في واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل، أعاد تحقيق استقصائي حديث فتح ملف التهجير القسري للفلسطينيين، كاشفاً تفاصيل صادمة عن مخطط سري قاده جهاز “الموساد” في أواخر ستينيات القرن الماضي لتفريغ قطاع غزة من سكانه، عبر استدراجهم بوعود عمل وهمية في أميركا اللاتينية.
ويضع التحقيق، الذي أعده الكاتب بن رايف نائب رئيس تحرير مجلة "972+" الإسرائيلية، هذه الحادثة في سياق أوسع من السياسات الإسرائيلية التي تستهدف تقليص الوجود الفلسطيني، مشيراً إلى تشابه لافت بين ما جرى آنذاك وما يُطرح في الوقت الراهن.
وبحسب التحقيق، بدأت فصول الخطة في سبتمبر/أيلول 1969، حين غادر نحو 20 شاباً فلسطينياً قطاع غزة على متن طائرة، معتقدين أنهم متجهون إلى البرازيل للعمل برواتب مغرية ضمن برنامج أعده مكتب سفريات باسم "باترا". غير أنهم فوجئوا بوصولهم إلى أسونسيون، عاصمة باراغواي، حيث تُركوا دون عمل أو سكن، بعد أن جُردوا من هوياتهم الحقيقية ومنحوا وثائق ببيانات عشوائية.
ويؤكد التحقيق أن هذه العملية لم تكن حادثة منفصلة، بل جزء من خطة أوسع هدفت إلى تهجير نحو 60 ألف فلسطيني من غزة، وفق وثائق رسمية إسرائيلية تعود إلى مايو/أيار 1969، تضمنت اتفاقاً لدفع مبالغ مالية لحكومة باراغواي مقابل استقبال المُهجّرين.
أحد الناجين من العملية، طلال الدماسي، كشف أنه تعرض لضغوط مباشرة للمشاركة، قائلاً إنه خُيّر بين السفر أو طرد عائلته، في ما وصفه بتهديد صريح تحت غطاء الفرص الاقتصادية.
ورغم أن المشروع لم يستمر طويلاً، فإن تداعياته كانت كبيرة، خاصة بعد حادثة اقتحام الدماسي ورفيقه خالد كساب السفارة الإسرائيلية في أسونسيون عام 1970، والتي أسفرت عن إصابة السفير ومقتل سكرتيرته، قبل أن تكشف المحاكمة تفاصيل الخطة، ما أدى إلى وقفها نهائياً.
ويرى التحقيق أن هذه الخطة تمثل نموذجاً مبكراً لسياسات تهجير أوسع، مستشهداً بأحداث النكبة عام 1948 والنكسة عام 1967، وصولاً إلى الطروحات الحديثة التي برزت بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بشأن “الهجرة الطوعية” لسكان غزة.
كما أشار إلى خطوات عملية حديثة، بينها إنشاء مكاتب تُعنى بما يُسمى “الهجرة الطوعية”، وتنظيم رحلات سفر لفلسطينيين إلى دول مختلفة دون تنسيق واضح، في ظروف أثارت تساؤلات حول طبيعة هذه العمليات.
ويخلص التحقيق إلى أن “خطة باراغواي” لم تكن مجرد حادثة تاريخية عابرة، بل تعبيراً عن نهج مستمر، تتغير أدواته بمرور الزمن، بينما يبقى هدفه تقليص الوجود الفلسطيني، وفق ما وصفه بـ"إصرار استثنائي" على تحقيق ذلك.
