تقرير / شهاب
يعد إنشاء المناطق الصناعية "الإسرائيلية" في الضفة الغربية شكلًا جديدًا من أدوات الاستيطان، ويعكس استراتيجية ممنهجة لتثبيت الاحتلال وتهويد الأراضي الفلسطينية. فهذه المشاريع الصناعية ليست مجرد مساحات إنتاجية واقتصادية، بل هي أدوات استيطانية تهدف إلى نهب الأرض، وجذب المزيد من المستوطنين، ونقل صناعات خطرة على البيئة والصحة إلى مناطق فلسطينية مأهولة، بعيدًا عن أي رقابة قانونية.
وتتضمن هذه الصناعات المعدنية والكيميائية ومنتجات البناء والأغذية، إلى جانب صناعات تحتوي على مواد سامة ومعادن ثقيلة، ما يجعلها تهديدًا مباشرًا للبيئة والمجتمعات المحلية.
وتنتشر هذه المناطق الصناعية الاستيطانية بشكل متفرق في مختلف محافظات الضفة الغربية، بينما يظل أثرها البيئي والصحي ملموسًا في محيطها، مؤكدًا أن هذا النوع من الاستيطان لا يقتصر على السيطرة على الأرض فحسب، بل يمتد ليشمل استغلال الموارد الفلسطينية تحت غطاء التنمية الاقتصادية.
"عميريم".. استثمار صناعي
ويأتي إعلان إقامة المنطقة الصناعية الاستيطانية "عميريم" في بلدة الظاهرية جنوبي الخليل وسط مارس الحالي ليجسد هذا النوع من الاستيطان الصناعي على أرض الواقع.
حيث اقتحم وزير الاقتصاد والصناعة في دولة الاحتلال، نير بركات، برفقة رئيس المجلس الإقليمي الاستيطاني في الخليل، يرام أزولاي، المنطقة الواقعة بمحاذاة جدار الفصل العنصري، وأعلن عن إنشاء هذه المنطقة الصناعية على مساحة تُقدَّر بنحو 2400 دونم.

وأوضح بركات أن الوزارة قد استثمرت حتى الآن نحو 12 مليون شيكل في التخطيط للمنطقة، مع توقعات باستثمارات إضافية تصل إلى 35 مليون شيكل لبدء أعمال التطوير.
ويعكس هذا الإعلان كيف يستخدم الاستيطان الصناعي كغطاء لتوسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية، وجذب الاستثمارات، ونقل مشاريع صناعية تشكل تهديدًا للبيئة والمجتمعات المحلية، في إطار استراتيجية متواصلة لتثبيت الاستيطان في قلب الضفة الغربية.
من جانبها، تقول جمانة جنازرة، الباحثة في معهد السياسات الاقتصادية، إن المناطق الصناعية "الإسرائيلية" في الضفة الغربية تمثل مزيجًا بين الاستغلال الاقتصادي للموارد والأيدي العاملة الفلسطينية، وترسيخ الوجود الاستيطاني وتهويد الأرض.
وتشير إلى أن هذه المناطق لا تقتصر على المنطق الربحي، بل تتخذ وظيفة استعمارية تهويدية، تجمع بين السيطرة الجغرافية والإخضاع الاقتصادي للفلسطينيين.
وتوضح جنازرة أن المناطق الصناعية "الإسرائيلية" تحولت إلى مكوّن أساسي من المشروع الاستيطاني الأوسع. فإلى جانب استغلال الأيدي العاملة الفلسطينية، تبني هذه المناطق البنية التحتية الصناعية واللوجستية التي تدعم الانتشار الاستيطاني، ويستفيد منها رأس المال "الإسرائيلي" بفضل الأراضي منخفضة التكلفة والعمالة الرخيصة، إضافة إلى منظومة القوانين والتسهيلات التي لا يحصل عليها داخل دولة الاحتلال.
وتشير جنازرة إلى أن المخزون الاستيطاني "الإسرائيلي" من العمالة الرخيصة والأراضي منخفضة التكلفة يُستغل بكامل طاقته داخل المناطق الصناعية في الضفة الغربية. وتوضح أن خطة "رؤية مستقبلية" التي وضعها نير بركات عام 2020 ركّزت على ربط المستوطنات "الإسرائيلية" بالمدن داخل الأراضي المحتلة، متجاهلة الخط الأخضر، ومنحت هذه المناطق الصناعية مزايا كبيرة على أي منطقة صناعية أخرى في الإقليم، بما في ذلك الوصول إلى العمالة الفلسطينية الرخيصة والأراضي المناسبة للصناعة.
وتضيف أن المناطق الصناعية مثل "بركان" و"ميشور أدوميم" تعمل اليوم كمخازن دائمة لهذه العمالة والأراضي، وتغذي اقتصاد الاحتلال على حساب الفلسطينيين.
وتشير جنازرة إلى أن خطة بركات تهدف إلى إنشاء وتوسيع مناطق صناعية في المنطقة "ج" المحتلة، مع التركيز على الصناعات الخفيفة والتكنولوجيا الفائقة والخدمات اللوجستية، إضافة إلى الرعاية الصحية والتجارة، لتعزيز الاستيطان اليهودي وتحويل الضفة الغربية إلى مجتمع متطور اقتصاديًا وجغرافيًا.
وتلفت إلى أن حكومة الاحتلال روجت لما يسمى بـ"المناطق الاقتصادية الدولية" على الأرض الفلسطينية المحتلة، بهدف دمج الاقتصاد الفلسطيني في منظومتها الاقتصادية منذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، وتعمّق ذلك بعد اتفاقية أوسلو عام 1993، ما أدى إلى هشاشة الاقتصاد الفلسطيني وغياب فرص العمل الكافية، ما دفع آلاف الفلسطينيين للعمل داخل الأراضي المحتلة أو المستوطنات والمناطق الصناعية "الإسرائيلية".
تبعية الاقتصاد
تحذر جنازرة من أن العديد من المصانع في هذه المناطق تنتج صناعات محظورة داخل "إسرائيل"، مستغلة غياب الرقابة، ما يؤدي إلى أضرار جسيمة على الإنسان والنبات والحيوان، مشيرةً إلى مشكلة تصريف النفايات الصناعية غير المعالجة، بما في ذلك المواد السامة، التي تتسبب بتلوث التربة والمياه والهواء.

تؤكد جنازرة أن هذه المناطق ليست مشاريع ربحية فقط، بل أدوات استعمارية يتغلغل تأثيرها في المجتمع الفلسطيني، محددة خياراته الاقتصادية ومرتبطة ارتباطًا وثيقًا باقتصاد الاحتلال، ما يعزز تبعية الاقتصاد الفلسطيني ويقوّض قدرته على الاستقلال.
في حين يقول أمير داوود، مدير النشر والتوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، إن الحديث السياسي "الإسرائيلي" غالبًا ما يسبق الخطوات الميدانية على الأرض، موضحًا أن تصريحات المسؤولين، ومنهم نير بركات، تتناول أرقامًا كبيرة للمشروع الصناعي المزمع إقامته، لكنها تظل "مجرد إعلانات أولية"، إذ لا يمكن تنفيذ مخطط بهذا الحجم دفعة واحدة، بل يتم تقسيمه إلى مراحل متتالية على الأرض.
ويشرح داوود أن العملية تبدأ بإيداع المخطط لدى "الإدارة المدنية الإسرائيلية"، تليها إجراءات نشر تخصيصات الأراضي، ثم الإعلان عن المساحات والوحدات التفصيلية.
ويشير إلى أن الإعلان الأولي يخدم أغراضًا سياسية تتجاوز البعد التخطيطي، بينما يبقى المخطط بحاجة إلى المرور بمراحل قانونية داخل لجان التخطيط قبل أن يتحول إلى واقع. ويضيف أن الموقع الرسمي لـ"الإدارة المدنية" لم ينشر بعد أي مخطط رسمي لبدء التنفيذ.
خزان إنتاجي يخدم الاحتلال
ويؤكد داوود أن الخطاب "الإسرائيلي" حول الاستيطان شهد تحولًا واضحًا؛ فبعد أن كانت المبررات الأمنية هي الغالبة، أصبح الاستيطان يُنظر إليه اليوم كأداة للسيطرة الكاملة على الأرض وتحويل الضفة الغربية إلى خزان إنتاجي يخدم اقتصاد الاحتلال.
ويضيف أن هذا الاستغلال لا يقتصر على إنشاء المصانع فقط، بل يشمل استخدام مساحات شاسعة لإقامة أبراج الاتصالات وألواح الطاقة الشمسية، ما يجعل المنطقة مصدر دخل متنوع في قطاعات الصناعة والزراعة والاتصالات والطاقة.
ويشير داوود إلى أن سلطات الاحتلال تسيطر في محيط "تنه عومريم" على أكثر من عشرة آلاف دونم تحت تصنيف "أملاك دولة"، محذرًا من أن المرحلة المقبلة قد تشهد صدور إعلان رسمي من "الإدارة المدنية" لتخصيص هذه الأراضي كـ"منطقة نفوذ" استيطانية، تمهيدًا للبدء الفعلي بتنفيذ المخطط على الأرض.
يُوضح عماد أبو هواش، الباحث في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أن السيطرة على المساحات الزراعية الواسعة تمهّد لإقامة مشاريع صناعية وزراعية تستفيد منها المستوطنات، بينما تُحرم المجتمعات الفلسطينية المحلية من حق الوصول إلى أراضيها أو استغلالها، ما يدفع بعض المزارعين تدريجيًا إلى التخلي عنها تحت ضغط القيود الأمنية والملاحقات.

ويشدّد الباحث على أن خطورة هذا المشروع تكمن في تأثيره المباشر بعزل هذه المناطق عن عمقها الريفي والبدوي.
ويضيف أن هذا النمط من التوسع غالبًا ما يتبعه إجراءات قانونية "إسرائيلية"، مثل إعلان الأراضي "أملاك دولة" أو تنظيم البؤر الاستيطانية القائمة رسميًا.
ويختم أبو هواش بالقول إن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تحويل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، التي كانت تمثل أساسًا اقتصاديًا وغذائيًا للمنطقة، إلى مناطق استيطانية مغلقة، مع احتمالية توسيع جدار الفصل نحو الشرق للسيطرة الكاملة على المناطق المصنفة "ج" وفق اتفاقية أوسلو، بما قد يطال حتى حدود مناطق "ب" الخاضعة للإدارة الفلسطينية.
