يواجه أطفال غزة واحدة من أخطر الأزمات الصحية في العالم الحديث، بفعل الحصار والتجويع ونقص الأدوية والفيتامينات الأساسية والتطعيمات، مما جعل أجسادهم عرضة لأمراض لم تعرفها غزة منذ عقود.
إذ سجل فقر الدم والأنيميا ومرض "غيلان باره" وتشوهات صحية متزايدة أرقامًا متصاعدة، رغم وقف إطلاق النار منذ أربعين يومًا بوساطة دولية نصت على فتح المعابر ودخول الإمدادات الإغاثية بكل أشكالها، لتضيف عبئًا إضافيًا على حياتهم الهشة.
ما يحدث هنا ليس مجرد نقص في الرعاية، بل يُعدّ إبادة صحية ممنهجة للأطفال، تهدد حياتهم وصحتهم الجسدية والنفسية، في وقت يُفترض أن يحتفل فيه العالم ببراءة الطفولة وحق كل طفل في النمو الآمن.
"إبادة صحية بطيئة"
يشهد قطاع غزة أزمة صحية حادة، وصفها مسؤولون في وزارة الصحة بأنها "إبادة صحية بطيئة"، نتيجة الحصار الإسرائيلي المستمر منذ سنوات، والذي لم يقتصر تأثيره على تدمير البنية التحتية، بل امتد ليطال حياة الأطفال والمرضى بشكل مباشر.
وأعلنت وزارة الصحة عن ارتفاع كبير في حالات الأمراض بين الأطفال، نتيجة نقص الأدوية الأساسية والمكملات الغذائية والتحاليل المخبرية في المستشفيات والمراكز الصحية.
وأوضح الأطباء أن الأطفال الرضع والخدّج هم الأكثر عرضة للمضاعفات الخطيرة، فيما أدى هذا النقص إلى انتشار أمراض لم تُسجّل في غزة من قبل، بما في ذلك فقر الدم الحاد ومرض "غيلان باربه" العصبي النادر.
وحذر مدير عام وزارة الصحة، منير البرش، من تفشٍ غير مسبوق لفقر الدم بين الأطفال، مشيرًا إلى أن نسبة الإصابة بين الأطفال دون سن العام الواحد بلغت نحو 82%، وهي من أعلى النسب المسجلة في القطاع منذ سنوات طويلة. وأكد البرش أن هذا الارتفاع الحاد يهدد حياة الأطفال ونموهم الطبيعي، ويُعرّضهم لمضاعفات صحية جسدية ومعرفية قد تؤثر على قدراتهم المستقبلية.
وأشار البرش إلى أن استمرار الاحتلال في منع دخول الأدوية الأساسية والمكمّلات الغذائية الخاصة ببرنامج رعاية الطفولة ساهم بشكل مباشر في تضاعف حالات فقر الدم، خاصة بين الرضع والأطفال الذين يعانون من سوء تغذية حاد بسبب ندرة الحليب وغياب الغذاء المتوازن. وأضاف أن نقص هذه المواد الأساسية "يعكس سياسة ممنهجة تستهدف البنية السكانية"، مؤكدًا أن ما يحدث يمثل "هندسة للإبادة الصحية، تهدف إلى خلق جيل يعاني من تشوهات ومضاعفات صحية مستمرة".
مرض "غيلان باربه"
وسجل قطاع غزة هذا العام قرابة 200 حالة من مرض "غيلان باربه" (Guillain-Barré Syndrome) بين الأطفال، وهو رقم غير مسبوق عالميًا مقارنة بما كان يُسجّل سابقًا (حالة واحدة سنويًا تقريبًا). وأوضح الأطباء أن المرض يصيب الجهاز العصبي ويبدأ بشلل الأطراف السفلية، ثم يمتد للأطراف العليا ويؤثر على الجهاز التنفسي، ما يجعل الطفل غير قادر على التنفس في بعض الحالات.
وأكد الأطباء أن المرض ليس وراثيًا ولا يُعدي، ولكنه قد يظهر بعد نزلات معوية أو تطعيمات معينة. وأظهرت التحاليل أن سبب تفشيه الحالي مرتبط بالمياه الملوثة، مع تركيز الإصابات في مناطق خانيونس.
وأشار الأطباء إلى أن صعوبة تشخيص المرض تعيق تقديم العلاج المبكر، ما يزيد من خطر المضاعفات ويهدد حياة الأطفال المصابين.
وقال مدير قسم الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي، أحمد الفرا، إن الوضع الصحي في غزة كارثي، وأن القطاع يواجه تحديات كبيرة نتيجة سياسة الحصار الإسرائيلية.
وأضاف أن فتح المعابر ودخول المساعدات الطبية مرهون بمزاج الاحتلال يوميًا، ما أدى إلى نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والتحاليل المخبرية، بما في ذلك العلاجات الخاصة بالأمراض المزمنة والنادرة.
وأشار الفرا إلى فقدان بعض العلاجات للأمراض التنفسية، ونقص الأطراف الصناعية لمبتوري الأطراف الذين يبلغ عددهم نحو 5000 شخص، وغياب مراكز التأهيل اللازمة لهذه الفئة. كما أشار إلى تعرض بعض المعتقلين من الطواقم الطبية للتعذيب دون محاكمات، فيما لا يلقي الاحتلال بالا للمطالب الدولية بإطلاق سراحهم.
ويؤكد الأطباء أن نقص الأدوية والتحاليل المخبرية والمستلزمات الأساسية يفاقم من معاناة الأطفال المصابين بأمراض مزمنة أو حالات حرجة، كما أن سوء التغذية الناتج عن ندرة الغذاء المتوازن يزيد من معدلات فقر الدم، ويؤثر على النمو الجسدي والمعرفي للأطفال.
كما أن ارتفاع الأمراض النادرة وغير المألوفة، مثل "غيلان باربه"، يعكس ضعف قدرة النظام الصحي على مواجهة الطوارئ، وتحديات تشخيص الأمراض المبكرة بسبب نقص المعدات الطبية والكوادر المتخصصة.
تحذيرات صارمة
أصدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) تحذيرًا صارمًا بشأن الوضع الصحي للأطفال في غزة، مؤكدة أن نقص الأدوية الأساسية والمكملات الغذائية يفاقم سوء التغذية ويهدد حياة الرضع والخدّج بشكل مباشر.
وأشارت المنظمة في تصريحات صحفية إلى أن استمرار الحصار على المعابر يمنع وصول الإمدادات الطبية الحيوية، ما يزيد من تفاقم حالات فقر الدم والأمراض المزمنة بين الأطفال، ويعرضهم لمضاعفات طويلة الأمد قد تؤثر على نموهم الجسدي والمعرفي.
بدورها، أكدت منظمة الصحة العالمية أن النقص الحاد في المستلزمات الطبية والتحاليل المخبرية في غزة يضع القطاع الصحي بأكمله تحت ضغط غير مسبوق.
وأوضحت المنظمة أن استمرار القيود على دخول الأدوية والعلاجات الخاصة بالأمراض النادرة، بما في ذلك مرض "غيلان باربه"، يزيد من احتمالية تفشي الأمراض ويهدد حياة الأطفال والمجتمع بأسره، داعية المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لضمان وصول الأدوية والمعدات الطبية إلى جميع المستشفيات والمراكز الصحية في القطاع.
وتشير التحذيرات الصادرة عن اليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية إلى واقع متشابك، حيث يؤكد الطرفان أن استمرار الحصار وعدم إدخال الإمدادات الطبية الأساسية يشكل خطرًا مباشرًا على حياة الأطفال، ويزيد من احتمالية انتشار الأمراض المزمنة والنادرة، مؤكدين على ضرورة تدخل عاجل وفعال من المجتمع الدولي لحماية القطاع الصحي ومنع تفاقم الأزمة.
