شهاب - تقرير
بعد حياة حافلة بالعطاء لأجل فلسطين يرتقي القيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس" الشيخ مصطفى أبو عرة، شهيدًا بعد أن اغتالته أيدي الغدر الإسرائيلية في سجن "ريمون"، جراء مضاعفات التعذيب والإهانة المستمرة التي تعرض لها منذ اعتقاله قبل أكثر من 9 أشهر إداريا.
الشيخ أبو عرة تعرّض لعملية قتل بطيء ارتكبت بحقّه منذ لحظة اعتقاله وحرمانه من العلاج، تندرج في إطار حرب الإبادة المستمرة، وفي إطار عمليات القتل الممنهجة التي ينفذها الاحتلال بقرار سياسي، وبتحريض علني من الوزير المتطرف "ايتمار بن غفير"، الذي طالب بقتل الأسرى بإطلاق النار على رؤوسهم لحل مشكلة الاكتظاظ في السجون.
القيادي أبو عرة يحمل سجلاً وطنياً ودعوياً واجتماعياً حافلاً على مدار سنين عمره التي قضاها جهداً وتضحيةً وعطاء؛ وتعرض فيها للملاحقة والإبعاد إلى مرج الزهور والاعتقال من قبل الاحتلال لمرات عديدة بلغت أكثر من 12 عاماً.
وكانت عائلة الشيخ مصطفى أبو عرة أطلقت قبل أيام "مناشدة عاجلة" إلى الهيئات القانونية والحقوقية والصحية الخاصة بالأسرى الفلسطينيين وبحقوق الإنسان كافة، لمعرفة وضعه الصحي في سجون الاحتلال بعد وصول أخبار عن تدهور وضعه الصحي ونقله لمستشفى سجن الرملة بحالة صحية خطرة منذ قرابة أسبوع.
وقالت العائلة إن الشيخ مصطفى كان مقررًا له جولة علاجية لأمراض في الدم والجلد، قبيل اعتقاله، إضافة إلى ما يعانيه من أمراض مزمنة في القلب والغضروف وتضخم في الطحال، وأنّ حالته الصحية لا تحتمل المضايقات والإجراءات التعسفية للاحتلال بحق الأسرى. وقبل اعتقاله كان يعاني أبو عرة من مشاكل صحية صعبة، وكان بحاجة إلى متابعة صحية حثيثة.
ومنذ لحظة اعتقاله، واجه الشيخ أبو عرة كما الأسرى كافة، جرائم وإجراءات غير مسبوقة بمستواها منذ بدء حرب الإبادة، وأبرزها جرائم التّعذيب، والتّجويع، إضافة إلى الجرائم الطبيّة التي شكلت الأسباب المركزية لاستشهاد أسرى ومعتقلين في سجون ومعسكرات الاحتلال.
نشأة القائد
ولد الشيخ مصطفى محمد سعيد أبو عرة في إبريل/ نيسان 1961 في بلدة عقابا بمحافظة جنين، وهو متزوج ولديه ستة أولاد وبنتان.
درس المرحلة الأساسية في مدرسة عقابا، والثانوية في مدرسة طوباس الثانوية، حيث حصل منها على الثانوية العامة في الفرع العلمي عام 1981، ونال درجة البكالوريوس في أصول الدين والدعوة من الجامعة الأردنية عام 1984.
عمل الشيخ الشهيد إمامًا وخطيبًا وواعظاً عديد من السنوات (1982-1996) في عمّان وجنين والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48، كما عمل في تجارة الملابس بين عامي (1988-1991)، ومديرًا لمكتب زكاة جنين لعدة أشهر، وعمل بعدها مدرسًا للتربية الإسلامية في وزارة التربية والتعليم، كما عمل مأذونًا شرعيًا بين عامي (1999-2018).
انتمى أبو عرة مبكراً لجماعة الإخوان المسلمين أثناء دراسته الجامعية، وشارك في نشاطاتها الطلابية التوعوية والدعوية. وبعد عودته إلى فلسطين عام 1985 مارس العمل الدعوي والتربوي والاجتماعي مع الجماعة، ليغدو أحد أبرز قادة حركة حماس ومؤسسيها في بلدة عقابا ومحافظتي طوباس وجنين، مشاركاً في إعداد وتنفيذ العديد من فعالياتها هناك.
شغل الشيخ أبو عرة عضوية لجنة طوارئ شكلتها الحركة لمتابعة العمل الدعوي والحركي في المحافظة بين عامي (1996-1998)، كما انخرط في العمل المؤسساتي؛ فكان رئيسًا للجمعية العلمية الثقافية في عقابا في تسعينيات القرن الماضي، وعضوًا في جمعية البر والإحسان في جنين، ورئيسًا لمكتبها بين عامي (2000-2007)، ومديرًا لمكتب رابطة علماء فلسطين في محافظة جنين لعدة سنوات.
انتخب الأسير الشهيد رئيسًا لمجلس شورى حركة حماس في محافظة جنين لدورتين متتابعتين (1998-2007)، وانتخب عضوًا في بلدية عقابا عن قائمة الإصلاح والتغيير في انتخابات عام 2005، وأصبح رئيسًا للبلدية عام 2007.
حياة مليئة بالاعتقال
الشيخ أبو عرة عانى مبكراً من سياسات الاحتلال القمعية، إذ منعه من السفر منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، ومن دخول الأراضي المحتلة عام 1948 منذ عام 1986، واستدعته مخابرات الاحتلال عدة مرات.
اعتقل الشيخ أبو عرة لأول مرة عام 1990، ثمَّ توالت اعتقالاته، وتعرض خلالها لتحقيق قاسٍ، لتبلغ مجموعة سنوات اعتقاله 12 عاماً، عانى خلالها من التعذيب والإهمال الطبي المتعمد. وأبعدته قوات الاحتلال إلى مرج الزهور في جنوب لبنان أواخر عام 1992، واغتالت شقيقه علان (من كوادر كتائب القسام) عام 1996 بالقرب من بلدة الجلمة قضاء جنين، كما عرقلت عمله رئيسًا للبلدية.
كما عانى الشيخ أبو عرة من الاعتقال السياسي لأجهزة أمن السلطة الفلسطينية، كان آخرها في يوليو/ تموز 2023 بعد معركة “بأس جنين”، وأشار في شاهد على حيث كشف عن تعمد أمن السلطة تقييده من يده اليمنى طيلة ثلاثة أيام قضاها في المشفى إثر تدهور وضعه الصحي عديدة، وعدم فك قيوده إلا لتناول الطعام أو الصلاة.
صاحب سجل وطني حافل
من جهتها، نعت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" القيادي الأسير الشيخ مصطفى أبو عرة، ودعت "المجاهدين للانتقام لدمائه"، محملة الاحتلال مسؤولية اغتياله.
وقالت الحركة، إن القيادي أبو عرّة استشهد جراء تدهور وضعه الصحي بعد معاناته الطويلة مع المرض والإهمال الطبي المتعمد الذي تعرض له في سجون الاحتلال، في عملية اغتيال جبانة جديدة، تضاف لسجل الاحتلال الإجرامي بحق أسرانا.
وأضافت: "إن حركة حماس إذ تعزي عائلة الشهيد، لتعدُ الأسرى بالحرية القريبة والخلاص من سجون الظلم، والإهمال الطبي والمعاملة اللاإنسانية التي يتعرضون لها على مدار الساعة، والتي تضاعفت وتصاعدت في ظل قرارات الحكومية الصهيونية الحالية".
وأشارت إلى أن القيادي الشيخ أبو عرة، والذي يحمل سجلاً وطنياً ودعوياً واجتماعياً حافلاً على مدار سنين عمره التي قضاها جهداً وجهاداً وتضحيةً وعطاء؛ وتعرض فيها للملاحقة والإبعاد إلى مرج الزهور والاعتقال من قبل الاحتلال لمرات عديدة بلغت أكثر من 12 عاماً؛ ها هو اليوم يرتقي بعد عملية قتل بطيء نُفّذت بحقّه منذ لحظة اعتقاله وحرمانه من العلاج.
وأكدت أن "هذه الجريمة النكراء تندرج في إطار حرب الإبادة المستمرة، وفي إطار عمليات القتل الممنهجة التي ينفذها الاحتلال بقرار سياسي، وبتحريض علني من وزراء الحكومة النازية، والتي تنادي بقتل الأسرى والتخلص منهم".
ودعت حركة "حماس" "كل المجاهدين، والذين رباهم الشيخ الشهيد، لتصويب الرصاص والعبوات المتفجرة نحو الاحتلال جنودا ومستوطنين انتقاما لدماء الشهيد وشهداء شعبنا الأبرار".
ومنذ حرب الإبادة سُجل أعلى عدد للشهداء بين صفوف الأسرى، في تاريخ الحركة الأسيرة وباستشهاد المعتقل الشيخ أبو عرة فإنّ عدد الأسرى والمعتقلين الذين ارتقوا يرتفع إلى (19)، وهم الشهداء الذين أعلن عن هوياتهم فقط، فيما يواصل الاحتلال إخفاء هويات العشرات من معتقلي غزة الذين ارتقوا في سجون ومعسكراته، ليشكل عدد شهداء الحركة الأسيرة المعلومة هوياتهم منذ عام 1967 نحو 256 شهيدًا، إلى جانب العشرات من الشهداء من معتقلي غزة، ومن تم إعدامهم ميدانيا خلال حرب الإبادة.
