كشفت صحيفة ميدل إيست آي البريطانية تفاصيل مروعة بشأن الأوضاع الصحية والإنسانية التي يعيشها الأسير الفلسطيني محمد عمر خالد داخل أحد السجون البريطانية، في قضية أثارت موجة غضب وانتقادات حقوقية متصاعدة بسبب ما وصفته منظمات ومتابعون بـ"الإهمال الطبي الممنهج" بحق معتقل يعاني من مرض وراثي نادر يهاجم العضلات ويفقد المصاب به القدرة التدريجية على الحركة.
وبحسب التقرير، فإن خالد المحتجز احتياطياً في سجن "ورموود سكرابس" غربي العاصمة البريطانية لندن، يعيش أوضاعاً بالغة القسوة منذ أشهر، بعدما تدهورت حالته الصحية بشكل حاد داخل السجن، في ظل غياب الرعاية الطبية الملائمة وعدم توفير الاحتياجات الأساسية التي تتطلبها حالته المرضية.
منحى حقوقياً وإنسانياً
وذكرت الصحيفة أن المعتقل الفلسطيني اضطر مراراً إلى الزحف على أرضية السجن لقضاء احتياجاته اليومية والوصول إلى أدويته، بعدما فقد القدرة على المشي بشكل شبه كامل نتيجة تدهور مرضه وعدم توفير وسائل مساعدة مناسبة لفترة طويلة.
ويواجه خالد اتهامات تتعلق بالمشاركة في اقتحام قاعدة تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في منطقة بريز نورتون خلال حزيران/ يونيو من العام الماضي، في إطار تحركات مرتبطة بحراك “أكشن فلسطين” المناهض للدعم العسكري البريطاني للاحتلال الإسرائيلي.
إلا أن القضية أخذت خلال الأشهر الأخيرة منحى حقوقياً وإنسانياً متصاعداً، مع تزايد التقارير التي تتحدث عن تدهور خطير في وضعه الصحي داخل السجن، وسط اتهامات لإدارة السجن بعدم التعامل بجدية مع حالته الطبية.
ويعاني خالد من مرض الحثل العضلي، وهو اضطراب وراثي نادر يتسبب في ضعف تدريجي ومتسارع في العضلات، ويحتاج المصابون به إلى متابعة صحية دقيقة تشمل العلاج الطبيعي المستمر، والحركة المنتظمة، ونظاماً غذائياً خاصاً للحفاظ على الحد الأدنى من القدرة الجسدية.
ونقلت الصحيفة عن خالد قوله، عبر وسيط، إن ظروف احتجازه القاسية وعدم تلقيه الرعاية الصحية المناسبة سرّعت بشكل خطير من تدهور حالته، حتى أصبح عاجزاً تقريباً عن الحركة أو المشي.
وأوضح أنه يُحتجز داخل زنزانته لنحو ٢٣ ساعة يومياً، في ظروف وصفها بالمهينة، مضيفاً أنه اضطر أكثر من مرة إلى الزحف على الأرض للوصول إلى أدويته أو لحضور جلسات قانونية أو حتى لقاء أفراد عائلته.
ووصف المعتقل الفلسطيني ما يتعرض له داخل السجن بأنه "معاملة لا إنسانية"، قائلاً إنه كان يزحف أمام السجناء "كما لو كان حيواناً جريحاً"، فقط للوصول إلى احتياجاته الأساسية.
كما كشف أن إدارة السجن تجاهلت لشهور توصيات طبية صادرة عن مختصين بالعلاج الطبيعي بضرورة توفير كرسي متحرك ملائم له، رغم أن تلك التوصيات قُدمت منذ آذار/ مارس الماضي.
وأضاف أنه عندما حصل أخيراً على كرسي متحرك، كان بحجم غير مناسب لا يسمح له بالدخول إلى زنزانته أو التحرك عبر الممرات الضيقة المؤدية إليها، ما اضطره إلى مواصلة الزحف بين السرير والمرحاض داخل زنزانته.
وأشار خالد إلى أن موظفين في السجن رفضوا أحياناً إحضار أدويته إليه، وأجبروه على التحرك بنفسه رغم إدراكهم الكامل لوضعه الصحي المتدهور.
وفي واحدة من أكثر الوقائع صدمة، قالت الصحيفة إن إدارة السجن تأخرت كذلك في توفير كرسي مخصص للاستحمام، الأمر الذي أدى إلى بقاء المعتقل الفلسطيني أكثر من ٢٠ أسبوعاً من دون القدرة على الاغتسال بشكل طبيعي أو آمن.
كما تحدث خالد عن حادثة وقعت خلال عملية إخلاء للسجن بسبب حريق اندلع في نيسان/ أبريل الماضي، حيث قال إنه تُرك وحيداً داخل زنزانته بينما جرى إجلاء بقية السجناء، بسبب عدم وجود ترتيبات تساعده على الحركة.
وأضاف أن موظفي السجن أبلغوه بأن تعليمات الصحة والسلامة تمنعهم من مساعدته جسدياً، كما منعوا سجناء آخرين من تقديم المساعدة له أثناء تنقله.
جدلاً واسعاً
ومن الجوانب التي أثارت جدلاً واسعاً في القضية، ما كشفه خالد بشأن تعرضه لتشكيك مستمر من بعض العاملين في السجن حول حقيقة مرضه، رغم وجود ملف طبي موثق يثبت إصابته بالحثل العضلي.
وقال إنه كان يشكو باستمرار من الألم والإجهاد الحاد، إلا أن الردود التي كان يتلقاها غالباً ما تتحدث عن "عدم وجود مؤشرات سريرية خطيرة"، على حد وصفه.
كما أشار إلى أنه فاته عدد من المواعيد الطبية المهمة مع أطباء أعصاب بسبب عدم توفير كرسي متحرك مناسب يتيح نقله إلى العيادات المختصة.
ورغم التقارير الطبية المقدمة بشأن وضعه الصحي، رفضت محكمة بريطانية في نيسان/ أبريل الماضي الإفراج عنه بكفالة.
وبحسب الصحيفة، أقرت القاضية خلال جلسات المحكمة بأن الحالة الصحية لخالد "ليست محل خلاف"، وأن هناك بالفعل مخاوف حقيقية تتعلق بمستوى الرعاية المقدمة له داخل السجن، لكنها اعتبرت أن وضعه الصحي لا يجعله "غير صالح للاحتجاز".
كما طلبت المحكمة إرسال نسخة من الحكم إلى إدارة السجن للنظر في الملاحظات الطبية والحقوقية المثارة في الملف.
من جهتها، قالت محامية خالد، لورا أوبراين، إن إدارة السجن تسلمت ملفه الطبي الكامل منذ اللحظة الأولى لاحتجازه، إلا أن طريقة التعامل معه توحي بوجود تشكيك دائم في حقيقة مرضه.
وأضافت أن إدارة السجن كانت تستند أحياناً إلى مشاهدته وهو يمشي خطوات محدودة، متجاهلة طبيعة مرض الحثل العضلي الذي يؤدي إلى انهيار العضلات تدريجياً مع أي مجهود بدني.
وحذرت المحامية من أن استمرار نقص الرعاية الصحية والعلاج الطبيعي قد يتسبب بأضرار خطيرة ودائمة على حالته الصحية، مطالبة بتوفير كرسي متحرك ملائم، وتأمين جلسات علاج طبيعي منتظمة، وتهيئة بيئة مناسبة داخل السجن تتوافق مع احتياجاته الجسدية.
"مثل هيكل عظمي"
وفي شهادات نقلتها الصحيفة عن أصدقاء المعتقل الفلسطيني، أكدوا أن حالته الجسدية شهدت تراجعاً مخيفاً خلال الأشهر الأخيرة، وأنه فقد جزءاً كبيراً من كتلته العضلية حتى بدا “مثل هيكل عظمي”، بحسب وصفهم.
أما خالد، فقال إنه يحاول الحفاظ على تماسكه النفسي رغم الألم الدائم الذي يعيشه، لكنه بدأ يعاني مؤخراً من صعوبات في التنفس، محذراً من أن ضعف ذراعيه المتواصل قد يمنعه قريباً حتى من استخدام كرسيه المتحرك بنفسه.
وأثارت القضية نقاشاً متصاعداً داخل الأوساط الحقوقية البريطانية حول أوضاع الرعاية الصحية داخل السجون، خصوصاً فيما يتعلق بالسجناء المصابين بأمراض مزمنة وإعاقات جسدية خطيرة، وسط دعوات متزايدة لمراجعة آليات التعامل مع الحالات الإنسانية داخل مراكز الاحتجاز البريطانية.
