خاص _شهاب
بدافع "الملل" فقط، كانت هذه الكلمة كفيلة بقتل عدد من المواطنين الفلسطينيين الأبرياء في قطاع غزة وترك جثثهم في الشوارع، وسط غياب كامل لما تسمى ضوابط إطلاق النار في الحرب على القطاع المحاصر.
هذا ما نشره موقع "سيحا مكوميت" الإسرائيلي لشهادات لجنود الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة أدلوا فيها بتفاصيل مفزعة عن الانتهاكات المرتكبة في مناطق مختلفة من القطاع. وروى هؤلاء تفاصيل الأوامر التي أعطيت لهم والتي لم تفرق بين مدني أو غيره، وأن الجنود "مصرح لهم بفتح النار على الفلسطينيين حسب الرغبة تقريباً، بمن في ذلك المدنيون"!.
واعترف 6 جنود إسرائيليين -لم يكشف عن أسمائهم- أن الجيش أعطى أوامر بإطلاق النار دون حدود، وأنهم أطلقوا النار بشكل عشوائي، وأحرقوا المنازل، وتركوا الجثث في الشوارع، وكيف أن الجنود يقتلون المدنيين بشكل "روتيني" لمجرد أنهم دخلوا منطقة وصفها الجيش بأنها "محظورة".
حرية كاملة ودون مبرر!
وقال أحد الجنود الذي جرى تعريفه باسم "ب"، الذي قاتل مع القوات النظامية في غزة لعدة أشهر: "كانت هناك حرية عمل كاملة"، بما في ذلك في مركز قيادة كتيبته. وتابع الجندي: "إذا كان هناك (حتى) شعور بالتهديد، فلا داعي للشرح، ما عليك سوى إطلاق النار".
ويضيف الجندي: "عندما يرى الجنود شخصاً يقترب (يجوز إطلاق النار على مركز كتلته (جسده)، وليس في الهواء)"، مردفًا "يجوز إطلاق النار على الجميع، فتاة صغيرة وامرأة عجوز".
وقال يوفال غرين، وهو جندي احتياطي يبلغ من العمر 26 عاماً، وقاتل بصفته جزءاً من "لواء 55 مظليين" في نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، والجندي الوحيد الذي تمت مقابلته، والذي كان على استعداد للتعريف باسمه، إنه: "لم تكن هناك قيود على الذخيرة. كان الناس يطلقون النار فقط لتخفيف الملل".
وقال الجندي الاحتياطي "س"، الذي قاتل في شمال غزة: "الناس يريدون تجربة الحدث (بالكامل). أنا شخصياً أطلقت بضع رصاصات دون سبب، في البحر أو على الرصيف أو في مبنى مهجور. لقد أبلغوا عن الأمر على أنه (نار عادية)، وهو الاسم الرمزي لعبارة (أشعر بالملل، لذا أطلق النار)".
وقال "م" وهو جندي احتياطي قاتل في قطاع غزة، إنه عندما لا تكون هناك قوات إسرائيلية أخرى في المنطقة، فإن "إطلاق النار غير مقيد للغاية، مثل الجنون. وليس فقط الأسلحة الصغيرة: المدافع الرشاشة والدبابات ومدافع الهاون".
وأكد الجندي "أ": "كانت الروح السائدة في غرفة العمليات هي: أطلقوا النار أولاً، واطرحوا الأسئلة لاحقاً. كان هذا هو الإجماع... لن يذرف أحد دمعة إذا قمنا بتسوية منزل بالأرض عندما لا تكون هناك حاجة لذلك، أو إذا أطلقنا النار على شخص ما".
إخفاء الجثث
وأكدت الشهادات التي أوردها الموقع الإسرائيلي أن جثث المدنيين تركت على طول الطرق، والأرض المكشوفة، لتتحلل أو تأكلها الحيوانات الضالة، مشيرة إلى أن الجنود في جيش الاحتلال يخفونها فقط قبل وصول قوافل المساعدات الدولية.
وقال الجندي الاحتياطي "س": "كانت المنطقة بأكملها مليئة بالجثث. هناك أيضاً كلاب وأبقار وخيول نجت من القصف، وليس لديها مكان تذهب إليه. لا يمكننا إطعامها، ولا نريدها أن تقترب كثيراً أيضاً؛ لذلك، أحياناً ترى كلاباً تتجول بأجزاء متعفنة من جسدها. هناك رائحة موت مروعة"، وقال الجندي: "إنه قبل وصول القوافل الإنسانية، تجري إزالة الجثث".
وتابع الجندي "س": "تنزل جرافة من طراز (دي -9)، ومعها دبابة، وتقوم بتطهير المنطقة من الجثث، وتدفنها تحت الأنقاض، وتقلبها جانباً حتى لا تراها القوافل"، مشيراً إلى أن "هناك وفيات أكثر مما يجري الإبلاغ عنه".
وأردف الجندي: "كنا في منطقة صغيرة. كل يوم، يُقتل ما لا يقل عن واحد أو اثنين من (المدنيين) لأنهم كانوا يسيرون في منطقة محظورة. لا أعرف من هو إرهابي ومن ليس كذلك، لكن معظمهم لم يحملوا أسلحة".
ووفق التقرير، فمن بين 324 جندياً إسرائيلياً قتلوا في غزة، قُتل 28 جندياً على الأقل بنيران صديقة، وأفادت الشهادات بأن إطلاق النار غير المحدود كان مسؤولاً جزئياً عن العدد الكبير من الجنود الإسرائيليين الذين قتلوا بنيران صديقة في الأشهر الأخيرة.
اللامبالاة بمصير أسراهم
وشهد الجندي غرين بأن قواعد الاشتباك أظهرت "لامبالاة عميقة" بمصير الأسرى الإسرائيليين المحتجزين في غزة. ووفق الشهادات، فإن قواعد إطلاق النار لم تتغير حتى بعد أن قتل جنود إسرائيليون في الشجاعية 3 أسرى كانوا يلوحون بأعلام بيضاء في ديسمبر (كانون الأول)، معتقدين أنهم فلسطينيون.
ويتذكر الجندي "ب": "بالنسبة للرهائن، لم تكن لدينا توجيهات محددة".
قال غرين: "لقد سمعت تصريحات (من جنود آخرين) مفادها أن الرهائن ماتوا، وليس أمامهم أي فرصة، ويجب التخلي عنهم"، مضيفاً: "(هذا) أزعجني أكثر... إنهم ظلوا يقولون (نحن هنا من أجل الرهائن)، ولكن من الواضح أن الحرب تلحق الضرر بالرهائن. كانت هذه فكرتي حينها؛ واليوم تبين أن هذا صحيح".
كما أظهر التقرير أن هناك سياسة ممنهجة لإحراق منازل الفلسطينيين بعد احتلالها، وعندما احتل الجنود المنازل، شهد جرين أن السياسة كانت "إذا تحركت، عليك أن تحرق المنزل".
هل يتحرك العالم؟
ومن جانبه، قال رئيس مؤسسة شمس لحقوق الانسان عمر رحال، إن اعترافات جنود الاحتلال الخطيرة بارتكاب جرائم في قطاع غزة، والتي نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، تأكيد على ارتكاب قوات الاحتلال جرائم حرب في قطاع غزة.
وقال رحال في تصريح خاص لوكالة "شهاب" للأنباء، إن اعترافات جنود الاحتلال تؤكد ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية وهي عمل معيب ومشين ويندى له جبين الإنسانية، وهذا يتطلب أن يكون هناك موقف دولي اتجاه ما يجري من جرائم في قطاع غزة.
وأضاف رحال إذا كان الأمر على هذا النحو فهذا يعني أن هناك قرار من أعلى المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية بارتكاب مزيد من الجرائم، وإيقاع المزيد من الضحايا في صفوف أبناء شعبنا.
وأشار إلى أن هذه الجرائم تؤكد عدم احترام الاحتلال لقواعد الحرب البرية وقواعد لاهاي التي تنظم الحرب البرية لعام 1907، كما أنها تعد انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف، لا سيما الاتفاقية الرابعة التي تتحدث عن حماية المدنيين تحت الاحتلال.
وقال إن هذه الاعترافات من الممكن أن تكون شهادات حية ومشفوعة وشهادات ادانة في الأمم المتحدة والمحاكم الدولية.
وعلى صعيد الجهود الحقوقية الفلسطينية في ملاحقة الاحتلال، أوضح رحال أن هذه الجهود تصطدم بموقف مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية الذي يرفض فتح تحقيقات جدية في جرائم الحرب التي تجري في قطاع غزة.
وتابع، للأسف هذه الجهود التي تبذلها المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والدولية لم يرى لها أي نتيجة لأن جذر الموضوع سياسي، وطالما أن هناك غطاء من الولايات المتحدة وضغوط من بريطانيا على كريم خان لن يكون هناك في قادم الأيام أي نتيجة على مستوى الجنائية الدولية.
وأعرب رحال عن أسفه من أن الجهود الرسمية في ملاحقة الاحتلال قضائيًا، لا زالت تراوح مكانها، مطالبًا بأن يكون حضور أكبر وأكثر وقوة.
وصمة عار
ومن جهتها، علقت حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، على اعترافات جنود الاحتلال حول سلوكهم الوحشي في غزة، مؤكدةً على أن ذلك يتطلب متابعة عاجلة وجدية من محكمة الجنايات الدولية.
وأوضحت أنّ اعترافات جنود الاحتلال التي نُشِرَت حول سلوكهم الوحشي في قطاع غزة، وما أكّدوه من منحهم ضوءًا أخضرَ من قادة جيش الاحتلال الإرهابي، لممارسة أبشع الجرائم من إطلاقٍ للنار على المدنيين العزّل وحرقٍ وتدميرٍ للمنازل، وذلك على سبيل التسلية وملء الفراغ؛ هو اعتراف رسمي وموثّق بارتكاب جرائم حرب ممنهجة في القطاع، يتطلّب متابعة جادّة من الادعاء العام في محكمة الجنايات الدولية.
وأكدت أن هذه الممارسات الإجرامية التي تجعل من المدنيين العزّل من أطفال ونساء وشيوخ، أهدافاً للتسلية؛ هي وصمة عار على جبين الإنسانية، والمجتمع الدولي الذي لا يزال عاجزاً عن تفعيل آليات الردع والعقاب ضد حكومة الاحتلال الفاشية المنفلتة من كل عقال، والتي انتهكت خلال تسعة أشهر من العدوان، كل القوانين والمعاهدات الدولية، ضمن حرب الإبادة الشاملة التي تشنها على شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة.
