تقرير نصف عام من "الهدنة".. أم نصف عام لتفاقم الكارثة الإنسانية في غزة وسط صمت الوسطاء؟

تقرير/ شهاب

بعد مرور ستة أشهر على اتفاق الهدنة في قطاع غزة، لا تزال الأوضاع الإنسانية والمعيشية بعيدة عن أي مؤشرات حقيقية للاستقرار، بل تبدو، في كثير من جوانبها، أكثر تعقيدًا ووطأة على السكان.

فعلى الرغم من توقف العمليات العسكرية "الإسرائيلية" الواسعة، فإن آثار الحرب ما زالت ممتدة في تفاصيل الحياة اليومية، من خلال انهيار البنية التحتية، وتضرر شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، إلى جانب استمرار أزمة الغذاء والدواء وتراجع الخدمات الصحية بشكل حاد.

وفي ظل هذا الواقع، يعيش العزيين في ظروف صعبة داخل مراكز النزوح المكتظة أو المنازل المتضررة والمدمرة، مع غياب واضح لأي تقدم ملموس في ملفات إعادة الإعمار أو تحسين الظروف المعيشية ، مع تشديد القيود المفروضة على دخول المواد الأساسية، إضافة إلى محدودية التدخلات الإغاثية، جعلت من هذه الهدنة حالة هدوء نسبي على المستوى العسكري، لكنها لم تنعكس إلى انفراجة إنسانية حقيقية على الأرض.

توثيق واقع الهدنة

وفي إطار توثيق واقع الهدنة بعد مرور نصف عام على سريانها، رصد المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، ارتكاب "إسرائيل" نحو 2400 خرق لاتفاق وقف إطلاق النار، في صورة تعكس، وفق البيان، استمرار الانتهاكات الميدانية رغم الطابع المعلن للتهدئة، وتشمل هذه الخروقات القتل والاعتقال والحصار والتجويع.

وأكد المكتب، في بيان رسمي، أن الاحتلال "الإسرائيلي" واصل، منذ دخول قرار وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، ارتكاب خروقات جسيمة ومنهجية للاتفاق، معتبرًا أن هذه الممارسات تشكّل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي الإنساني، وتقويضًا متعمدًا لجوهر الهدنة ولبنود البروتوكول الإنساني الملحق بها.

وأوضح البيان أن هذه الخروقات توزعت على 912 عملية إطلاق نار، و97 توغّلًا بريًا داخل أحياء سكنية، و1109 عمليات قصف واستهداف، إضافة إلى 273 عملية نسف، ما يشير إلى استمرار النشاط العسكري بوتيرة لافتة داخل المناطق المدنية، رغم سريان الاتفاق.

وعلى صعيد الخسائر البشرية، كشف المكتب الإعلامي أن "إسرائيل" قتلت خلال الفترة المذكورة 754 فلسطينيًا، بينهم 312 من الأطفال والنساء والمسنين، فيما بلغ عدد المصابين 2100، من بينهم 1096 من الفئات ذاتها، مؤكدًا أن نسبة المدنيين من إجمالي الضحايا تصل إلى نحو 99 بالمئة، في مؤشر على اتساع دائرة الاستهداف داخل الأوساط المدنية.

كما أشار إلى أن "إسرائيل" اعتقلت منذ بدء سريان الاتفاق 50 فلسطينيًا، لافتًا إلى أن غالبية المصابين والمعتقلين جرى استهدافهم داخل الأحياء السكنية، وبعيدًا عن مناطق سيطرة وانتشار جيش "إسرائيل" وفق ما نص عليه الاتفاق، ما يعكس، بحسب البيان، خرقًا مباشرًا للترتيبات الميدانية المتفق عليها.

وفي ما يتعلق بالجانب الإنساني، أظهر البيان فجوة كبيرة بين ما نص عليه الاتفاق وما تم تطبيقه فعليًا، حيث لم تلتزم "إسرائيل" بعدد شاحنات المساعدات والشاحنات التجارية وصهاريج الوقود المقررة، وسمحت بدخول 37 بالمئة فقط من الكميات المتفق عليها خلال نصف عام.

وبيّن المكتب أن إجمالي عدد الشاحنات التي دخلت إلى قطاع غزة بلغ 41,714 شاحنة من أصل 110,400 شاحنة كان من المفترض دخولها، بمتوسط يومي وصل إلى 227 شاحنة فقط، في حين ينص الاتفاق على إدخال نحو 600 شاحنة يوميًا من المساعدات والبضائع، إضافة إلى 50 شاحنة وقود تشمل السولار والبنزين وغاز الطهي.

