تقرير ينبش الغزيون ركام مدينتهم.. ويصنعون من الأنقاض سبل صمودهم

خاص / شهاب

يبحث الغزي عن طرق تعينه على مواصلة حياته بما هو متاح، ويبتكر طرقًا لكسب رزقه في واقع فقد فيه كل مقومات العمل والإنتاج.

يصلح ما كان يُستبدل، ويعيد استخدام ما كان يُهمل، ويحوّل الإمكانات المحدودة والمعدمة إلى مصادر دخل تعينه على تلبية احتياجات أطفاله.

خردة الألمنيوم

أعاد المهندس باسل البطش بناء مهنته بإمكانات محدودة، بعدما دمّر جيش الاحتلال مصنعه المتخصص في تصنيع قطع الغيار، فأقام ورشة بدائية داخل خيمة النزوح في منطقة تل الهوى جنوب مدينة غزة، ليواصل العمل بما يتوفر لديه من مواد وأدوات.

يجمع البطش خردة الألمنيوم من بين الأنقاض، ويفرز القطع التي يمكن الاستفادة منها، ثم يصهرها ويصب المعدن المنصهر في قوالب لتشكيل قطع غيار جديدة للمركبات والآلات.

وفي ورشته البدائية داخل الخيمة، يحاول تعويض النقص في قطع الغيار التي يصعب الحصول عليها، وتوفير بدائل تساعد على صيانة المركبات والمولدات التي يعتمد عليها السكان في أعمالهم ومصادر رزقهم وتلبية احتياجاتهم اليومية.

في مخيم جباليا، اتجه صلاح بعلوشة إلى مهنة مختلفة بعدما دمّر جيش الاحتلال ورشته التي كان يعمل فيها في صناعة الأبواب والنوافذ المصنوعة من الألمنيوم، ليبدأ محاولة جديدة لكسب رزقه من مواد كانت تُعامل بوصفها نفايات. وصمّم بعلوشة آلة بدائية لإعادة تدوير النايلون، مستعينًا بقطع الحديد والخردة المتاحة، في محاولة لتجاوز نقص الإمكانات ومواصلة العمل بما هو موجود.

تبدأ العملية بجمع النفايات البلاستيكية وفرزها وتنظيفها، قبل إدخالها في مراحل الصهر وإعادة التشكيل، لتحويلها إلى مادة يمكن استخدامها مجددًا. وصمّم بعلوشة آلته اعتمادًا على إمكانات محدودة.

أما علاء أبو حليمة، الذي فقد عمله في إحدى شركات الصرافة نتيجة التداعيات الكارثية لحرب الإبادة، فقد قادته الصدفة البحتة إلى مهنة إصلاح الأثاث وتجديده، بعدما تمكن من إصلاح العديد من قطع الأثاث الخاصة بمنزل عائلته، إثر إخراجها من تحت الركام. وسرعان ما ذاع صيته في المخيم الذي يسكنه، حتى أصبح اسمًا معروفًا بين النازحين.

ويعمل أبو حليمة على إصلاح قطع تعرضت للتلف أو أصابتها شظايا القصف والرصاص، مستعينًا بما يتوفر لديه من مواد وأدوات. كما يلجأ بعض زبائنه إلى إصلاح أثاثهم بدلًا من شراء قطع جديدة، في ظل الارتفاع الكبير في الأسعار وصعوبة توفير المستلزمات اللازمة للتصنيع.

خشب "المشاطيح" 

لكن مواصلة العمل لم تعد مرتبطة بمهارته في إصلاح الأثاث فحسب، إذ يواجه نقصًا في الأخشاب والبراغي ومواد التثبيت واللصق والدهانات والمذيبات، الأمر الذي يضطره إلى البحث عن بدائل تتيح له الاستمرار، حتى اتجه إلى استخدام أخشاب "المشاطيح" التي تدخل إلى غزة عبر شاحنات المساعدات والأغذية.

وبين ارتفاع الأسعار ونقص المواد، يحاول أبو حليمة توفير خيارات أقل كلفة لزبائنه، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مصدر دخل من مهنة لم تكن عمله الأصلي، لكنها أصبحت وسيلته لمواجهة فقدان وظيفته السابقة.

في حين يعمل جميل العايدي في مهنة قريبة من مهنة «الطوبار» التي كان يعمل فيها قبل الحرب؛ إذ يجمع الحجارة والبلاط والسيراميك المستخرج من المباني المدمرة، وينظفها تمهيدًا لإعادة استخدامها في ترميم المباني المتضررة جزئيًا.

ويبدأ العايدي عمله في ساعات الصباح، وقد يمتد يومه من السابعة صباحًا حتى السابعة مساءً، في عمل شاق يتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا، لكنه يمثل بالنسبة إليه وسيلة لتأمين احتياجاته اليومية في ظل تراجع فرص العمل.

وتُستخدم الحجارة التي يجمعها بعد تنظيفها في ترميم المنازل المتضررة، وإقامة الحواجز والسواتر، وبعض الأعمال في المقابر والمرافق التي تحتاج إلى إعادة تأهيل. وبهذا، تتحول مواد يمكن الاستفادة منها إلى مصدر للعمل والدخل، بدلًا من بقائها دون استخدام.

لكن طبيعة هذه المهنة تفرض صعوبات إضافية، إذ يقضي العايدي يومه في مواقع تحتوي على الأتربة ومواد قد تكون ملوثة، فضلًا عن احتمال وجود ذخائر غير منفجرة ومخلفات خطرة، ما يجعل مهنته الجديدة محفوفة بالمخاطر.

وبحسب البيانات الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي، تعرضت 92% من المنشآت الاقتصادية للدمار أو الأضرار، بينما انكمش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 83% خلال عام 2024. وتراجع نصيب الفرد من الناتج إلى 212 دولارًا في عام 2025، أي ما يعادل نحو 58 سنتًا يوميًا.

وامتد التراجع إلى القطاعات الإنتاجية؛ إذ انخفض الإنتاج الزراعي والصناعي بنحو 94% لكل منهما، فيما تراجع نشاط الإنشاءات بنسبة 99% مقارنة بمستويات عام 2022. وفي سوق العمل، ارتفعت البطالة من 45% قبل الحرب إلى قرابة 80% في عام 2026، بحسب المادة ذاتها.

من جانبه، يوضح الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الحرب غيّرت طبيعة السوق في قطاع غزة، ولم يقتصر تأثيرها على ارتفاع أسعار السلع ونقصها، بل امتد إلى تغيير قيمة المواد وطريقة تعامل الناس معها.

وينوّه إلى أن أشياء كان الغزيون يتخلصون منها أو يستبدلونها بأخرى جديدة أصبحت تُجمع وتُفرز وتُستخدم مجددًا، في ظل صعوبة الحصول على البدائل وارتفاع تكلفتها.

ويلفت إلى أن هذه الأنشطة تعكس تغيرًا في سلوك المستهلكين والعاملين على حد سواء؛ فبدلًا من شراء منتجات جديدة، يتجه السكان إلى إصلاح ما يمتلكونه وإطالة عمر استخدامه، فيما يبحث أصحاب المهن عن مواد مستعملة يمكن توظيفها في أعمال الصيانة والتصنيع، أو جمعها وبيعها لتوفير مصدر دخل.

محاولة التكيف

ويبيّن أبو قمر أن هذه التحولات ترتبط بأزمة الإمدادات وتراجع القدرة الشرائية، إذ ارتفعت الأسعار في سبتمبر/أيلول 2026 بنحو 207% مقارنة بمستويات ما قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما انخفض إجمالي الاستهلاك في غزة بنسبة 81% خلال عام 2025 مقارنة بعام 2023، وفق البيانات الواردة في مادته.

ويضيف أن العاملين يواجهون صعوبة مزدوجة؛ فهم بحاجة إلى توفير المواد التي تمكّنهم من مواصلة أعمالهم، وفي الوقت نفسه يبحثون عن زبائن قادرين على دفع ثمن المنتجات والخدمات. لذلك، فإن اللجوء إلى المواد المستعملة لا يعني تحسن الأوضاع الاقتصادية، بقدر ما يعكس محاولة التكيف مع نقص الخيارات وارتفاع تكاليف الإنتاج والمعيشة.

ووفق التقييم الأممي النهائي للأضرار والاحتياجات الصادر في أبريل/نيسان 2026، تجاوز حجم الركام 68 مليون طن، فيما تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن نحو 80 إلى 90% منه يتكون من مواد بناء خاملة، تشمل الخرسانة والطوب والحجارة والبلاط، يمكن استعادة جزء منها وإعادة استخدامها بعد الفحص والمعالجة المناسبين.

وفي هذا السياق، أفاد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في يناير/كانون الثاني 2026، بأن عملياته في خمسة مواقع لتكسير الركام كانت تعالج نحو 1500 طن يوميًا، لاستخدام المواد الناتجة في تسوية الطرق ومواقع الإيواء وتحسين الوصول إلى المرافق الحيوية.

وتوضح هذه المعطيات أن الاستفادة من مخلفات الحرب لا تقتصر على المبادرات الفردية التي يلجأ إليها الغزيون لتأمين دخل يومي، بل تشمل أيضًا جهودًا لمعالجة الركام واستخدام بعض مواده في أعمال التأهيل.

ويلفت أبو قمر إلى أن معالجة الركام على نطاق واسع تحتاج إلى معدات وفحوص فنية وإجراءات سلامة، بينما يعتمد الأفراد الذين يجمعون الحجارة أو الأخشاب والأسلاك المستعملة على ما يتوفر لديهم من أدوات وإمكانات محدودة.

ويشير أبو قمر إلى أن هذه الممارسات، على أهميتها بالنسبة إلى من يعتمدون عليها في كسب رزقهم، لا تعوّض خسائر المنشآت والقطاعات الإنتاجية، ولا تعني أن الاقتصاد بدأ التعافي.

فاستمرارها بإمكانات محدودة يظل مرتبطًا بقدرة العاملين على الحصول على المواد والأدوات ووجود زبائن يستطيعون شراء منتجاتهم، فيما تتطلب استعادة النشاط الاقتصادي توفير مستلزمات الإنتاج، وتوسيع فرص العمل، وإعادة تشغيل المنشآت التي فقدها أصحابها خلال الحرب.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر