من يداوي الجراح يبحث عمّن يداوي روحه 

الأخصائيون النفسيون خلال الإبادة.. ضحايا عالقون بين الواجب المهني والضغط الإنساني 

جلسة دعم نفسي في أحد مخيمات النزوح

يعمل الأخصائيون النفسيون والاجتماعيون على ترميم ما يمكن ترميمه في نفوس أهالي غزة، الذين شهدوا الإبادة بكل تفاصيلها، بينما تتراكم جراحهم الخاصة بصمت، دون أي مساحة للحزن أو الأمان. هؤلاء الذين يفترض أن يكونوا خط الدفاع النفسي الأول في مواجهة هذه الكارثة، يعيشون نفس التجربة التي يحاولون علاجها لدى الآخرين: نزوح وفقد ومجاعة وانعدام لسبل الحياة. ومع ذلك، يظلون يفتحون أبوابهم لمن يحتاجون دعمهم، ويواصلون العمل في الخيام ومراكز الإيواء، ملتزمين بأخلاقيات المهنة، مؤجلين نجاتهم الشخصية إلى وقت لاحق.

ممارسة يومية للبقاء

توضح الأخصائية هناء عوض، التي تمتد خبرتها المهنية لأكثر من عشرين عامًا في مؤسسات فلسطينية مختلفة، أن الحرب الحالية شكلت نقطة فاصلة في حياتها المهنية والإنسانية على حد سواء.
وتقول عوض إن العمل النفسي في غزة خلال هذه الإبادة لم يعد محكومًا بقواعد المهنة التقليدية، بل أصبح ممارسة يومية للبقاء، وسط غياب الأمان والاستقرار وأبسط مقومات الحياة.

تشير عوض إلى أن النزوح المتكرر، الذي عانَت منه على مدار أشهر طويلة، أفقدها القدرة على بناء أي روتين نفسي أو مهني، وجعل كل يوم يبدأ من نقطة الصفر في حياتها. وتضيف أن المجاعة وما يرافقها من إنهاك جسدي وقلق دائم بشأن الغذاء، أثر مباشرة على قدرتها على التركيز والاستمرار، في وقت كان مطلوبًا منها التماسك أمام صدمات شديدة تعانيها الأطفال والنساء والعائلات.

وتقول عوض إن فقدان عدد كبير من الأقارب والأصدقاء نتيجة القصف لم يكن حدثًا يمكن تجاوزه أو تأجيله، بل تراكم كعبء ثقيل فوق العمل النفسي اليومي. وتوضح أن الأخصائي النفسي في هذه الحرب لا يملك رفاهية الحزن الكامل أو التعافي، بل يُطلب منه أن يكون حاضرًا ومتماسكًا بينما يعيش الفقد نفسه.

تضيف أن سنوات الخبرة الطويلة لم توفر حصانة نفسية، بل زادت من الإحساس بالمسؤولية والذنب المهني، إذ يشعر الأخصائي بأنه لا يملك حق التراجع أو التوقف، حتى في لحظات الانهيار. وتشير إلى أن الصدمة الثانوية والاحتراق النفسي باتا واقعًا يوميًا، في ظل غياب الإشراف النفسي والدعم المؤسسي المنتظم.

انهيارات صامتة

تحذر عوض من أن استمرار هذا النمط من العمل دون اعتراف حقيقي بمعاناة الأخصائيين أنفسهم، سيؤدي إلى انهيارات صامتة داخل منظومة الصحة النفسية، مؤكدة أن حماية المعالجين نفسيًا لم تعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة مهنية وإنسانية.

في المقابل، يروي الأخصائي الاجتماعي محمود عبد العزيز منصور، الذي يعمل في مجال الدعم النفسي والاجتماعي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، أن الحرب لم تضعه فقط في موقع الاستجابة لمعاناة الآخرين، بل دفعته إلى خوض التجربة ذاتها، حتى تلاشى الخط الفاصل بين كونه أخصائيًا وكونه ضحية.

يشير منصور إلى أن القصف الذي استهدف منزل والده، وخروج أفراد عائلته من تحت الركام، شكل صدمة أولى قاسية، لم تمنحه الحرب بعدها أي فرصة لاستيعابها أو التعافي منها. ويضيف أنه سرعان ما فقد منزله الذي كان يؤوي أسرته الصغيرة، ليجد نفسه في دوامة طويلة من البحث عن مأوى آمن، متنقّلًا بين أماكن مختلفة على مدار شهور قبل أن يستقر في خيمة.

يوضح أن هذا الفقد لم يكن مجرد خسارة مادية، بل انهيارًا لشعور الأمان والاستقرار، في وقت كان مطلوبًا منه أن يمنح الآخرين الإحساس ذاته. ويبين أن العمل في الدعم النفسي والإغاثي والترفيهي منذ الأيام الأولى للحرب جرى تحت ضغط نفسي مركّب، إذ لم يكن الأخصائي يعمل بعد أن يضمن سلامة أسرته أو حاجاته الأساسية، بل كان يذهب إلى الميدان وهو محمّل بالقلق والخوف والأسئلة المفتوحة.

