تقرير / شهاب
شكّلت حادثة اعتداء مستوطن يهودي على راهبة في القدس المحتلة قبل ثلاثة أيام محطة جديدة في سلسلة التوترات التي تشهدها المدينة، وأعادت فتح ملف الاعتداءات المتكررة على رجال الدين المسيحيين في الأماكن المقدسة، في ظل تصاعد المخاوف من اتساع هذه الظاهرة وتحولها إلى نمط أكثر تكرارًا وتعقيدًا.
فبينما جرى التعامل مع الحادثة باعتبارها “فردية” من قبل بعض سلطات الاحتلال، ذهبت ردود الفعل الصادرة عن مؤسسات كنسية ودوائر دينية مسيحية في اتجاه مختلف، محذّرة من أن ما يحدث يعكس مناخًا متزايد الحساسية تجاه الوجود المسيحي في القدس، المدينة التي تحمل رمزية دينية عالمية وتاريخًا طويلًا من التعايش بين مكوناتها.
"اعتداء عنصري"
وفي هذا السياق، عبّرت جهات كنسية في القدس عن قلقها من أن ما يتعرض له الوجود المسيحي في المدينة لا يندرج في إطار حوادث فردية معزولة، بل يأتي ضمن نمط متكرر من القيود والانتهاكات التي تطال أماكن العبادة ورجال الدين المسيحيين، ما ينعكس سلبًا على حرية العبادة والوصول إلى الأماكن المقدسة، خاصة في الفترات الدينية الحساسة.
كما أشارت تلك الجهات إلى أن إغلاق الكنائس في القدس خلال شهر مارس/آذار الماضي، وما ترتب عليه من تقييد لحركة المصلين والحجاج خلال موسم الصوم الكبير والأعياد المسيحية، يمثل مثالًا واضحًا على الانتهاكات والضغوط التي تواجهها المؤسسات الدينية المسيحية في القدس.
وفي موازاة ذلك، أدان المطران ويليام شومالي، النائب العام للبطريركية اللاتينية في القدس، الاعتداء الذي تعرّضت له راهبة كاثوليكية فرنسية في القدس المحتلة، واصفًا إياه بأنه "اعتداء عنصري" بالغ الخطورة ومثير للقلق، في ظل تزايد الحوادث التي تستهدف رجال الدين المسيحيين في المدينة.
وقال شومالي إن الاعتداء، الذي أسفر عن إصابة الراهبة بجروح في الرأس بعد دفعها أرضًا وارتطامها بحافة رصيف حجري، يُعدّ "حادثة مروّعة ومستهجنة أخلاقيًا"، مشيرًا إلى أن كِبر سن الضحية وضعفها الجسدي يضاعفان من فظاعة ما جرى، خاصة بعد قيام المعتدي، بحسب ما وثّقته تسجيلات الفيديو، بالعودة إلى مكان الحادث وركلها أثناء سقوطها، قبل أن يتدخل أحد المارة لإبعاده.
ودعا المطران شومالي إلى اتخاذ إجراءات قانونية صارمة بحق المعتدي، مشددًا على ضرورة مواجهة تصاعد الاعتداءات التي تستهدف الشخصيات الدينية في القدس، وضمان تطبيق القانون لردع تكرار مثل هذه الحوادث.
من جهتها، أدانت البطريركية اللاتينية في القدس الاعتداء الذي تعرّضت له الراهبة، واعتبرته عملًا عنيفًا ذا طابع خطير يثير القلق بشأن تصاعد الاعتداءات التي تطال رجال الدين المسيحيين والوجود المسيحي في القدس خلال الفترة الأخيرة.
وأكدت البطريركية، في بيانها الذي نُشر عبر موقع الفاتيكان الرسمي، أن الحادثة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن السياق العام، مشيرة إلى تزايد المخاطر التي تواجه حرية العبادة وسلامة المؤسسات الدينية المسيحية في المدينة.
كما دعت إلى اتخاذ إجراءات جدية وحاسمة لوقف مثل هذه الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عنها، مؤكدة أن استمرارها ينعكس سلبًا على مناخ التعايش الديني، ويهدد حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة وممارسة الشعائر الدينية في القدس.
وفي سياق متصل، يشير مركز روسينغ للتعليم والحوار، وهو مؤسسة بحثية مقدسية معنية برصد أوضاع الحريات الدينية والتعايش بين الأديان، في تقاريره ورصده الميداني، إلى أن الاعتداءات والمضايقات التي تستهدف المجتمعات المسيحية في القدس الشرقية وإسرائيل شهدت ارتفاعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث التكرار أو تنوع أشكالها.
اعتداءات جسدية ولفظية
ويستند المركز في ذلك إلى توثيق حوادث تشمل اعتداءات جسدية ولفظية، وتخريب ممتلكات دينية، إضافة إلى قيود أو مضايقات تتعلق بوصول المصلين والحجاج إلى الأماكن المقدسة.
وبحسب ما أورده المركز، فإن هذه الحوادث لا تُسجَّل في سياق واحد أو نمط محدود، بل تتوزع بين اعتداءات تطال رجال دين أثناء تنقلهم في البلدة القديمة، وأخرى تستهدف رموزًا ومواقع دينية مسيحية، إلى جانب حوادث مضايقة في محيط الكنائس والأديرة، ما ينعكس على شعور المجتمعات المسيحية بالأمان الديني في المدينة.
ويرى المركز أن هذا التصاعد يرتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها التحولات في المناخ الاجتماعي والسياسي داخل المدينة، وتزايد التوترات في الفضاءات الدينية المشتركة، وهو ما قد يسهم في خلق بيئة أكثر قابلية لوقوع الاحتكاكات والانتهاكات بحق الأقليات الدينية، بما فيها المسيحيون.
كما يشير إلى أن جزءًا من هذه الحوادث يحمل طابعًا رمزيًا، إذ لا يقتصر على استهداف الأفراد، بل يمتد إلى المساس بالرموز الدينية والمواقع التاريخية المرتبطة بالوجود المسيحي في القدس، الأمر الذي يثير مخاوف تتعلق باستمرارية هذا الوجود في المدينة.
وفي السياق نفسه، يحذّر المركز من أن استمرار هذا النمط من الحوادث، سواء تم توصيفه كفردي أو متكرر، يترك أثرًا مباشرًا على شعور المسيحيين بالأمان، وقد يدفع بعض الفئات، خصوصًا الشباب، إلى التفكير في الهجرة، وفق ما تعكسه بعض المؤشرات التي يرصدها المركز ضمن دراساته.
ويؤكد مركز روسينغ في هذا الإطار أن حماية حرية العبادة وضمان الوصول الآمن إلى الأماكن المقدسة في القدس يشكلان عنصرًا أساسيًا للحفاظ على التنوع الديني في المدينة، ومنع تفاقم التوترات التي تمسّ الوجود المسيحي التاريخي فيها.
من جانبه، أوضح الخبير القانوني صلاح عبد العاطي أن جميع الفلسطينيين في القدس يُعدّون سكانًا محميين بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، ما يعني أن أي اعتداء يطال راهبة مسيحية، أو مصلين مسلمين، أو ممتلكاتهم، يُفهم ضمن منظومة واحدة من الانتهاكات المرتبطة بواقع الاحتلال.
تعيد إنتاج التمييز
وأضاف عبد العاطي أن استهداف الفلسطينيين على أساس هويتهم، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، هو شكل من أشكال التمييز المباشر والمركّب، القائم على البعدين القومي والديني، وهو ما تحظره الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، كما يشكل انتهاكًا لحرية الدين وممارسة الشعائر.
وأشار إلى أن القيود المتكررة على الوصول إلى المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، إلى جانب الاعتداءات التي تطال رجال الدين، تُظهر أن الأمر لا يقتصر على استهداف أفراد، بل يمتد إلى المساس بالحقوق الدينية الجماعية، بما يؤسس لنمط من التمييز المنهجي ضد الفلسطينيين في المدينة.
وبيّن أن تكرار هذه الحوادث، مقرونًا بضعف المساءلة، يعكس بيئة عامة تعيد إنتاج التمييز على أساس الهوية، ويرقى، من الناحية القانونية، إلى اضطهاد يُمارس في إطار واسع أو منهجي ضد الجماعة السكانية الفلسطينية، فضلًا عن وجود مؤشرات على نظام هيمنة مؤسسية محظور بموجب الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بمناهضة الفصل العنصري.
ورأى عبد العاطي أن هذه الاعتداءات لا تنفصل عن سياسات أوسع تستهدف تغيير الطابع الديمغرافي والثقافي والديني لمدينة القدس، من خلال التضييق على سكانها الأصليين، وفرض السيطرة على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية.
وأكد أن الاعتداء على الراهبة في القدس الشرقية ليس حادثًا عابرًا، بل يعكس بنية قانونية وسياسية تكرّس التمييز والسيطرة، ويأتي ضمن سياق أوسع يستهدف الفلسطينيين كجماعة واحدة، ويقيد حقوقهم الدينية والمدنية، ويسعى إلى إعادة تشكيل المدينة ديمغرافيًا وثقافيًا، بما يجعل ما يجري في القدس أبعد من مجرد حوادث متفرقة، إلى نمط ممنهج يستوجب المساءلة الدولية.
