تقرير/ شهاب
في ظل تفاقم أزمة انتشار القوارض في قطاع غزة، برزت المبادرات الفردية الاهلية، كمحاولة مباشرة وفعّالة لمواجهة هذا التحدي المتزايد.
فقد تحرك عدد من المواطنين لإطلاق جهود ميدانية، تهدف إلى الحد من انتشار القوارض، من خلال تنفيذ حملات منظمة، واستخدام وسائل بسيطة ومتاحة لمكافحتها.
وتعكس هذه المبادرات روح المسؤولية المجتمعية، حيث يسعى الأفراد إلى حماية بيئتهم، والتخفيف من المخاطر الصحية التي تهدد السكان، في ظل محدودية الإمكانات، والحاجة الملحّة لحلول سريعة على أرض الواقع.
تقوم فكرة هذه المبادرات على تحرك مجتمعي مباشر لمواجهة انتشار القوارض في المناطق المتضررة داخل قطاع غزة، حيث يعمل المشاركون على تنفيذ حملات ميدانية منظمة، تستهدف الحد من تكاثر الفئران والقوارض، وتقليل انتشارها.
خطراً يومياً
وتشمل أنشطة هذه المبادرات توزيع مواد مكافحة القوارض "السموم" في أماكن الانتشار، مع وضع خطط ميدانية لاستهداف النقاط الأكثر تضرراً، إضافة إلى توعية السكان بطرق الوقاية، وتقليل الأسباب التي تساعد على تكاثرها، مثل تراكم النفايات، وضعف النظافة العامة.
وتعتمد هذه الجهود على العمل التطوعي، والتنسيق بين أفراد المخيم، بما يضمن استجابة سريعة وفعّالة لهذه المشكلة البيئية والصحية المتفاقمة.
يقول أحمد الطوخي، البالغ من العمر 34 عاماً، والمقيم في أحد مخيمات منطقة تل الهوا، في حديثه لـ"شهاب"، إنه أطلق هذه المبادرة بعد أن أصبح انتشار القوارض داخل المخيم يشكل خطراً يومياً على حياة السكان، خاصة الأطفال وكبار السن، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الأهالي، وتراكم النفايات في بعض المناطق.
ويضيف الطوخي أن فكرة المبادرة جاءت من داخل المخيم نفسه، حيث تم الاعتماد على تمويل بسيط جمعه السكان فيما بينهم، لتوفير مواد مكافحة القوارض مثل السموم والمصائد، مؤكداً أن الهدف الأساسي كان إيجاد حل سريع وعملي يحد من تفاقم المشكلة.
ويتابع قائلاً إن العمل داخل المبادرة يتم بشكل تطوعي من قبل عدد من شباب المخيم، حيث يتم تحديد أماكن انتشار القوارض بدقة، ثم توزيع الطعوم في النقاط الأكثر تضرراً مثل محيط الحاويات، وممرات المخيم الضيقة، ومناطق تجمع النفايات.
ويشير الطوخي إلى أن المبادرة لا تقتصر على الجانب الميداني فقط، بل تمتد أيضاً إلى توعية الأهالي بضرورة الحفاظ على النظافة العامة، والتخلص السليم من النفايات، إضافة إلى إغلاق الفتحات التي قد تساعد على تكاثر القوارض، معتبراً أن الوعي المجتمعي جزء أساسي من نجاح أي حل.
ويؤكد على أن هذه الخطوة جاءت بدافع الضرورة الملحّة، وأن سكان المخيم يواصلون جهودهم رغم محدودية الإمكانات، أملاً في الحد من هذه الأزمة وتحسين الظروف المعيشية داخل المخيم.
مدروسة وذكية
فيما تقول سناء عبيد، 55 عاماً، المقيمة في أحد المخيمات داخل خيمة بسيطة، في حديثها عن المبادرة التي أطلقها شباب المخيم لمواجهة انتشار القوارض، إن هذه الخطوة لم تقضِ على المشكلة بشكل كامل، لكنها خففت من حدتها بشكل واضح، وأعطت السكان شعوراً بأن الخطر بدأ يتراجع، خاصة بعد نفوق أعداد كبيرة من القوارض نتيجة استخدام السموم بطريقة مدروسة وذكية، عبر وضعها داخل أطعمة تفضلها الفئران، مما ساهم في زيادة فعاليتها.
وتضيف أن شباب المخيم لم يكتفوا بذلك، بل قاموا أيضاً بأعمال ميدانية واسعة داخل محيط الخيام، حيث حفروا وردموا الخنادق التي كانت تستخدمها القوارض كمسارات للوصول إلى الخيام، مما ساعد في قطع طرق انتشارها بشكل كبير. وتشير إلى أن هذه الجهود كان لها أثر مباشر في تقليل دخول القوارض إلى الخيام.
وتتابع سناء قائلة إن المبادرة شملت كذلك نقل النفايات خارج حدود المخيم بشكل منظم، بعد أن كانت تتراكم بالقرب من الخيام وتشكل بيئة مثالية لتكاثر القوارض، لافتة إلى أن الشباب كانوا يتابعون الأهالي بشكل مستمر ويطلبون منهم ملاحظات حول أماكن تجمع القمامة، من أجل التدخل السريع وإبعادها عن مناطق السكن.
وتستدرك أن ما قام به شباب المخيم لم يكن مجرد حملة مؤقتة، بل جهد جماعي حقيقي ساهم في تخفيف معاناة السكان، رغم أن المشكلة لم تُحل بشكل نهائي، إلا أن الوضع أصبح أكثر أماناً وهدوءاً مقارنة بما كان عليه سابقاً.
في السياق نفسه أوصى مشاركون في لقاء عقدته اللجنة الشعبية للاجئين في مخيم الشاطئ، بمشاركة بلدية غزة، وعدد من المؤسسات المحلية والدولية والمختصين والأكاديميين، لبحث تداعيات انتشار الحشرات والقوارض الضارة في قطاع غزة وسبل الحد من تفاقمها في ظل الظروف البيئية والمعيشية الصعبة، بتعزيز المبادرات المجتمعية والتوعية الصحية والإعلامية.
إلى جانب ضرورة التدخل العاجل وتعزيز التعاون المشترك بين مختلف الجهات لمواجهة آفة انتشار الحشرات والقوارض الضارة، التي أصبحت تشكّل ظاهرة خطيرة تهدد حياة المواطنين في قطاع غزة، مؤكدين أهمية تحمّل المؤسسات الدولية لمسؤولياتها، والضغط من أجل إدخال المبيدات والمواد اللازمة لمكافحتها.
وشارك في اللقاء ممثلون عن بلدية غزة، والأونروا، وعدد من المؤسسات الإغاثية والبيئية من بينها أوكسفام وجمعية أصدقاء البيئة والإغاثة الزراعية ومؤسسات دولية أخرى، إلى جانب مختصين في المجالات البيئية والصحية، وممثلين عن مؤسسات أكاديمية محلية.
وأكد المشاركون أهمية دعم البلديات في جهود جمع وترحيل النفايات وفتح الطرق وإزالة الركام، إلى جانب البحث عن حلول بديلة ووسائل محلية للمكافحة في ظل شح المبيدات، بما في ذلك المصائد والحلول المجتمعية، مع تعزيز التنسيق بين مختلف الجهات ذات العلاقة.
كما شددوا على ضرورة تكثيف الحملات التوعوية والصحية والإعلامية، وإشراك المجتمع المحلي في جهود المواجهة، وإطلاق نداءات استغاثة عاجلة تسلط الضوء على خطورة الوضع، إلى جانب تعزيز المبادرات المجتمعية التي تساهم في الحد من انتشار هذه الآفة.
"فرص نجاة"
من جانبها تقول الدكتورة فداء المدهون، عضو المجلس البلدي في بلدية غزة، إن تفاقم وتصاعد أزمة انتشار القوارض بشكل غير مسبوق نتيجة تداخل عدة عوامل بيئية ومعيشية، أبرزها تكدس النفايات في الشوارع والمناطق السكنية، وتدمير البنية التحتية، ووجود الركام الناتج عن العدوان، الأمر الذي خلق بيئة مثالية لتكاثر الفئران وانتشارها داخل الأحياء ومخيمات النزوح.
وتضيف أن من بين الأسباب الرئيسية أيضاً هو منع الاحتلال إدخال المبيدات والمواد الكيميائية والمعدات اللازمة لمكافحة هذه الآفة، ما أدى إلى تقييد قدرة الجهات المحلية والبلدية على تنفيذ حملات مكافحة فعالة وشاملة، وجعل الجهود المبذولة تقتصر على حلول محدودة وإمكانات بسيطة لا توازي حجم الأزمة المتفاقمة.
وتؤكد المدهون لـ"شهاب" أن بلدية غزة، رغم التحديات الكبيرة، تعمل على إدارة الأزمة من خلال تدخلات ميدانية وإمكانيات متاحة، إلا أن حجم المشكلة يتطلب دعماً دولياً عاجلاً لتوفير أدوات المكافحة الأساسية، إلى جانب معالجة جذور المشكلة وليس فقط نتائجها.
وتشدد على أهمية تعزيز الدور المجتمعي في مواجهة هذه الظاهرة، مشيرة إلى أن المبادرات الفردية والأهلية والمجتمعية أصبحت تشكل ركيزة أساسية في الحد من انتشار القوارض، سواء من خلال حملات النظافة وإزالة النفايات أو عبر أنشطة التوعية والتدخل المباشر في المناطق المتضررة.
وتتابع قائلة إن مواجهة القوارض لا يجب أن تقتصر على عمليات المكافحة فقط، بل يجب أن تمتد إلى خلق "فرص نجاة" حقيقية تقوم على معالجة الأسباب التي أدت إلى انتشارها، مثل تحسين إدارة النفايات، وتقليل التراكمات، وتعزيز الوعي المجتمعي بالنظافة العامة، بما يسهم في تقليل البيئة الحاضنة لهذه الآفة بشكل جذري.
وتؤكد على أن الحل المستدام يبدأ من تكامل الجهود بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المحلي والدعم الدولي، من أجل حماية السكان والحد من المخاطر الصحية المتزايدة داخل قطاع غزة.
