يواجه الأطفال المصابون بالتوحد تحديات مضاعفة تتجاوز المخاطر المباشرة من القصف والدمار في ظل الحرب والنزوح المتكرر داخل مدينة غزة؛ إذ يغادرهم الروتين الذي يمنحهم الأمان، في ظل تغير الواقع الحياتي كل دقيقة، وتُحميهم الحواس المحيطة بحياتهم من التورط بالفوضى التي تزيد أزمة مرضهم مع كل انتقال إلى خيمة أو مركز إيواء جديد.
يحاول أهالي هؤلاء الأطفال في طيف التوحد إبقاءهم على قيد الأمان النفسي والجسدي وسط فوضى الحرب، ومواجهة التحديات اليومية التي لا يقل وقعها عن أصوات القصف نفسها.
تُعرف اضطرابات طيف التوحد بأنها مجموعة من الاعتلالات المتنوعة المرتبطة بنمو الدماغ، تؤثر على التواصل الاجتماعي والسلوكيات والتفاعلات الحسية للأطفال بطرق مختلفة تتفاوت شدتها من طفل إلى آخر. وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يُصاب طفل واحد من كل 100 طفل بالتوحد، ما يجعل هذه الاضطرابات من أكثر التحديات الصحية والنفسية انتشارًا بين الأطفال حول العالم.
تحديًا كبيرًا
في قطاع غزة، يُقدَّر عدد الأطفال المصابين بالتوحد بنحو ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف طفل، وفق إحصاءات تقديرية غير رسمية، وسط غياب أي سجل رسمي لمتابعة حالاتهم. ويواجه هؤلاء الأطفال وأسرهم تحديات مضاعفة بسبب غياب مؤسسات حكومية تقدم خدمات التأهيل، حيث يقتصر الدعم على عدد محدود من مراكز التأهيل الخاصة التي تقدم خدمات مدفوعة الأجر، إضافة إلى بعض الجمعيات الأهلية والخيرية القليلة التي تسعى لتقديم المساعدة.
هذا الواقع يجعل الوصول إلى الرعاية المتخصصة تحديًا كبيرًا، ويضع عبئًا نفسيًا وجسديًا إضافيًا على الأهالي الذين يسعون للحفاظ على روتين أطفالهم وتأمين احتياجاتهم اليومية، خصوصًا في ظل الظروف القاسية للحرب والنزوح المتكرر، والتي تزيد من تعقيد حياتهم اليومية وتجعل كل خطوة نحو الاستقرار النفسي والتعليم السليم عملية صعبة للغاية.
تروي والدة الطفل منى الشوالي، 32 عامًا، والتي نزحت مع أسرتها عدة مرات خلال عامين من حي الشجاعية إلى خيام في عدة مراكز إيواء بمدينة غزة، أن كل انتقال كان أشبه بكسر يوميات الطفل بالكامل؛ إذ يقيم مرضى التوحد علاقات مع المكان كنوع من الأمان والقدرة على الاستمرار.
تقول لـ"شهاب" : "علاء يعتمد على روتين محدد للنوم والطعام والمكان الذي يلعب فيه، وكلما نزحنا من مكان إلى آخر تغيرت كل تفاصيل حياته. جعلته أثناء القصف والنزوح دائم الدخول في نوبات هلع حادة وقاسية، صراخ مستمر وبكاء وعويل لساعات متواصلة، ولا يعرف أحد مساعدته أو تهدئته".
وتضيف: "كل انتقال شعرت أنه يسحب الأمان من قلبه. حاولت أن أستخدم بطانيته ولعبته المفضلة وأشرح له ما سيحدث، لكن الضوضاء والفوضى حوله كانت أقوى من أي شيء آخر".
وتوضح منى أن الأطفال في طيف التوحد يحتاجون إلى توقع الأحداث للحفاظ على شعورهم بالأمان، وفقدان الروتين يجعلهم يفسرون كل التغيير كخطر محتمل. تقول: "حتى أصغر التغييرات كان لها أثر كبير. تعلمت أن أي روتين بسيط داخل الخيمة، حتى لو كان مجرد وقت ثابت للطعام، يصنع فرقًا كبيرًا، وفي الإبادة لم أستطع حتى أن أصنع وقتًا ثابتًا للطعام".
حساسية الصوت
في حين تقول نورهان السعدي، 44 عامًا، عن معاناتها مع طفلها مريض التوحد الذي يعاني من حساسية شديدة للأصوات، خاصة أصوات القصف والطائرات.
تقول: "منذ السابع من أكتوبر، حياة طفلي لؤي تتراجع؛ طفل يفقد كل معاني الأمان حيث إنه يعاني من حساسية كاملة تجاه الأصوات المرتفعة، ومنذ اليوم الأول للحرب يتراكم الخوف في حياة لؤي دون مناص".
وتكمل: "ليس الأمر مجرد خوف، إنه ألم حسي حقيقي بالنسبة له. حاولت أن أضع له سماعات عازلة للصوت وأن أجد زاوية هادئة نسبيًا داخل الخيمة، لكن الضوضاء كانت تتسلل في كل مكان. تمارين الضغط والبطانية ساعدته قليلًا، لكن كل مرة يشعرنا أن الحرب ليست مجرد خطر خارجي، بل تهدد إحساسه بالسلام الداخلي أيضًا".
تشير شيرين إلى أن معالجة الصوت عند أطفال التوحد مختلفة، فالأصوات العالية ليست مزعجة فقط بل مؤلمة، وكل صوت مفاجئ يمكن أن يسبب لهم صدمة تستمر لساعات.
أما والدة الطفلة جمانة، سلمى أبو خاطر، 48 عامًا، فتروي تجربتها عن صعوبة إدارة التواصل مع ابنتها غير الناطقة أثناء النزوح: "جمانة تعتمد على بعض البطاقات والصور ولوح وجهاز صغير للتواصل لتخبرنا بما تحتاجه. أثناء النزوح، ضاعت أغلب هذه الوسائل، وأصبحت جمانة عاجزة عن التعبير عن نفسها".
وتضيف سلمى: "لقد كان التواصل وسيلة الأمان الأساسية لها، وعندما فقدته شعرت بالعجز والإحباط، وأنا أيضًا شعرت بالعجز لأنها لم تعد قادرة على الاعتماد على أي وسيلة لإيصال احتياجاتها. اضطررت أن أرسم بطاقات يدوية وأختار إشارات ثابتة بيننا بسرعة، وكل يوم كانت محاولاتنا لتعويدها على نظام جديد وسط فوضى المخيم، لكن مع كل الظروف التي تجتاح حياة المخيم بات اهتمامي بجمانة كحالة خاصة، واهتمامي بإتمام متطلبات حياة الخيم مهمة شاقة جدًا، وكل التواصل لا يجدي نفعًا".
ومنوهة أنها تشعر أن كل جلسات العلاج التي تلقتها جمانة في سنوات عمرها راحت هدراً مع توقف العلاج والمتابعة، وفي ظل ظروف الإبادة الكارثية.
تدهورًا كبيرًا
من جانبه، يوضح الدكتور إسلام سعيد بركات، مدير برنامج ومدرسة الإرادة لتأهيل التوحد في القطاع، أن الأطفال المصابين بالتوحد يتأثرون بشكل بالغ بالصدمات المستمرة: "القصف المستمر وأصوات الانفجارات تجعل الأطفال يغطّون آذانهم، يصرخون ويبكون، أو يركضون بلا هدف، بينما يشعر الأهل بالعجز عن حمايتهم أو فهم سلوكياتهم المتقلبة".
ويشير بركات إلى أن هؤلاء الأطفال حساسون للغاية لكل ما حولهم، وأن أي تغيير في الروتين أو البيئة يسبب لهم توترًا شديدًا: "ما تعلموه خلال سنوات من التأهيل يمكن أن يُمحى خلال أيام بسبب الصدمات المتكررة والفوضى الناتجة عن النزوح والخيام المكتظة".
ويكشف بركات أن غالبية الأطفال المصابين بالتوحد في درجات خفيفة شهدوا تدهورًا كبيرًا في أوضاعهم الصحية والسلوكية؛ فقد بعضهم القدرة على الكلام والتواصل البصري، بينما ازدادت مدة وعدد التشنجات لديهم بسبب توقف العلاجات الضرورية في ظل الظروف الكارثية.
ويؤكد أن توقف عمل مراكز التأهيل والمدارس الخاصة بالتوحد، سواء نتيجة الدمار المباشر أو نزوح الأخصائيين، ترك الأطفال بلا أي دعم نفسي أو علاج سلوكي: "فقد الأطفال الفرصة لمتابعة برامج الدمج أو التأهيل أدى إلى انتكاسات واضحة في سلوكهم وصعوبة في التعامل مع المواقف اليومية البسيطة، مثل طلب الطعام أو استخدام الحمام أو التعايش ضمن الأسرة والمجتمع".
كما يشير إلى أن الأهل يعيشون ضغطًا نفسيًا هائلًا، فمتابعة طفل التوحد تتطلب رعاية دقيقة ومستمرّة، وهو أمر شبه مستحيل في بيئة مليئة بالفوضى والملاجئ المكتظة: "الخوف من إصابة الطفل أثناء القصف، وفقدان المنازل أو أحد أفراد العائلة، يزيد من ارتباك الطفل ويؤثر على سلوكه اليومي".
من أبرز التحديات التي يواجهها الأطفال في ظل الحرب، الحفاظ على الروتين اليومي، إذ حتى الأطفال الذين كانوا قادرين على أداء مهام بسيطة يجدون صعوبة في القيام بها بعد النزوح. ويشير بركات إلى أن أهم الاحتياجات في هذه الظروف تشمل توفير بيئة آمنة ومستقرة ولو لفترة قصيرة، وضمان استمرار تقديم الرعاية الأساسية مثل الطعام والدواء وأدوات التأهيل، إضافة إلى الدعم النفسي للأهل وإرشادات عملية للتعامل مع سلوكيات الأطفال في ظل الطوارئ.
ويختتم بركات حديثه بالتأكيد على أن الأطفال المصابين بالتوحد في غزة يعيشون "صدمة مضاعفة": صدمة الحرب المباشرة وفقدان الخدمات التأهيلية والتعليمية التي كانت توفر لهم توازنًا واستقرارًا نفسيًا وسلوكيًا. ويضيف: "حماية هؤلاء الأطفال تتطلب جهودًا مشتركة من الأهل والمجتمع والجهات الإنسانية لضمان استمرار حياتهم بأقل قدر ممكن من المعاناة وسط بيئة مليئة بالفوضى والدمار".
بينما تقول الدكتورة رائدة عوض، أخصائية نفسية وخبيرة في اضطرابات النمو والسلوك لـ"شهاب": "تعيش أمهات الأطفال المصابين بطيف التوحد في غزة حالة ضغط نفسي هائل، يشعرهن بالعجز الكامل عن حماية أطفالهن أو فهم سلوكياتهم اليومية المتقلبة".
عجز قاتل
وتوضح الدكتورة رائدة أن هذا التوتر ينعكس مباشرة على الأطفال: "عندما تشعر الأم بالعجز أو بالإرهاق النفسي، يصبح الطفل أكثر انسحابًا أو يظهر سلوكيات حادة، مثل الصراخ المستمر أو الركض بلا هدف. هناك علاقة مباشرة بين شعور الأم بالعجز وفقدان الطفل القدرة على التكيف مع محيطه".
وتضيف أن الواقع المعيشي الصعب يجعل متابعة برامج التأهيل شبه مستحيلة: "الأمهات يجدن صعوبة في تعليم أطفالهن مهارات بسيطة مثل طلب الطعام أو استخدام الحمام، وأي نقص في الرعاية أو الأدوية يؤدي إلى انتكاسات سريعة. كثير من الأمهات يشعرن بأنهن غير قادرات على التواصل مع أطفالهن بشكل صحيح، ما يزيد من معاناة الطفل ويضاعف الضغط النفسي على الأم".
وتؤكد عوض الله لـ"شهاب" أن حماية أطفال التوحد في غزة تتطلب دعمًا مجتمعيًا وإنسانيًا: "هؤلاء الأطفال يعيشون صدمة مضاعفة: صدمة الحرب المباشرة وفقدان الخدمات التأهيلية والتعليمية. الأم وحدها لا يمكنها الصمود بدون دعم المجتمع لضمان استمرار حياة أطفالها بأقل قدر ممكن من المعاناة".