وتعكس هذه الأرقام، وفق مراقبين، حجم الفجوة بين الالتزامات المعلنة والتطبيق الفعلي على الأرض، في وقت تتواصل فيه الخروقات اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار، وسط مطالبات فلسطينية بضرورة إلزام "إسرائيل" بوقف هذه الانتهاكات، وممارسة ضغوط دولية حقيقية لضمان تنفيذ بنود الاتفاق، خاصة ما يتعلق بالشق الإنساني.

خارج نطاق الخدمة

وفي سياق متصل بتداعيات الهدنة على الواقع الخدمي، حذّر الناطق باسم جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة، الرائد محمود بصل، في تصريح خاص لوكالة "شهاب"، من خطر توقف الخدمات الإنسانية والإغاثية بشكل كامل، نتيجة استمرار منع إدخال الوقود والزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل مركبات وآليات الجهاز، مؤكدًا أن الأزمة لم تعد تقتصر على قطاع بعينه، بل تطال مجمل المنظومة الخدماتية في القطاع.

ويوضح بصل أن تداعيات هذا النقص تمتد بشكل مباشر إلى المستشفيات، التي تعتمد منذ أشهر على المولدات الكهربائية في ظل انقطاع التيار، مشيرًا إلى أن هذه المولدات تحتاج إلى زيوت وصيانة دورية غير متوفرة حاليًا، ما يهدد قدرتها على الاستمرار.

ويضيف أن الأزمة تشمل أيضًا مولدات الكهرباء المنتشرة في الشوارع، والمركبات العاملة في القطاعات الحيوية، ما ينذر بتوقفها تدريجيًا وتفاقم الأوضاع الإنسانية.

وبيّن أن نقص قطع الغيار والصيانة الدورية أدى بالفعل إلى خروج عدد من مركبات الدفاع المدني عن الخدمة، ما خفّض القدرة التشغيلية للجهاز إلى نحو 10% فقط من طاقته الأصلية، لافتًا إلى أن بعض المحافظات باتت خارج نطاق الخدمة فعليًا، الأمر الذي يترك آلاف السكان دون استجابة كافية في حالات الطوارئ والحرائق وعمليات الإنقاذ.

ويؤكد بصل أن توقف خدمات الدفاع المدني سيشكّل كارثة حقيقية، في ظل الحاجة اليومية المتزايدة لخدمات الإنقاذ والإطفاء والإسعاف والإخلاء، خاصة مع استمرار الظروف الإنسانية الصعبة. وأشار إلى أن الجهاز اضطر بالفعل إلى تقليص بعض خدماته نتيجة شح الموارد، محذرًا من أن استمرار منع إدخال الاحتياجات الأساسية سيقود إلى شلل كامل في منظومة العمل الإنساني والخدماتي.

ودعا بصل، في تصريحه، المنظمات الدولية والجهات المعنية إلى التحرك العاجل لإدخال الوقود والزيوت وقطع الغيار، بما يضمن استمرار تدخلات الدفاع المدني وحماية حياة المدنيين، في وقت تتزايد فيه المخاطر اليومية داخل القطاع.

وفي قراءة تحليلية لطبيعة الهدنة ومآلاتها، يرى الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا، في تصريح خاص لوكالة "شهاب"، أن ما جرى خلال الأشهر الستة الماضية لا يمكن اعتباره تهدئة فعلية، بقدر ما يمثل مرحلة لإدارة الأزمة وتعميقها، في ظل تعثر واضح في تنفيذ معظم بنود الاتفاق، باستثناء الملف المرتبط بتبادل الأسرى، والذي نُفذ بالحد الأدنى وتحت إشراف "إسرائيلي" دون التزام كامل ببقية المسارات.

قناعة ضمنية

ويشير القرا إلى أن الجوانب التشغيلية والخدماتية المرتبطة بالاتفاق شهدت تعطيلًا شبه كامل، موضحًا أن نسبة الشاحنات التي سُمح بدخولها إلى قطاع غزة لم تتجاوز 20% من النسبة المتفق عليها، رغم أن الاتفاق ينص على إدخال ما يزيد عن 600 شاحنة يوميًا من المساعدات والبضائع، وهو ما يعكس فجوة كبيرة بين ما تم الاتفاق عليه وما يُنفذ فعليًا على الأرض.

وفي ما يتعلق بحركة الأفراد، يوضح أن الاتفاق نص على فتح معبر رفح بشكل مريح ومنظم، بما يسمح بسفر أعداد كافية من المدنيين، خاصة المرضى والجرحى، إلا أن ذلك لم يتحقق، وبقيت حركة السفر محدودة وخاضعة لقيود مشددة. كما يشير إلى أن القيود طالت أيضًا إدخال البضائع والمواد الأساسية، بما في ذلك المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية، إلى جانب المواد اللازمة لتشغيل المراكز الكبرى والمرافق الحيوية.

وعلى صعيد الترتيبات الأمنية، يلفت القرا إلى أن أحد البنود الأساسية في الاتفاق كان يقضي بانسحاب قوات "إسرائيل" من قطاع غزة بعد شهرين من سريان الهدنة، بالتوازي مع نشر قوات استقرار دولية، إلا أن هذا البند لم يُنفذ، حيث عملت "إسرائيل" على عرقلته من خلال فرض شروط إضافية على هذه القوات، ما أدى إلى رفض عدد من الدول، من بينها إيطاليا وإندونيسيا، إرسال قواتها إلى القطاع في ظل تلك الشروط.

كما يشير إلى أن اللجنة الإدارية التي كان من المفترض أن تتولى إدارة شؤون قطاع غزة، ورغم توفر الإمكانيات المادية واللوجستية لديها، لم تتمكن من مباشرة عملها داخل القطاع، حيث جرى تعطيل دورها، وأصبحت تعمل من القاهرة دون ممارسة مهامها القيادية ميدانيًا، ما ساهم في استمرار حالة الفراغ الإداري وتعقيد إدارة الأوضاع اليومية.

وفي ما يتعلق بدور الوسطاء، يرى القرا أن جميع الأطراف تدرك طبيعة موازين القوى القائمة، بما في ذلك "إسرائيل" والولايات المتحدة، إضافة إلى الوسطاء الآخرين، مشيرًا إلى أن هناك قناعة ضمنية بأن هذا الاتفاق يمثل الحد الأدنى الممكن في هذه المرحلة.

ويضيف أن بعض الوسطاء ينظرون إلى الاتفاق باعتباره أفضل ما يمكن تحقيقه حاليًا، من حيث خفض أعداد الشهداء يوميًا، ووقف العمليات العسكرية الواسعة، والتوغلات "الإسرائيلية" في بعض مناطق قطاع غزة، والتعامل مع الواقع القائم بأقل قدر ممكن من التصعيد.

غير أن هذا التصور، بحسب القرا، لم يمنع استمرار الانتهاكات الميدانية، حيث سُجل سقوط أكثر من 750 شهيدًا فلسطينيًا خلال فترة الهدنة، إلى جانب استمرار إطلاق النار، واستهداف الأطفال في مناطق مختلفة، بما في ذلك ما وصفها بـ"المناطق الصفراء"، إضافة إلى استهداف خيام النازحين، ووقوع عمليات قصف متفرقة هنا وهناك، الأمر الذي أدى إلى تعطيل شبه كامل لمظاهر الحياة اليومية داخل القطاع.

ويؤكد القرا أن هذه التطورات تؤثر بشكل كبير على إمكانية تحريك هذا الملف نحو حلول حقيقية، خاصة في ظل محاولات "إسرائيل" ربط التقدم في القضايا الإنسانية بملفات سياسية وأمنية، وعلى رأسها ما يُعرف بملف "نزع السلاح"، والذي يعتبره شرطًا إشكاليًا تسعى من خلاله "إسرائيل" إلى إنهاء الحالة القائمة وفق رؤيتها الخاصة.

ويحذر من أن "إسرائيل" تسعى إلى إبقاء هذا الوضع لأطول فترة ممكنة، عبر إدارة الأزمة بدل حلّها، بما يسمح لها بالتحكم في مستوى التصعيد والتهدئة، والاستمرار في فرض الحصار بشكل تدريجي، كما كان الحال قبل عام 2006 وقبل انتفاضة الأقصى، معتبرًا أن هذا النمط قد يكون مريحًا لـ"إسرائيل" في ظل غياب ضغط دولي فعّال.

ويشير القرا إلى أن خطورة المرحلة تكمن في إمكانية تحول هذه الهدنة إلى واقع طويل الأمد، يتم من خلاله تكريس الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، واستمرار الحصار بشكل أقل حدة ظاهريًا، لكنه أكثر استدامة، خاصة في حال استمرار غياب دور الوسطاء الفاعل في الضغط لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بشكل كامل.

في ظل هذه المعطيات المتقاطعة بين الأرقام الميدانية والشهادات الرسمية، يتضح أن مرور ستة أشهر على الهدنة لم ينجح في تحويل وقف إطلاق النار إلى واقع إنساني مستقر، بل كشف عن استمرار الأزمة وتفاقمها على مختلف المستويات، وسط غياب آليات فاعلة تضمن تنفيذ الاتفاق أو فرض التزام حقيقي ببنوده.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة