قالت الدكتورة ميادة جندية، رئيسة قسم الحضانة في مستشفى الشهيد عبد العزيز الرنتيسي التخصصي للأطفال بمدينة غزة، إن الرضيع هيثم أبو قص، ويبلغ من العمر 12 يومًا، وصل إلى المستشفى جثة هامدة من داخل خيمته نتيجة انخفاض حاد في درجة حرارة جسمه بسبب البرد الشديد.
وأوضحت جندية في تصريح صحفي خاص لوكالة شهاب، أن هذه الوفاة ترفع عدد وفيات الأطفال نتيجة البرد منذ بداية فصل الشتاء إلى 11 وفاة، معظمهم من حديثي الولادة، مؤكدة أن الأوضاع المعيشية القاسية داخل خيام النزوح، وانعدام وسائل التدفئة، تشكّل خطرًا مباشرًا على حياة الرضع.
وبيّنت أن الرضيع يختلف جذريًا عن البالغ في قدرته على تحمّل البرد، إذ يفتقر إلى النسيج الدهني الكافي لحفظ حرارة الجسم، وتكون مساحة فقدان الحرارة لديه أكبر، ومخزون الطاقة محدود، فضلًا عن عدم قدرته على التعبير عن شعوره بالبرد أو طلب المساعدة، ما يجعله يدخل سريعًا في دائرة الخطر دون أن ينتبه الأهل في كثير من الأحيان.
وأضافت أن الحالة تبدأ عادة بانخفاض تدريجي في حرارة جسم الطفل، خصوصًا خلال ساعات الليل، لتصل في بعض الحالات إلى مستويات خطيرة تتراوح بين 31 و33 درجة مئوية، وهي درجات لا يستطيع جسم الرضيع التكيّف معها، ما يؤدي إلى اضطراب الدورة الدموية، وتشكّل جلطات دقيقة، واختلال في نبض القلب، قد ينتهي بـ توقف مفاجئ للقلب.
وأكدت جندية أن غالبية الأطفال الذين توفوا مؤخرًا كانوا يعانون من انخفاض شديد في درجة الحرارة، رغم محاولات ذويهم تدفئتهم بالملابس والبطانيات، مشيرة إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في نقص الأغطية، بل في البيئة المحيطة، حيث تعيش العائلات داخل خيام مكشوفة للرياح والرطوبة ولا توفّر أي عزل حقيقي.
وفي السياق ذاته، شددت جندية على أن التأخير في التوجّه إلى المستشفى كان عاملًا حاسمًا في العديد من الوفيات، داعية الأهالي إلى التوجه إلى أقرب مستشفى فور ملاحظة وجود انخفاض في حرارة الطفل دون تأجيل.
وكشفت جندية أن مستشفى الرنتيسي يواجه تحديات جسيمة في التعامل مع حالات الأطفال الرضّع، لا سيما تلك الناتجة عن انخفاض حرارة الجسم، بسبب النقص الحاد في الإمكانيات الطبية، موضحة أن قسم الحضانة لا يتوفر فيه أي جهاز تنفس صناعي.
وأضافت أن الطواقم الطبية تعاني كثيرًا عند وصول أي حالة حرجة، حيث يتم اللجوء إلى التنسيق ونقل الطفل إلى أقرب مستشفى تتوفر فيه الإمكانيات، وهو ما يشكّل خطرًا حقيقيًا على حياة الأطفال.
وناشدت جندية بضرورة توفير جهاز تنفس صناعي لمستشفى الرنتيسي، مؤكدة أن غيابه يحدّ بشكل كبير من قدرة الطواقم الطبية على إنقاذ الحالات الحرجة.
وأشارت كذلك إلى معاناة إضافية تتمثل في عدم توفر محطة أكسجين مركزية داخل المستشفى، الأمر الذي يهدد بانقطاع الأكسجين أو نفاده في أي لحظة، في ظل صعوبة الإمداد واستمرار الضغط على المستشفى.
ومع استمرار الأجواء الباردة، حذّرت جندية من أن استمرار منع إدخال البيوت المتنقلة والكرفانات ومواد البناء ووقود التدفئة ينذر بتسجيل وفيات إضافية.
وفيما يتعلّق بالوقاية، شددت الدكتورة جندية على أن وعي الأهالي يشكّل خط الدفاع الأول، داعية إلى مراقبة الأطفال الرضع بشكل متواصل، خاصة خلال ساعات الليل، وعزلهم عن أرضية الخيام، وإغلاق فتحاتها جيدًا، والحفاظ على جفاف الطفل وزيادة طبقات الملابس مع تغطية الرأس والأطراف.
كما أكدت أهمية الرضاعة الطبيعية والتلامس الجسدي بين الأم وطفلها، مشددة على أن أي ملاحظة لبرودة شديدة في الأطراف، أو خمول، أو توقف عن الرضاعة، تستوجب التوجّه الفوري إلى المستشفى دون انتظار، لأن انخفاض حرارة الجسم حالة طبية طارئة قد تنتهي بالوفاة خلال ساعات قليلة.