يضيف أن الواقع خلق حالة استنزاف مستمرة، جعلت كل تدخل نفسي أو نشاط ترفيهي جهدًا مضاعفًا، يتطلب طاقة لم يكن يملكها دائمًا. ويشير إلى أن العمل الإغاثي في هذه الظروف لا يتيح مساحة للحزن أو التفريغ، إذ يتحول الأخصائي إلى عنصر استجابة دائم، مطلوبًا حضوره النفسي والاجتماعي في الوقت الذي يفتقد فيه أبسط أشكال الاستقرار.

ويقول منصور إن هذا التداخل القاسي بين التجربة الشخصية والعمل الإنساني أفرز لحظات انهيار متكررة، لم تكن دائمًا مرئية أو معترفًا بها. ويضيف أن غياب الدعم النفسي المتخصص للعاملين، وعدم وجود جلسات إشراف أو تفريغ نفسي منتظمة، جعل هذه الانهيارات تتراكم بصمت، لتتحول إلى احتراق نفسي طويل الأمد. ويحذر من أن استمرار هذا النمط من العمل دون تدخل مؤسسي جاد لحماية الصحة النفسية للعاملين، سيؤدي إلى إنهاك جماعي، لا يقتصر أثره على الأخصائيين أنفسهم، بل ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدّمة للمتضررين.

ويضيف أن الانسحاب من الميدان قد لا يكون جسديًا دائمًا، بل نفسيًا، حين يواصل الأخصائي العمل وهو مستنزف، فاقدًا القدرة على التعاطي العميق أو الاستجابة الفعالة.

النساء والمعالجات النفسيات

توضح الأخصائية النفسية عطاف العبسي، التي عملت لأكثر من ثمانية عشر عامًا في مجال دعم النساء، أن الحرب لم تكتف بتوسيع حجم الصدمات النفسية لدى النساء في غزة، بل أعادت تشكيل طبيعة العمل النفسي ذاته، في ظل استهداف مركّب طال الجسد والدور الاجتماعي والمسؤوليات اليومية للنساء.

وتشير إلى أن الأخصائيات النفسانيات لم يكنّ خارج هذا الاستهداف، بل وجدن أنفسهن داخل التجربة، يقدّمن الدعم وهنّ يعشن الألم ذاته. وتلفت إلى أن فقدانها لعدد كبير من أفراد عائلتها نتيجة القصف لم يكن حدثًا يمكن تجاوزه أو فصله عن العمل، بل تحوّل إلى خلفية نفسية ترافق كل جلسة دعم.

توضح أن العمل مع نساء يعشن الفقد ذاته، بينما تعيش الأخصائية التجربة نفسها، خلق حالة من التداخل العاطفي المعقد، حيث يصبح ضبط المسافة المهنية تحديًا يوميًا في سياق إبادة مفتوحة. وتشير إلى أن معاناة النساء خلال الحرب اتخذت أشكالًا متعددة، لا تقتصر على الصدمة المباشرة، بل تمتد إلى أعباء الرعاية القسرية، إذ تتحمّل النساء مسؤولية حماية الأطفال، وتأمين الغذاء، والحفاظ على تماسك الأسرة في ظل المجاعة وغياب أشكال الحياة الأساسية.

وتوضح العبسي أن القلق اليومي على الأطفال، وأوجاعهم الناتجة عن الجوع والمرض والخوف، شكل عبئًا نفسيًا مضاعفًا على النساء، وعلى الأخصائيات اللواتي يعملن معهن في الوقت ذاته. وتضيف أن النساء اللواتي يلجأن للدعم النفسي يحملن صدمات مركّبة ومتراكمة، تشمل فقدان الأزواج أو الأبناء، وانعدام الخصوصية داخل مراكز الإيواء، والضغط الاجتماعي المرتبط بأدوارهن التقليدية، فضلًا عن الخوف الدائم من الانتهاك وانعدام الأمان.

وتشير العبسي إلى أن هذه الطبقات من الألم تجعل التدخل النفسي أكثر تعقيدًا، وتتطلب جهدًا نفسيًا مضاعفًا، في ظل نقص الموارد وغياب الاستقرار. وتوضح أن الأخصائيات النفسيات العاملات مع النساء واصلن العمل في ظروف قاسية، رغم الإنهاك والانكسار الشخصي، بدافع شعور عميق بالمسؤولية تجاه النساء الأكثر هشاشة.

وتلفت إلى أن هذا الإصرار على الاستمرار غالبًا ما جاء على حساب الصحة النفسية للأخصائيات أنفسهن، حيث تعرّضن لانهيارات نفسية متكررة في ظل غياب مساحات آمنة للتفريغ والدعم والإشراف المهني. وتنبه العبسي إلى أن تجاهل هذه المعاناة المركّبة للأخصائيات العاملات مع النساء يهدّد استمرارية هذا القطاع الحساس، مؤكدة أن دعم المعالِجات نفسيًا ليس ترفًا أو مسألة ثانوية، بل شرط أساسي لحماية النساء المتضررات أنفسهن. وتشدد على أن انهيار من يقدّمن الدعم النفسي يعني ترك آلاف النساء في مواجهة صدمات الحرب دون سند، في لحظة تاريخية تتطلب أقصى درجات الحماية النفسية والاجتماعية.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة