلية، تُدار في كثير من الأحيان عن بُعد باستخدام وسائل رقابة تقنية.
ستشرف شبكة معقدة من الدول والمؤسسات على معبر رفح، تشمل مصر والسلطة الفلسطينية وبعثة للاتحاد الأوروبي، لكن إسرائيل تملك السيطرة على من يدخل أو يخرج.
وبحسب إذاعة الجيش الإسرائيلي، "لن يخضع المغادرون من غزة لتفتيش أمني إسرائيلي، بل سيخضعون فقط لتفتيش من أفراد بعثة الاتحاد الأوروبي ومواطنين من غزة يعملون نيابة عن السلطة الفلسطينية".
أكثر تشددًا
وتابعت: "تشرف إسرائيل على العملية عن بُعد، بوجود عنصر أمني في نقطة تفتيش تراقب مسار المغادرين إلى مصر".
وأضافت الإذاعة أن "العنصر سيتحقق، عبر تقنية التعرف على الوجوه، من أن المغادرين هم بالفعل الحاصلون على التصريح".
واستطردت أنه "باستخدام زر تحكُّم عن بُعد، سيتمكن من فتح البوابة وإغلاقها. وفي حال محاولة تهريب أشخاص غير مصرَّح لهم، سيكون من الممكن منع خروجهم".
أما دخول غزة، فسيكون أكثر صرامة، إذ سيخضع لآلية تفتيش إسرائيلية، "وكل شخص يدخل من المعبر سيصل لاحقًا إلى نقطة تفتيش تابعة للجيش الإسرائيلي"، وفق الإذاعة.
وأوضحت أنه في هذه النقطة "ستُجرى له عمليات تفتيش دقيقة باستخدام أجهزة الكشف عن المعادن والتعرف على الوجوه، ولن يُسمح له بالمرور إلى ما وراء الخط الأصفر، أي الأراضي التي تسيطر عليها حماس، إلا بعد اجتياز هذه النقطة".
أما القادمون إلى قطاع غزة، فيُرجَّح أن يواجهوا إجراءات تفتيش أكثر تشددًا، ما يحوّل عملية العودة إلى مسار طويل ومربك، ويحدّ من إمكانية تدفق الأفراد والبضائع بصورة طبيعية.
وقبل الحرب، كان معبر رفح يعمل بوتيرة متذبذبة، في ظل الحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2006، ومع ذلك شهد المعبر خلال عام 2022 حركة دخول وخروج لعشرات الآلاف، إلى جانب مرور شاحنات تجارية وبضائع أسهمت جزئيًا في تخفيف الأعباء الاقتصادية عن السكان.
وتستند مصر في موقفها من تشغيل المعبر إلى اتفاقية المعابر الموقعة عام 2005، التي تنص على إدارته من قبل السلطة الفلسطينية وبإشراف أوروبي، باعتباره منفذًا فلسطينيًا–مصريًا، بعيدًا عن السيطرة الإسرائيلية المباشرة، وهو ما يفسر الرفض المتكرر لأي ترتيبات تنتقص من هذا الإطار القانوني.
وفي ظل استمرار الغموض، تحذر منظمات إنسانية من أن تأخير فتح المعبر أو تقييد عمله سيُبقي الأزمة الإنسانية في غزة عند مستويات خطرة، خاصة مع النقص الحاد في الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية، وتؤكد أن فتح المعبر أمام الأفراد والبضائع يمثل شرطًا أساسيًا لتخفيف الكارثة الإنسانية المتفاقمة.
كشفت هيئة البث العام الإسرائيلية "كان 11"، مساء الأربعاء، عن خلافات تسود بين حكومة الاحتلال ومصر قبيل الافتتاح المرتقب لمعبر رفح، على خلفية آلية تنظيم حركة العبور اليومية عبر المعبر، ولا سيما ما يتعلق بنسبة الداخلين والخارجين من قطاع غزة.
خلافات مصرية اسرائيلية
وبحسب ما أوردت الهيئة، فإن الخلاف يتمحور حول عدد الأشخاص الذين سيسمح لهم بالدخول إلى القطاع مقابل عدد المغادرين يوميًا عبر المعبر.
ونقلت القناة عن مصادر وصفتها بالمطلعة قولها إن مصر تصرّ على اعتماد مبدأ التوازن، بحيث يكون عدد الداخلين مساويًا لعدد الخارجين يوميًا عبر معبر رفح.
في المقابل، تطالب إسرائيل بأن يكون عدد المغادرين أكبر من عدد الداخلين، وتقترح نموذجًا يسمح بخروج نحو 150 شخصًا يوميًا مقابل دخول 50 فقط.
وبحسب المصادر، فإن القاهرة تنظر إلى هذا الطرح باعتباره محاولة إسرائيلية لـ"تشجيع هجرة بطيئة ومستمرة" من قطاع غزة على المدى الطويل، وهو ما تعتبره مصر "خطًا أحمر".
وفي ضوء كل هذه القيود والإجراءات، يبدو أن فتح معبر رفح لن يكون نافذة أمل حرة لسكان غزة كما يتطلعون إليه.
فعدد محدود جدًا من الحالات المسموح لها بالعبور يوميًا، إلى جانب التفتيشات المشددة وآلية التحكم عن بُعد، يجعل الانتظار الطويل حقيقة واقعة للمرضى والجرحى والعالقين خارج القطاع.
كما أن الخلافات المستمرة بين القاهرة وتل أبيب بشأن نسب الداخلين والخارجين تضيف بعدًا آخر من الغموض. وفي النهاية، تتحوّل آمال الغزيين بالسفر والعودة إلى معبر رفح إلى واقع محدود، يجعل كثيرين منهم ينتظرون بلا موعد محدد، وسط شعور بالإحباط إزاء القيود التي تضعها الظروف السياسية والأمنية على حياتهم اليومية.
المصدر : وكالة شهاب
