بقلم الأسير: عبد الناصر عيسى
لا ينبع التخبط والتناقض الاسرائيلي الظاهر تجاه غزة من قضية استخدام استراتيجية المعاناة الانسانية القاسية كبديل مرحلي على الاقل لاستراتيجية المواجهة العسكرية الواسعة بصيغة ( المعركة بين الحروب -مبم ) ،ولا عن الاهداف المرحلية الخاصة لهذه الاستراتيجية ، والتى تقضي باستخدام السكان المدنيين في غزة كأداة للضغط على قيادة المقاومة للتنازل ، انما ينبع من أمرين أحدهما تكتيكي والاخر استراتيجي ، أما الاول- فيتعلق بمدى ودرجة هذه المعاناة الانسانية ، والثاني - يتعلق بعدم وجود اهداف سياسية اسرائيلية عامة متوسطة وبعيدة المدى تجاه غزة .
لقد تكررت تحذيرات المستوى الامني - العسكري من تدهور الاوضاع الاقتصادية والانسانية في قطاع غزة بسبب الحصار المفروض عليه منذ سنوات ، والتى كان أحدثها و قد يكون آخرها ما نقلته صحيفة هآرتس 15-1 بأن غزة على شفا انهيار اقتصادي ومدني كامل ، لذلك ومن اجل استمرار استخدام استراتيجية المعاناة الانسانية بفعالية ونجاعة ، وعدم الانتقال قسرا لاستراتيجية المواجهة العسكرية الواسعة فلا بد من المناورة و التخفيف من هذه المعاناة -مرحليا على الاقل- باتخاذ خطوات ملائمة كالسماح للعمال بالعمل و السماح بدخول أوسع للبضائع وغيرها .
في مقابل هذا الموقف فإن المستوى السياسي المباشر والمتمثل بوزير الدفاع الاسرائيلي افيغدور ليبرمان ما زال يرفض رأي المستوى المهني ويعتقد أن بالامكان استخدام المزيد من الضغط لتعميق المعاناة الانسانية دون ان يؤدي ذلك الى انهيار المنظومات المدنية والاقتصادية بالكامل في القطاع ، مما يعني وعلى الارجح الدخول في مواجهة عسكرية كبيرة ، ولكن من المرجح ان يغير ليبرمان موقفه في الفترة القريبة القادمة تحت ضغط وقوة نفوذ المستوى المهني العسكري ، ولكن بعد ان يكون قد حقق هدفه المقصود سلفا وهو الظهور بمظهر ( الصقر الذي لا يساوم ) وارضاء جمهوره المتطرف والمعادي للعرب .
يمكن القول ان هذا التضارب في المواقف ما بين مستوى سياسي يسعى لكسب المزيد من اصوات الناخبين من خلال الركوب على (نمر التشدد والتصعيد) ضد غزة ،وبين مستوى مهني يركز على تحقيق مصالح الامن القومي الاسرائيلي فقط ،ينبع ايضا واضافة الى ما ذكر اعلاه من عدم تمكن او رغبة المستوى السياسي في اسرائيل وحتى هذا اليوم من تقديم اهداف سياسية واستراتيجية اسرائيلية عامة للمستوى المتوسط والبعيد في قضية التعامل مع غزة .
لم يقم المستوى السياسي بوظيفته او بالاستجابة لطلب الجيش والاجهزة الامنية بضرورة تحديد الموقف من غزة ، او بمعنى اخر لماذا يتم استخدام استراتيجية المعاناة الانسانية واستراتيجية "مبم "؟ هل من اجل اسقاط حكم حماس واستبداله بآخر أياً كان ؟ وهل يمكن ذلك اصلا دون خيار الاحتلال العسكري الشامل والمكلف جدا لاسرائيل ؟ ام من اجل هدف آخر وهو إضعاف هذا الحكم لدرجة تمكن اسرائيل من فرض معادلاتها ومصالحها الخاصة ، أم من إجل إخضاع حكم حماس ؟ ان من البديهي أن لكل هدف سياسي استراتيجيات وخطط عمل مختلفة ، وقد تكون متضاربة أحيانا .
في مقابل هذا فان ما يجري على ارض الواقع هو استبعاد هدف إخضاع أو اسقاط حكم حماس ، لتكلفته الباهظة والتى لا تستطيع اسرائيل تحملها مقابل ما ستحققه من مصالح وأهداف ، ويبقى الامر مترددا بين اعلانات السياسيين الاسرائيليين الرنانة بضرورة إخضاع او اسقاط حماس ، مما يتطلب زيادة المعاناة لدرجة (السماح لحماس بإبقاء رأسها فقط فوق الماء) على حد تعبير ليبرمان وبين مواقف الجيش الاكثر واقعية بضرورة المناورة بين الاستراتيجيات لإضعاف حماس من خلال منع تعاظمها العسكري ، دون ان يمس ذلك بقدرتها على فرض الامن و النظام في غزة ، ودفعها للاهتمام بالجوانب المدنية للسكان ، أي تحويلها من حركة مقاومة تتمتع بكافة الخيارات ومنها الخيار العسكري الى سلطة مدنية محدودة الخيارات ، ومتعلقة تماما بالموقف الاسرائيلي .
وهكذا يستمر التضارب والارتباك الاسرائيلي : تدمر الطائرات الحربية الاسرائيلية غزة ثم يؤكد المستوى العسكري والسياسي عدم رغبته بالتصعيد الواسع ، تستمر اسرائيل في خنقها وحصارها لسكان غزة ثم تعرب عن قلقها من سوء أحوالهم الانسانية ، تسعى بكل جهدها لإضعاف حماس ومن ثم تطالبها بتحمل المسؤولية وضبط أمور غزة ، ومن المرجح ان يبقى الامر كذلك حتى لحظة الانفجار المفاجىء للجميع ، وحيث لن تخسر غزة شيئا ، وستقع اسرائيل مما كانت منه تحاذر ، وذلك نتيجة لسياساتها المتناقضة أو ان تتم المبادرة لتخفيف حصار غزة .
