"العودة من الموت".. شهادة تُثبت أن حرية الصحافة في غزة تحت النار

تقرير الإفرنجي  الصحافة  "تهمة" ثقيلة تضع الصحفيين رهن الاعتقال والاستهداف والإخفاء القسري

خاص/ شهاب 

يحتفي العالم اليوم بحرية الصحافة بوصفها مناسبة رمزية لتكريم الكلمة الحرة، وضمان حق الوصول إلى المعلومات، لكن  الصورة القادمة من قطاع غزة على النقيض تمامًا من هذا المعنى ، حيث  لا تُعامل الصحافة باعتبارها حقًا مهنيًا أو إنسانيًا مكفولًا، بل يحولها الاحتلال إلى "تهمة" ثقيلة تضع الصحفيين رهن الاعتقال والاستهداف والإخفاء القسري.

تتجسد هذه المفارقة بوضوح في شهادة الصحفي الفلسطيني المخضرم عماد الإفرنجي (58 عامًا)، الذي نال حريته  بعد اعتقال طويل خلال حرب الإبادة فى سجون الاحتلال الإسرائيلي ، والذي يقدّم شهادة مضادة من داخل التجربة نفسها، حيث تتحول الكلمة من أداة للتوثيق إلى سبب مباشر للاستهدا، وحيث يصبح القلم جزءًا من ملف أمني لا من ممارسة مهنية.

يقول الإفرنجي إن ما يعيشه الصحفي الفلسطيني اليوم لا يمكن اختزاله في إطار الاستهداف المهني فقط، بل هو "تحويل منهجي للصحافة إلى جريمة قائمة بذاتها". فالمشهد لا يتوقف عند حدود القصف المباشر الذي طال عشرات الصحفيين في غزة خلال الحرب، ولا عند مشاهد الاستهداف في الميدان، بل يمتد إلى منظومة كاملة من الاعتقال، والتحقيق، والتعذيب، والإذلال، في سياق يبدو فيه أن المهنة ذاتها باتت تُعامل كملف أمني حساس.

ويؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي لا يتعامل مع الصحفي بوصفه شاهدًا محايدًا ينقل ما يراه، بل يضعه مباشرة في قلب "معركة الرواية"، وهي معركة موازية للحرب العسكرية، تُخاض فيها الكاميرا والقلم كأدوات تُعامل باعتبارها تهديدًا للاحتلال. 

لحظة التحول إلى معتقل


يعود الإفرنجي إلى لحظة اعتقاله في 18 مارس/آذار من 2024 ، وهي لحظة لا تزال محفورة في ذاكرته بتفاصيلها الدقيقة، حين اقتحمت قوات الاحتلال مجمع الشفاء الطبي، أحد أكبر المرافق الصحية في غزة، حيث كان يتواجد كغيره مع مئات النازحين المدنيين من مرضى ومصابين وموظفي القطاع الطبي والصحفيين، في مشهد إنساني معقد يختلط فيه الألم بالخوف والقهر.

يروي أن بداية الاعتقال لم تكن إجراءً قانونيًا أو استهدافًا فرديًا محددًا، بل كانت عملية جماعية بدأت بإجبار جميع الموجودين على التجمع في ساحة المستشفى، قبل إخضاعهم لإجراءات تفتيش ميداني قاسية، رافقها الضرب والإهانة والتعامل العنيف، رغم التعرف على هويته الصحفية منذ اللحظة الأولى.

ويضيف أن كونه صحفيًا جعله في موقع أكثر هشاشة وانتهاك، إذ جرى التعامل معه منذ البداية بوصفه "متهمًا"، لا كشاهد مهني ينقل ما يجري في أرض وطنه  كان الانطباع الأول واضحًا: الهوية الصحفية ليست درعًا، بل عنصرًا رئيسيا في ملف الاتهام.

ويصف الإفرنجي مرحلة التحقيق بأنها اللحظة التي انقلب فيها المعنى بالكامل و تحولت الصحافة إلى مادة اتهام مباشرة. الأسئلة لم تكن تدور حول الوقائع الميدانية أو طبيعة العمل الصحفي، بل حول جوهر الكتابة نفسها: ماذا يكتب؟ لمن يكتب؟ ولماذا يكتب أصلًا؟
ويشير إلى أن محققي الاحتلال تعاملوا مع المقالات والتقارير الصحفية بوصفها "تحريضًا"، في حين وصل الأمر في بعض الحالات إلى اعتبار تدريس الصحافة في الجامعات الفلسطينية فعلًا يهدف إلى "تخريج إرهابيين"، وفق منطق الاحتلال.

أما أكثر اللحظات دلالة، بحسب روايته، فكانت حين تحولت مقابلة صحفية قديمة أجراها مع القيادي الفلسطيني الراحل يحيى السنوار إلى "دليل إدانة" يُستخدم لتبرير استمرار احتجازه، وكأن العمل الصحفي نفسه أصبح مادة جنائية قابلة للاستخدام في ملف أمني مغلق.

سجون بلا أخبار


ويصف الإفرنجي حالة العزلة التامة عن العالم الخارجي لا صحف، لا نشرات، لا أخبار موثوقة، ولا أي قناة تسمح بمرور المعلومة بشكل طبيعي. كانت الأخبار، إن وصلت، تصل مشوهة أو متأخرة أو موجهة، مما خلق حالة دائمة من القلق والتوتر لدى المعتقلين الذين يعيشون في فراغ معلوماتي كامل.

ويضيف أن الصحفي داخل هذا السياق يفقد صفته المهنية بالكامل، إذ لا يُنظر إليه كصحفي حتى داخل السجن، بل يُعامل كـ"ملف أمني" يحتاج إلى تفكيك، لا كشخص يحمل خبرة أو شهادة أو رسالة مهنية، و تُمحى هويته المهنية بالكامل، ويُعاد تعريف الإنسان داخل منظومة مغلقة لا تعترف إلا بتجريم الفلسطينيين.

في تفاصيل أكثر قسوة، يروي الإفرنجي ما يصفه بسياسة ممنهجة من التعذيب والإذلال بدأت منذ اللحظات الأولى في سجن "سديه تيمان"، حيث أُجبر المعتقلون على خلع ملابسهم والوقوف عراة لساعات طويلة، في مشهد يعكس تجريدًا كاملًا من الكرامة الإنسانية.
ثم جاءت مراحل النقل بين مراكز احتجاز مكتظة، حيث الجوع والبرد والضرب المستمر، في ظروف قاسية أدت إلى تدهور صحي واضح، فقد خلاله أكثر من 30 كيلوغرامًا من وزنه طوال فترة الاعتقال.

ولم تكن الصورة مختلفة في سجن "عوفر". ويصف الإفرنجي غرف الاحتجاز بأنها أماكن ضيقة للغاية تُشبه "قبورًا جماعية"، يُراقب فيها المعتقلون بالكاميرات على مدار الساعة، ويُعاملون كأرقام متسلسلة بدلًا من أسماء أو بشر لهم قصص وحياة.

يرى الإفرنجي أن ما يجري لا يمكن اعتباره سلسلة حوادث منفصلة أو استثناءات فردية، بل هو جزء من سياق أوسع من الاستهداف المنهجي للصحفيين في قطاع غزة.
ويشير إلى أن عدد الشهداء من الصحفيين منذ أكتوبر 2023 بلغ (262)، في أكبر استهداف للصحافة في التاريخ المعاصر، ضمن محاولات لإسكات الرواية الفلسطينية، وفق تقديرات محلية ودولية، وهو رقم يعكس حجم الخسارة في الجسم الإعلامي الفلسطيني.
ورغم هذا الاستهداف، يؤكد أن الرواية الفلسطينية لم تُمحَ، بل على العكس، أصبحت أكثر حضورًا وانتشارًا، رغم الكلفة الإنسانية الباهظة التي دفعها الصحفيون من حياتهم وأجسادهم وحريتهم.

تُظهر المعطيات الرقمية الحديثة أن الاحتلال يتجه إلى مواجهة المحتوى الفلسطيني عبر منظومة منظمة ومكثفة تستهدف ما تنتجه شبكة واسعة من الصحفيين والنشطاء ومراكز البحث والمؤسسات الحقوقية الفلسطينية من روايات وتقارير ميدانية.

وفي هذا السياق، أقر الكنيست موازنة لعام 2026 تبلغ نحو 730 مليون دولار مخصصة للدبلوماسية العامة أو ما يُعرف بـ"هسبارا"، في إطار سياسة تهدف إلى إدارة وتوجيه السردية الدولية وتقليص تأثير المحتوى الفلسطيني المتصاعد.

في غياب الحرية

ويزيد هذا الرقم بنحو خمسة أضعاف عن موازنة العام السابق، والتي كانت بدورها قد تضاعفت عشرات المرات خلال سنوات قليلة، ما يشير إلى تحول واضح نحو الاستثمار في "معركة الرواية" التي يقودها الصحفيون باعتبارها امتدادًا مباشرًا للحرب.

وتشمل هذه الأدوات حملات إعلانية ممولة على منصات كبرى، وإنشاء غرف عمليات إعلامية لرصد عشرات الآلاف من المواد الإخبارية يوميًا، إضافة إلى التوسع في توظيف شركات علاقات عامة وشبكات مؤثرين مدفوعي الأجر وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بهدف التأثير على تدفق المعلومات وإعادة تشكيل الانطباع الدولي حول الإبادة في غزة.

ورغم هذا الاستثمار المكثف، يشكك خبراء في قدرة هذه الاستراتيجية على كبح تأثير الرواية الفلسطينية، معتبرين أن قوة المحتوى المرتبط بالوقائع الميدانية، خاصة من غزة، تجعل من الصعب التحكم الكامل في اتجاهات الرأي العام الدولي، حتى مع تصاعد الإنفاق على أدوات التأثير الإعلامي والدبلوماسي.

تبدو شهادة الإفرنجي في اليوم العالمي لحرية الصحافة وكأنها نقيض مباشر لفكرة المناسبة ذاتها. فالصحفي الفلسطيني هدف محتمل، وكلمته أو صورته تصبح في سياق "دولة الإرهاب الإسرائيلي" أداة تُقرأ باعتبارها جريمة قابلة للعقاب.
ويقول إن الصحفيين الفلسطينيين، رغم القتل والاعتقال والملاحقة، واصلوا أداء دورهم في نقل ما يجري على الأرض، وأن هذه الشهادة ليست نهاية الحكاية، بل هي امتداد لإيمان الفلسطينيين: صحفيين وأطباء وعمال وأكاديميين ونساء ورجال وأطفال، بأن حريتهم قادمة، وحقهم في النضال مشروع ومستدام.

 

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة