نقاشات أميركية حول أموال المقاصة.. ترتيبات مالية جديدة قد تعيد تشكيل المشهد في غزة والضفة

 

كشفت خمسة مصادر مطلعة عن نقاشات داخل الإدارة الأميركية حول مقترح يقضي بدفع "إسرائيل" لتحويل جزء من أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة إلى ما يُسمّى "مجلس السلام" الذي جرى الحديث عن تشكيله برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في خطوة وُصفت بأنها قد تعيد رسم مسار إدارة الأموال الفلسطينية خارج الأطر التقليدية للسلطة الوطنية الفلسطينية.

وبحسب المصادر، فإن إدارة ترامب لم تحسم بعد موقفها النهائي من تقديم طلب رسمي إلى "إسرائيل" بشأن آلية تحويل هذه الأموال، في وقت يتصاعد فيه الجدل داخل الدوائر السياسية والاقتصادية حول تداعيات المقترح على مستقبل الحكم والتمويل في الأراضي الفلسطينية.

ويأتي ملف المقاصة في سياق نظام مالي قائم منذ توقيع اتفاق باريس الاقتصادي عام 1994، وهو الملحق الاقتصادي لاتفاق أوسلو الذي ينظم العلاقة المالية والتجارية بين “إسرائيل” والسلطة الفلسطينية، حيث تتحكم "إسرائيل" بمعظم المعابر الخارجية وتقوم بجمع الضرائب على الواردات الفلسطينية نيابة عن السلطة ثم تحويلها بشكل شهري بعد خصم رسوم إدارية ونسب متفق عليها، وهو ما جعل الاقتصاد الفلسطيني مرتبطًا بشكل وثيق بالبنية المالية الإسرائيلية.

وتُجبى هذه الأموال من ثلاثة مصادر رئيسية تشمل الضرائب الجمركية على السلع المستوردة إلى الأراضي الفلسطينية عبر الموانئ والمعابر الإسرائيلية، وضريبة القيمة المضافة على البضائع الموجهة للسوق الفلسطيني، إضافة إلى ضرائب المحروقات التي تُباع للفلسطينيين عبر الشركات الإسرائيلية، قبل أن تقوم إسرائيل بتحصيلها وتحويلها شهريًا إلى وزارة المالية الفلسطينية ضمن آلية مقاصة دورية.

وفي السياق ذاته، تلجأ "إسرائيل”" إلى احتجاز أو خصم جزء من هذه الأموال في فترات التوتر السياسي أو الأمني، وتبرر ذلك غالبًا بوجود مخصصات لعائلات الأسرى أو الشهداء ضمن الموازنة الفلسطينية، أو استخدامها كأداة ضغط سياسية على السلطة، خصوصًا في ظل تصاعد الخلافات السياسية والميدانية المرتبطة بالوضع في غزة، ما يجعل الملف المالي أداة متكررة في إدارة الصراع.

وتشير المعطيات إلى أن المقترح الأميركي يتضمن إعادة تخصيص جزء من عائدات الضرائب الفلسطينية—المعروفة بأموال المقاصة—لصالح حكومة انتقالية مدعومة من واشنطن في قطاع غزة، ضمن تصور أوسع لإدارة مرحلة ما بعد الحرب.
وفي المقابل، قد يُخصص جزء آخر من هذه الأموال للسلطة الفلسطينية في حال تنفيذها "إصلاحات سياسية وإدارية" لم تُحدد طبيعتها بشكل واضح، ما يفتح الباب أمام ربط التمويل العام بشروط سياسية وإدارية خارجية.

وتقدّر السلطة الفلسطينية قيمة أموال المقاصة المحتجزة لدى الاحتلال بنحو 5 مليارات دولار، وهي أموال تشكل العمود الفقري لإيراداتها الشهرية، وتغطي رواتب الموظفين والخدمات الأساسية في الضفة الغربية.

ويحذر مراقبون من أن إعادة توجيه هذه الأموال لصالح مسارات بديلة قد يؤدي إلى تهميش السلطة الفلسطينية، لصالح ترتيبات جديدة تحظى بدعم غربي–أميركي مباشر، خصوصًا في ملف إعادة إعمار غزة وإدارتها.
كما يرى محللون أن استمرار احتجاز هذه الأموال من قبل "إسرائيل" يفاقم بالفعل الأزمة المالية الخانقة في الضفة الغربية المحتلة، حيث تعاني الحكومة الفلسطينية من عجز متراكم وتأخر في دفع الرواتب وتراجع حاد في القدرة على تقديم الخدمات العامة.

وفي قراءة تحليلية، قال المحلل والخبير في الشؤون الاقتصادية هيثم دراغمة إن المقترح الأميركي لا ينفصل عن سياق أوسع من إعادة توزيع أدوات الضغط السياسي والمالي في الملف الفلسطيني.

وأضاف دراغمة أن "طرح فكرة تحويل أموال المقاصة إلى ما يسمى بمجلس السلام، يأتي في إطار تقويض الدور الأوروبي الذي كان قد صعّد خلال الفترة الأخيرة من ضغوطه على إسرائيل بشأن الإفراج عن الأموال المحتجزة للسلطة الفلسطينية".

ويشير دراغمة إلى أن هذه الخطوة، في حال تنفيذها، "لن تكون مجرد إجراء مالي، بل ستتحول إلى أداة لإعادة هندسة العلاقة بين الممول والسلطة الفلسطينية، بما يضعف استقلال القرار المالي الفلسطيني".

ويتابع: "ما يجري يضيف طبقة جديدة من التعقيد على الأزمة المالية في الضفة الغربية، ويزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي، ويهدد قدرة السلطة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه الموظفين والخدمات”.

ويحذر دراغمة من أن "استمرار هذا المسار قد يقوض اتفاق باريس الاقتصادي الذي ينظم العلاقة المالية بين الجانبين، ويحوّل أموال المقاصة من حق مكتسب إلى أداة ابتزاز سياسي وإداري".

يأتي هذا المقترح في لحظة حساسة تشهد فيها الأراضي الفلسطينية أزمة مالية غير مسبوقة، حيث تتقاطع الضغوط الإسرائيلية عبر احتجاز أموال المقاصة مع تحولات في الموقف الدولي، ومحاولات لإعادة تشكيل إدارة قطاع غزة ضمن ترتيبات انتقالية مدعومة أميركياً.

وفي سياق اقتصادي أوسع، تشير بيانات حديثة صادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن استمرار احتجاز أو تأخير تحويل أموال المقاصة الفلسطينية من قبل "إسرائيل" يفاقم الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية بشكل مباشر، باعتبار هذه الأموال المصدر الرئيسي لإيراداتها. وتوضح البيانات أن هذا التعطيل المتكرر انعكس على قدرة السلطة في الإيفاء بالتزاماتها الأساسية، وفي مقدمتها دفع رواتب الموظفين وتمويل الخدمات العامة الحيوية.

كما تشير إلى أن حالة عدم اليقين المرتبطة بتحويل هذه الإيرادات أدت إلى ضغط متزايد على المالية العامة، ودفعت نحو اتساع الاعتماد على المساعدات الخارجية والتحويلات الدولية لتعويض النقص في الموارد المحلية، ما يعمّق هشاشة الوضع الاقتصادي ويحدّ من قدرة المؤسسات الفلسطينية على التخطيط المالي المستقر.

ويرى محللون أن جوهر الإشكالية لا يقتصر على حجم الأموال المحتجزة، بل يمتد إلى سؤال أعمق حول من يملك حق إدارة الموارد المالية الفلسطينية، وفي أي إطار سياسي سيتم توظيفها خلال المرحلة المقبلة.

وفي ظل غياب قرار نهائي من الإدارة الأميركية، تبقى السيناريوهات مفتوحة على مزيد من التعقيد، وسط تحذيرات من أن أي إعادة توجيه قسرية لهذه الأموال قد تعمّق الانقسام السياسي والاقتصادي الفلسطيني بدل أن تعالجه.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة