كيف يحوّل الاحتلال الفحص الأمني إلى أداة تجويع وشلل لعمل المنظمات الإنسانية بغزة ؟

حوّلت إسرائيل معابر غزة إلى مراكز فرز أمني تُدار بمنطق الحرب، لا بمنطق حماية المدنيين، وفرضت على عشرات المنظمات الإغاثية إجراءات جديدة تُشبه إعادة خلقها من الصفر، رغم أنها تعمل في القطاع منذ سنوات طويلة وبموافقات رسمية إسرائيلية.

هذا التحوّل، الذي جاء مترافقًا مع انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية والغذائية داخل القطاع، يُظهر أن الاحتلال بات يتعامل مع العمل الإنساني كأداة ضغط، لا كخط أحمر تفرضه القوانين الدولية. عمليات المنع، والتفتيش، وإعادة الفحص، وتعطيل الشاحنات، تشكل سلسلة مترابطة تهدف إلى إبقاء غزة على حافة الجوع والمرض. وفي الوقت الذي تنتظر فيه آلاف الشاحنات إدخال الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية، تكشف شهادات المنظمات الدولية ومسؤوليها أن المشكلة ليست في نقص المساعدات، بل في سياسات متعمّدة تمنع وصولها.

تعطيل متعمدة

فرضت إسرائيل على عشرات المنظمات الإنسانية إعادة تسجيل نفسها من البداية، رغم أنها تحمل تصاريح رسمية وتعمل في القطاع منذ سنوات. ويتطلب الإجراء الجديد تقديم بيانات مفصّلة عن أنشطة المنظمات وموظفيها وعائلاتهم، بما في ذلك عناوين السكن والتحركات والخلفيات المهنية.

ويقول مسؤولون في المنظمات إن هذا الإجراء، الذي يبدو إدارياً، يهدف عملياً إلى تعطيل العمل الإنساني وإضعاف قدرة المنظمات على الوصول إلى السكان المحتاجين. إعادة التسجيل تُفرض بشكل يشبه البدء من الصفر، وقد يؤدي ذلك إلى تجميد عمل بعض المنظمات لأسابيع أو شهور، مع تأثير مباشر على إدخال المساعدات.

كما يشمل الإجراء سلسلة من الفحوصات الأمنية للموظفين والشاحنات، التي غالباً ما تستغرق وقتًا طويلاً، ويُسمح بموجبها ببعض المواد وتُرفض أخرى لأسباب واهية، بحسب شهادات المسؤولين. هذه الإجراءات أدت إلى توقف أو تجميد عمل عشرات المنظمات، واحتجاز آلاف الأطنان من المواد الغذائية والدواء والمستلزمات الطبية على المعابر.

ويشير عدنان أبو حسنة، المستشار الإعلامي لوكالة “أونروا”، إلى أن إسرائيل تعرف هذه المنظمات جيداً، وهي مسجلة رسميًا لدى مكتب التنسيق الحكومي الإسرائيلي، لكنه يوضح أن القيود الجديدة تعني أن بعض المنظمات قد تُمنع من العمل، في حين سيواجه بعضها الآخر إجراءات بطيئة قد تستغرق شهوراً، ما يضعف قدرتها على إيصال المساعدات. ويضيف أن بعض الشاحنات كانت جاهزة للإدخال منذ أسابيع لكنها لم تحصل على الموافقة بعد، مما يزيد من الضغط على سكان القطاع المحتاجين.

حرب تجويع 

تشير التقارير الصادرة عن المنظمات الإنسانية إلى أن القيود الإسرائيلية على دخول المساعدات تسببت في أزمة غذائية وصحية حادة داخل القطاع. آلاف الأسر تواجه نقصاً حاداً في الغذاء، المياه، الأدوية، والمستلزمات الطبية الأساسية، في ظل استمرار الحصار وفترات الانقطاع الطويلة للكهرباء والمياه.

وتؤكد المنظمات أن المواد الطبية الحساسة، مثل أدوية السرطان والمضادات الحيوية، ومستلزمات غرف العمليات، تُخزن لساعات طويلة على المعابر، وهو ما يؤدي أحيانًا إلى انتهاء صلاحيتها قبل وصولها إلى المرضى. كما أن المواد الغذائية الأساسية، بما فيها الحبوب واللحوم والحليب، تتعرض للتلف نتيجة تأخر السماح بدخولها، ما يزيد من حالات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن.

ويقول مسؤولون إن نقص المواد الغذائية أدى إلى ارتفاع حالات سوء التغذية، فيما يفاقم تعطيل دخول الأدوية تفاقم الأوضاع الصحية، ويهدد بارتفاع معدلات الأمراض المزمنة والحرجة. المواد الطبية الحساسة مثل أدوية السرطان، مضادات العدوى، وأدوات غرف العمليات تُخزن لساعات طويلة أو تُرفض، ما يعرّض حياة المرضى للخطر.

عقاب جماعي 

تؤكد المؤسسات الحقوقية أن هذه السياسات تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، التي تلزم الاحتلال بضمان وصول الغذاء والدواء للمدنيين، وحظر استخدام التجويع كوسيلة عقاب جماعي.

ويضيف مراقبون أن هذه الإجراءات تتجاوز كونها إدارة أمنية، لتصبح سياسة ممنهجة توظف الغذاء والدواء كسلاح حرب، تستهدف المدنيين بشكل مباشر، وتعتمد على تعطيل البنية الإنسانية واللوجستية للقطاع. استمرار هذه الممارسات يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويحوّل غزة إلى منطقة خاضعة لتجويع ممنهج وعقاب جماعي، رغم وضوح الحاجة الإنسانية القصوى.

وتظل المعابر، وفق شهادات المسؤولين والمنظمات، أداة ضغط على السكان، حيث تصبح كل محاولة لتقديم الإغاثة محفوفة بالعقبات البيروقراطية والأمنية، ما يزيد من معاناة آلاف الأسر ويحول الأزمة الإنسانية القائمة إلى كارثة مستمرة.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة