الأمل يركل في غزة: أول بطولة كرة قدم لمبتوري الأطراف بعد الحرب

خاص / شهاب

على أرضٍ أنهكتها الحرب وتكاد رائحة الركام تغلب على هواءها، يعود صوت الكرة ليرتد في شوارع غزة كأنه إعلان غير مرئي بأن الحياة ما زالت قادرة على اختراع الضوء وسط كل هذا الظلام.

في ملعب خماسي صغير بمدينة دير البلح، يتكئ عشرات الشبان والأطفال على عكاكيزهم الخفيفة، يتهيأون لركل كرة خفيفة، عنيدة، وتعرف طريقها رغم كل العثرات ، في أول بطولة لكرة القدم لمبتوري الأطراف في القطاع، حيث  لا تُقاس الخطوات بعدد الأقدام، بل بما تحمله هذه الاقدام من إرادة.

شهد ملعب نادي اتحاد دير البلح، وسط قطاع غزة، حدثًا رياضيًا استثنائيًا بإقامة أول بطولة رسمية لفرق كرة القدم البتر في القطاع، بمشاركة 50 لاعبًا فقدوا أطرافهم خلال حرب الإبادة الإسرائيلية الأخيرة أو في الحروب السابقة.

البطولة التي حملت اسم "بطولة الأمل" نظّمتها جمعية فلسطين لكرة القدم البتر بالشراكة مع مؤسسة تركية، وهي الأولى منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وشملت أربع فرق تضم لاعبين تعرّضوا للبتر في الأطراف العليا أو السفلى.

و قال رئيس الجمعية غريب أبو غليون : إن إقامة البطولة تحمل رسالة قوية للعالم بأن الشعب الفلسطيني قادر على النهوض بعد الحروب والدمار، وأنه "يحب الحياة والسلام ويرفض العنف والحرب".

وأضاف أن البطولة تحمل رمزية كبيرة لسكان غزة، حيث يمثل تنظيمها محاولة لإحياء الروح الرياضية وبث قدر من القوة النفسية للمشاركين الذين فقدوا أطرافهم في جولات العدوان المتكررة.

وأوضح أن البطولة ستستمر لمدة شهر كامل، بمشاركة عشرات الرياضيين من ذوي البتر، بما في ذلك من فقدوا أطرافهم خلال الحرب الحالية، أو الحروب السابقة، أو "مسيرات العودة" التي امتدت لنحو عامين.

وتقام المباريات على ملعب خماسي معشب في مدينة دير البلح، وهو ملعب صغير نسبيا لكنه مجهز لإقامة مباريات كرة القدم لمبتوري الأطراف.

ويتميز الملعب بتصميمه المخصص للعب في مساحات محدودة، مع توفير شبكات وأدوات مساعدة لتسهيل حركة اللاعبين وضمان سلامتهم أثناء المباريات. ويؤكد المنظمون أن الملعب شكل بيئة مناسبة لتعزيز روح المنافسة والاندماج الاجتماعي بين اللاعبين من مختلف الأعمار.

عودة الأمل

وتُوّج فريق "شهداء كرة القدم البتر" بلقب البطولة، وهو الفريق الذي اختار اللاعبون تسميته تخليدًا لرفاقهم الذين ارتقوا خلال العدوان، وفي مقدمتهم نجم منتخب فلسطين لكرة القدم البتر أحمد الدالي، الذي استشهد مع أفراد أسرته في 20 مايو/أيار الماضي إثر قصف استهدف مدينة خان يونس.

وقال المدير الفني لمنتخب فلسطين البتر، شادي أبو عرمانة، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن إطلاق البطولة كان بمثابة محاولة لإعادة الروح للاعبين: "أقمنا بطولة الأمل لإعادة الأمل لأبنائنا الرياضيين الذين فقدوا أطرافهم… أردنا إعادتهم إلى حياة قريبة من الطبيعية بعد أن حرمنا العدوان من المشاركة في تصفيات كأس آسيا المؤهلة لكأس العالم 2026 في كوستاريكا بسبب إغلاق المعابر".

55-1763487427.webp


 

وأضاف أن الجمعية تستوعب كل لاعب جديد يتقدم للانضمام، موضحًا: "قبل الحرب كان لدينا نحو 100 لاعب، ومع الحرب الأخيرة انضم أكثر من 34 لاعبًا جديدًا. نعمل على أن يكون عام 2026 عامًا لعودة ذوي البتر إلى المشاركات الدولية والمحلية".

صوت الملاعب 

من جهته، عبّر حارس مرمى منتخب فلسطين لكرة القدم البتر، خالد جبريل، عن امتنانه للجهات التي نظّمت البطولة، مطالبًا بزيادة الاهتمام بهذه الفئة التي تحتاج إلى دعم متواصل لاستئناف حياتها الرياضية والمجتمعية.

وشارك في البطولة لاعبو البتر الذين ظهروا للمرة الأولى جماهيريًا منذ انتهاء المعارك، إلى جانب الحكم الفلسطيني رمضان صبرة (27 عامًا)، الذي أدار مباراة خدمات رفح وشباب رفح مطلع الشهر الجاري رغم بتر قدمه اليسرى بعدما أُصيب بشظايا صاروخ أطلقته طائرة إسرائيلية مسيّرة في 25 مايو/أيار الماضي. كان حضوره داخل الملعب رسالة أخرى عن قدرة الرياضيين الجرحى على تجاوز الدمار واحتضان أدوار جديدة.

فى حين يقول الطفل شعبان عبد الله (11 عاما)، الذي فقد قدمه اليمنى جراء القصف على خيمة نزوحه مطلع عام 2025 ، أن البطولة أعادت  إلىه روح الحياة الاجتماعية والرياضية، التلى شعر انها فقدها منذ ان فقد قدمه.

وقال إن "البطولة وفرت لي فرصة لإعادة اكتشاف شغفي بالرياضة والحياة الاجتماعية  والحضور إلى الملعب ومتابعة المباريات، وحتى المشاركة البسيطة، أعادت إلي شعور المرح والحماس.، موكدا انه يشعر بانه جزء من فئة كبيرة اليوم تواجه نفس التحديات المجتمعية والحياتية جراء البتر، الا ان هذا البطولة زرعت بداخله احساس انه ليس وحده وانه ربما يكون نموذجا لطفل آخر مبتور الاطراف فاقد للامل فى الاستمرار والمواجهة

وأضاف "أتمنى أن أستطيع الركض والمشاركة في المباريات بشكل كامل، وأن أعود للشعور بالحماس الذي كنت أعرفه قبل الإصابة. البطولة تمنحني هذه الفرصة وتجعلني أؤمن أن الحياة لا تتوقف".

وأوضح شعبان أن تجربة البطولة لا تتعلق بالرياضة فقط، بل بالاندماج الاجتماعي والدعم النفسي، قائلا "وجودي هنا يجعلني أشعر بالقوة، ويحفزني على الصبر والعمل من أجل المستقبل، وأرى أن كل لحظة في الملعب تمنحني شعورًا بالأمل والتحدي".

تشير أحدث الإحصائيات الصادرة خلال عام 2025 إلى أنّ قطاع غزة يعيش واحدة من أعلى نسب بتر الأطراف في العالم، ولا سيما بين الأطفال.

فبحسب وزارة الصحة ومنظمات دولية، سُجّل ما يزيد عن 4500 حالة بتر منذ بداية الحرب، من بينها نحو 800 طفل، بينما قدّرت تقارير أممية ومنظمات حقوقية أن غزة باتت تضم أكبر عدد من الأطفال مبتوري الأطراف بالنسبة لعدد السكان عالميًا.

كما تُظهر البيانات وجود عجز هائل في خدمات التأهيل، إذ تحتاج المرافق الصحية إلى ما يقارب 6000 طرف صناعي لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات، في ظل نقص حاد في الفنيين والمعدات الطبية الضرورية.

هذه الأرقام تعكس حجم المأساة التي دفعت العديد من الناجين، وخاصة الشباب، للبحث عن فضاءات بديلة تعيد دمجهم في الحياة، ومنها الرياضة وبرامج الدعم المجتمعي.

 

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة