مع بداية معركة "طوفان الأقصى" تصاعد الأداء المتميز للمقاومة في الضفة الغربية المحتلة الذي يزدهر ويتطور منذ عامين، متحدًا ومتجاوزًا للمنظومات الأمنية الإسرائيلية، والتنسيق الأمني مع أجهزة أمن السلطة، ليُسجّل صفحات جديدة من بطولات أربكت حسابات الاحتلال وزادت من الضغط السياسي والعسكري على حكومة الكيان.
لتصنع المقاومة في الضفة الغربية تناغم رائع وملحوظ مع مثيلاتها في قطاع غزة، التي تضرب الاحتلال في كل زقاق وشارع وحي ومدينة، وبذلك تضرب رأس الاحتلال الإسرائيلي وجيشه الذي يعاني على كل الجبهات والساحات، ليدل على فشل متكامل له في كل الأماكن، حيق يسعى بكل ما أوتي من قوة لـ "تحييد" الضفة ومقاومتها.
وتعد كمائن المقاومة في الضفة الغربية استنساخا لكمائن المقاومة في غزة، ولكن يمكن وصفه بالاستثنائي بكل تفاصيله بعد توغل الآليات الإسرائيلية في المنطقة أكثر من مرة، وتجريف البنية التحتية للمدن ومخيماتها.
ومع بزوغ فجر أول أمس الاثنين صفع جيش الاحتلال بانفجار مدرعة "نمر" ومقتل جندي وإصابة آخرين في كمين أعدّته المقاومة في مخيم نور شمس بمدينة طولكرم، بعد أيام من كمين محكم أسفر عن مقتل ضابط وإصابة 16 جنديا إسرائيليا في جنين، في تطور ملحوظ من قدرة المقاومة على تحسين تكتيكاتها وقدرتها على المواجهة.
ومنذ 7 أكتوبر الماضي، نفذ المقاومون آلاف العمليات الفدائية، التي شهدت تصاعدا إضافيا في الأسابيع الأخيرة، فقد شهد شهر مايو (438) عملاً مقاوماً نوعيا وشعبيا، ما أدى إلى مقتل (3) وإصابة (7) جنود ومستوطن إسرائيلي بجراح مختلفة، وفق مركز معلومات فلسطين – معطى.
تطور نوعي
أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية، رائد نعيرات، قال إن المتابع للأحداث في الضفة الغربية يشاهد التطور النوعي للمقاومة، في ما يتعلق بطبيعة الاشتباك مع قوات الاحتلال وعدم قدرة الجيش على استهدافهم.
وأضاف نعيرات، أن المقاومة بالضفة الغربية طورت من سلاحها النوعي المتعلق بطبيعة المتفجرات كما حدث في كمائن جنين وطولكرم كأننا نشاهد التصوير في قطاع غزة، مشيرا إلى أن المقاومة بالضفة الغربية لا تمتلك الإمكانيات والقدرات القوية إلا أنها استطاعت إيلام الاحتلال.
وأشار إلى أن التطور النوعي للمقاومة بالضفة يشئ بأن المستقبل في سياق هذا التطور سيكون أشبه بقطاع غزة، وهذا ما تداوله الاعلام العبري.
ولفت أستاذ العلوم السياسية إلى أن سياسة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المتمثلة بالاعتقالات والاقتحامات اليومية بالضفة الغربية تأتي في سياق إرضاء اليمين المتطرف في الكيان والذي يمثله الوزرين في الحكومة إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
وأكد نعيرات على أن تصعيد نتنياهو في الضفة الغربية أيضا يأتي في سياق إلهاء الجمهور والشارع الإسرائيلي بأحداث خارج الإخفاقات التي يمنى بها الجيش بالحرب على قطاع غزة.
وشدد على أن رئيس حكومة الاحتلال يذهب إلى المجهول بإجماع أغلب القادة الإسرائيليين بأن نتنياهو يقضي على الحلم الصهيوني لبقائه في السلطة ومصالحة الشخصية وبقائه السياسي.
توأمة بالمقاومة
ومن جانبه، قال أستاذ العلاقات الدولية الدكتور علي أبو رزق، إن: "جنين توأم غزة، وشقيقتها الوفية، في اليوم الذي تتعب فيه جنين تنتصر لها غزة، وفي اليوم الذي تئنُّ فيه غزة ترى جنين وحدها التي تداوي لها جراحاتها".
وأضاف: "في اليوم الذي غاب عاجل "حدث أمني صعب" عن صفحات غزة الإخبارية، أتت به جنين وألقته كقميص يوسف على وجوه الغزيين فارتدت لهم أرواحهم، عاشت جنين ولا نامت أعين شانئيها!".
ومن جهته، قال القيادي في حركة حماس عبد الحكيم حنيني، إن "كل محاولات الاحتلال لاجتثاث المقاومة بالضفة، هي محاولات يائسة لن تمحو العار من جبينه ولن تجلب له الأمن، بل ستكون كابوسا يلاحقه، وسيلقى ردا يؤلمه مع كل توغل وإجرام".
وأضاف أن "تأكيد على مضي الشعب الفلسطيني بخيار المقاومة والتصدي للاحتلال"، الذي لا تراجع عنه مهما كانت التضحيات.
"تضرب رأس الاحتلال".
كما كشفت قناة كان العبرية، أن تهديد العبوات الناسفة في الضفة الغربية يتزايد يومًا بعد الآخر، خاصةً بعد مقتل عدد من الجنود في انفجار ألغام وعبوات ناسفة محلية الصنع.
وقالت القناة العبرية، "في كل مرة يدخل فيها جيش الاحتلال إلى مخيمات طولكرم أو جنين، يقوم المقاومون بتفجير عبوات ناسفة قوية على الجنود".
وأضافت، " رغم أن آليات الهندسة التي يستخدمها الجيش تشق الطرق، لكن مستوى تطور المسلحين مستمر في الارتفاع".
وأوضحت القناة العبرية، أن جيش الاحتلال يستعين بجرافات مصفحة كD9 لتجريف الشوارع قبل اقتحام الآليات الأخرى، وذلك حتى تنفجر هذه العبوات بالجرافات، ولكن هذا لا يكفي أحياناً فالمقاومين يستخدمون طرقاً أكثر تطوراً لزرع العبوات مما يسبب صعوبة باكتشافها وتفجيرها قبل وصول الآليات التي تحمل الجنود.
وأشارت صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية، إلى أن قيادة المنطقة الوسطى وفرقة الضفة الغربية بالجيش "يضربون رؤوسهم بالحائط" بحثًا عن حلول لتهديد العبوات الناسفة في مخيمات الضفة الغربية، بعد أن أدى هذا التحدي لمقتل جنديين في فارق أيام معدودة في مخيمي جنين ونور شمس.
كابوس العبوات
كما أكدت الكاتبة والناشطة السياسية لمى خاطر، أن التطور النوعي الذي تشهده المقاومة في شمال الضفة يشي بأنها باتت تقف على أرض صلبة، وأنها تمكنت من تجاوز كل محاولات الاستئصال.
وأضافت خاطر، في تصريح صحفي، أن هذا التطور (لا سيما على صعيد العبوات) يأتي بعد استنزاف كبير لمقدراتها ولعناصرها البشرية، وفي ظل هجمة واسعة عليها من الاحتلال وأجهزة السلطة.
وأشارت خاطر، أنه بات من الواضح أن هناك من عناصر المقاومة تدرك أهمية تطور أدواتها وتجاوز الأنماط التقليدية وإجراءات الاحتلال الذي بات يقتحم مناطق الضفة بالآليات المصفحة، التي لا يجدي معها الرصاص كما يتعمد قصف المقاومين من الجو في حال خرجوا للمواجهة المباشرة.
وشددت خاطر، على أن سلاح العبوات سيغدو مع الوقت كابوساً يواجه جيش الاحتلال في الضفة، ومعه مخابرات الاحتلال التي ستحتاج لمجهود كبير حتى تفكك لغز هذه الآلية أو تحديد من يقف خلفها، كون التفجير يتم عن بعد، وتستخدم فيه مواد شديدة الفعالية.
وتمكنت المقاومة في طولكرم من تدمير مركبة "بانتير" الفهد المدرعة وهي تحديث إسرائيلي لمركبة النمر الأمريكية، لتعمل في جميع التضاريس اعتماداً على هياكل شاحنات أوشكوش.
وقتل جندي إسرائيلي وأصيب ضابط يوم الاثنين، بعد تفجير المقاومة لغما أرضيا في ناقلة "بانتير" خلال اقتحام قوات الاحتلال مخيم نور شمس في طولكرم.
وفي 27 من الشهر الماضي، قتل ضابط إسرائيلي وأصيب 16 جندياً بجروح متفاوتة في انفجار عبوتين خلال اقتحام مدينة ومخيم جنين.
وخلال العامين الماضيين، بدأت حالة من التطور والتنامي في القدرات العسكرية الخاصة بالمقاومين في الضفة، رغم التحديات الأمنية الكبيرة ومداهمات الاحتلال التي لا تتوقف في كل ليلة.
