خاص - شهاب
مع دخول معركة "طوفان الأقصى" التي بدأت فجر 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي شهرها العاشر على التوالي، ظهر الاحتلال الإسرائيلي على عدة أصعدة وعدة جبهات، في مشهد بالغ التعقيد جعله أكثر عريا أمام العالم وأظهر دمويته وإجرامه دون قناع.
ويرى مراقبون أن الأشهر التسعة الماضية تمخضت عن مشهد إسرائيلي قاتم سياسيًا مع تناحر الأحزاب والأوساط اليهودية، وعسكريًا حيث حدة الخلافات داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية التي ظهرت على السطح لأول مرة، واقتصاديًا بعد سلسلة الانكسارات على المنحى الاقتصادي لما يسمى بـ"الدولة".
كما انهارت "سردية الدولة" النموذج في المنطقة، فخلال الشهور الماضية انكشف الوهن الإسرائيلي في كل مناحي الدولة عسكريا وسياسيا ومجتمعيا، وانهارت صورة البلد الذي يشع ديمقراطية في محيط مستبد، وظهر بشكل أكبر الطابع الدموي الذي لا يوقفه حد، ويتجاوز في بطشه بالمدنيين في غزة كل أعراف وقوانين الدنيا.
وظهرت أيضا وبشكل لا لبس فيه حاجة "إسرائيل" إلى العون الخارجي، وتحديدا إلى العون الأميركي في كل شيء تقريبا، اقتصادا وسياسة وأمنا وحربا.
وأهم هذه الإخفاقات حسب مراقبون، عجز حكومة الاحتلال عن تحقيق أهداف الحرب، فما زال اللهب القسامي والمقاوم عموما يقتنص كل يوم عددا من جنود الاحتلال، وما زال أبطال القسام يواصلون التعهد بإفشال أهداف الحرب مهما جلبت "إسرائيل" من خيلها ورجلها ومهما أوغلت في استباحة الدم الغزي المسفوك في كل أرجاء القطاع المحاصر والمدمر، ويبدو جليا أن تحقيق أهداف الحرب يبتعد مع كل يوم جديد.
والأهم من ذلك الخسائر البشرية الكبيرة جدا في صفوف جيش الاحتلال، ورغم التشكيك الكبير في المعطيات والأرقام التي يقدمها فإن الأرقام الرسمية التي تسمح الرقابة العسكرية الإسرائيلية بنشرها تفيد بمقتل نحو 700 جندي وضابط، بينهم 306 في المعارك البرية، بالإضافة إلى آلاف الجرحى.
وأجمع المراقبون على أن خسائر جيش الاحتلال لا تقتصر على آلاف القتلى والجرحى وكميات العتاد التي خسرها، بل تطال أهم ما لديه، وهي صورته وسمعته باعتباره "الجيش الذي لا يقهر"، حيث يجمع الكثيرون في الكيان على أن تلك الصورة باتت من الماضي، وأن صورة الردع حلت مكانها صورة الهزيمة والانكسار.
وبحسب مراقبون، فإن الانضمام إلى الجيش لم يعد مغريا وجاذبا لفئات كثيرة من الإسرائيليين، بل خلافا لذلك بات الهروب منه هو السمة البارزة في المشهد، ووصل الأمر إلى درجة أن مئات الضباط والجنود طلبوا التسريح من الخدمة العسكرية، كما رفضت مئات المجندات مواصلة الخدمة في الجيش وانتحر عدد آخر من الجنود.
وفي مارس/آذار الماضي قالت صحيفة يديعوت أحرونوت إن استطلاعا داخليا في الجيش أظهر أن 42% فقط من الضباط في الخدمة العسكرية الدائمة يريدون الاستمرار في الخدمة بعد انتهاء الحرب على غزة.
ونتيجة ذلك ووفقا لتقديرات في هيئة أركان جيش الاحتلال نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية تتحدث عن حاجة الجيش الآن لتجنيد نحو 20 ألفا للقيام بمهامه الاعتيادية، وهو ما يمثل قوام فرقة كاملة.
كما ذكرت المعطيات الإسرائيلية، بارتفاع اعداد المعاقين والمصابين بأزمات نفسية في جيش الاحتلال، فوفقا للأرقام الرسمية فإن نحو 8700 انضموا إلى قوائم المعوقين في الجيش، في حين تتوقع وزارة الحرب الإسرائيلية أن ينضم 20 ألفا إلى قوائم المعوقين بحلول نهاية العام الجاري، كما تلقى نحو 10 آلاف جندي علاجا نفسيا منذ اندلاع الحرب، وربع هؤلاء لم يتمكنوا من العودة إلى القتال وفقا لوسائل إعلام عبرية.
وبالإضافة إلى ذلك، كشفت صحيفة هآرتس مؤخرا عن انتحار 10 ضباط وجنود بسبب ما عانوه من أهوال في غزة. وفي منتصف مارس/آذار الماضي أقر جيش الاحتلال بأنه يواجه المشكلة الكبرى في الصحة النفسية منذ عام 1973، وذلك على خلفية الحرب التي تخوضها فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة مع جيش الاحتلال منذ طوفان الأقصى.
ومن ضمن الإخفاقات التي وقع بها جيش الاحتلال خلال الطوفان، رفض قادة في الجيش الرواية الرسمية بتحقيق انتصارات في غزة وتفكيك المقاومة، حيث يقول القائد المسؤول عن تدريب قوات الاحتياط العقيد حيزي نحميا إن المناورات العسكرية في غزة لن تحقق النصر وإن هيئة الأركان تبدو منفصلة عن ميدان المعركة.
أما اللواء احتياط في الجيش إسحاق بريك فيذهب إلى القول إن الجيش لا يملك القدرة على إسقاط حماس حتى لو طال أمد الحرب، مشككًا في جدوى استمرار القتال في قطاع غزة، قائلا إن "إسرائيل في حال استمرارها في الحرب ستتكبد خسائر جسيمة تتمثل في انهيار جيش الاحتياط الإسرائيلي خلال فترة وجيزة كما تشمل انهيار الاقتصاد، فضلا عن تدهور علاقاتها الدولية وتمزق مجتمعها من الداخل".
كما شكلت أزمة الحريديم ورفضهم التجنيد في الجيش وتفضيلهم الموت على الالتحاق بالجيش تحول دون تجنيد أكثر من 66 ألفا منهم يتهربون من الخدمة العسكرية، وتنشر الإحباط بين الجنود الفعليين، وتؤسس لحالة غير طبيعية في مجتمع يفترض أن يسود فيه التساوي بين الجميع.
وإلى جانب ذلك تم إخلاء 25 مستوطنة في غلاف غزة ونزوح أكثر من 200 ألف مستوطن، بالإضافة إلى نحو 100 ألف آخرين نزحوا من البلدات الحدودية مع لبنان في الجليل الأعلى بسبب القصف المتبادل بين جيش الاحتلال وحزب الله، وتسببت الحرب في المجمل بإجلاء ما يقارب 250 ألف مستوطن إسرائيلي من منازلهم من الجنوب والشمال.
الخسائر الاقتصادية فادحة، حيث أظهرت معطيات بنك "إسرائيل" ووزارة مالية الاحتلال أن تكلفة الحرب منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي حتى نهاية مارس/آذار 2024 بلغت أكثر من 270 مليار شيكل (73 مليار دولار).
وبحسب بيانات وزارة الحرب، فإن تكلفة الحرب اليومية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول حتى نهاية ديسمبر/كانون الأول 2023 بلغت مليار شيكل يوميا (270 مليون دولار)، قبل أن تنخفض خلال العام 2024 لتصل إلى 350 مليون شيكل (94 مليون دولار).
ونتيجة لذلك تصاعدت التحذيرات من أن الحرب في غزة توشك أن تطوي عصرا من الازدهار والرفاه الاقتصادي المتواصل في "إسرائيل".
واعتبرت صحيفة إيكونوميست البريطانية أن دولة الرفاه في "إسرائيل" تلقت ضربة قوية بسبب استمرارها بالعدوان على قطاع غزة بعد أن انكمش الاقتصاد وارتفعت الأسعار وزادت أعداد العاطلين عن العمل، وتزايد التحذيرات من تكلفة الحرب التي تشنها على قطاع غزة.
وعلى الصعيد السياسي، تفاقمت الأزمة السياسية داخل الكيان الإسرائيلي، وتصاعد التوتر المجتمعي، وتعمق الشروخ داخل الكيان، إلى درجة بات معها استمرار الدولة محل تساؤل لدى كثيرين داخل الكيان في ظل التناقضات الداخلية الجمة وما تفرزه من أزمات مجتمعية وسياسية متصاعدة.
تزايد العزلة العالمية، حيث أصبحت "إسرائيل" من الدول المارقة على القانون وفق قرارات محكمة العدل الدولية، كما أن صوت الرفض تجاه تل آبيب بات يعلو في كل منصة دولية، وكل منتدى شعبي في العالم.
تآكلت صورة "إسرائيل" لدى الغرب الذي أصبح اليوم -أو على الأقل دوائر متعددة فيه- أكثر قناعة بأنه محتل غاشم وعدو دموي للحياة، وبذلك يضج ملايين المواطنين الغربيين بأكثر من لسان وأكثر من فعالية.
