تقرير / شهاب
منذ اعلان اتفاق وقف إطلاق النار، اختفت الأصوات القادمة من الخارج، وتراجعت موجة واسعة من الدعم و التبرعات، وكأن الحرب انتهت فعلًا، وكأن البيوت أُعيد بناؤها، والمرضى تعافوا، والعائلات استعادت مصادر رزقها. لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
في غزة، الهدنة أوقفت الأخبار العاجلة، لكنها لم توقف المعاناة، فالقصف وهدم المنازل و الحصار ما زالا يخنقان تفاصيل الحياة اليومية، وإغلاق المعابر يجعل أي نقص في الغذاء أو الدواء قابلًا للتحول إلى كارثة جديدة في أي لحظة.
وبين صورة "الهدوء" الكاذب التي بدت مطمئنة للعالم، وواقع الاستنزاف الذي تعيشه غزة، تتسع فجوة الاحتياج الثابت والتعاطف الذي يتراجع يومًا بعد يوم.
ويؤكد عاملون ومبادرون في الإغاثة الإنسانية بغزة أن الدعم والإغاثة شهد تراجعًا كبيرًا فور توقف العدوان، باعتقاد خاطئ لدى بعض الداعمين بأن توقف القصف يعني انتهاء الحاجة، لكن الواقع، بحسبهم، يؤكد أن الضرورات الأساسية من الإيواء والغذاء والرعاية الصحية والدعم النفسي بلغت ذروتها بعد توقف الحرب، ومحاولة العائلات انتشال نفسها من براثن النزوح.
"انتهى الكابوس"
تقول علا والتى رفضت الافصاح عن اسمها الكامل، إن صديقتها السابقة في الجامعة والتي تعيش الآن في أحد الدول الأجنبية، تواصلت معها بعد اندلاع الحرب بشهرين، وأرسلت إليها المال لها ولعائلتها بهدف مساعدتها على مواجهة ظروف الحرب، ثم بعد فترة قصيرة بدأت ترسل المال الإغاثي للعوائل المحيطة بها.
وتضيف: "بدأت عائلتي والعوائل المحيطة الاعتماد بشكل أساسي على المال المرسل، مع تراجع الدخل وارتفاع الأسعار، وتغول الحرب، حتى انتقل كل أهل غزة إلى فئة تعتمد على المساعدات والمعونات في إعالة أطفالهم وإطعامهم".
وتشير علا إلى أن الدعم المالي من قبل صديقتها استمر حتى بعد دخول القطاع في هدنة كانون الثاني/يناير 2025، لكن مع إعلان اتفاق إنهاء الحرب في تشرين الأول/أكتوبر من العام ذاته، تغيرت الأمور، حيث أرسلت صديقتها مبلغًا بسيطًا بعد الاتفاق بأيام، وكتبت لها: "الحمد لله انتهى الكابوس".
وتستعيد علا آخر محادثة بينهما، قائلة إن زميلتها تحدثت بسعادة عن عودة الحياة إلى طبيعتها في غزة، وعن أملها بأن تتمكن علا من إعادة ترميم منزلها والعودة إلى عملها، منوهة أن الانطباع السائد لدى العالم بأن المعاناة انتهت لا يعكس الواقع، فالحرب قد تتراجع حدتها، لكن آثارها لا تختفي، الأسعار ما زالت مرتفعة، والعمل شبه معدوم، والحصار قائم، ونحن نعيش يومًا بيوم.
في حين يقول أحمد (43 عامًا): "إن حسابه على موقع "جوفندمي"، كان الوسيلة الأساسية لإدارة أزمة الحياة اليومية خلال الإبادة، بعد أن فقد بيته ومصدر رزقه في الأيام الأولى للحرب".
يوضح أحمد أن التبرعات على رابط حملة التبرعات كانت على اتصال مباشر مع أخبار الحرب والكوارث، فمع كل تصعيد أو مجزرة أو مجاعة، كانت تزيد التدفقات المالية بشكل لافت، حتى دون أن يتحمل أعباء استجداء المتبرعين للتبرع له ولعائلته.
ويضيف أحمد أن هذه العلاقة كانت واضحة جدًا خلال فترة المجاعة الأخيرة، إذ تضاعفت التبرعات بشكل لافت مع تصاعد أخبار المجاعة عالميًا وصدور تقارير دولية حولها، مما ساعده على توفير الغذاء الأساسي لعائلته على الرغم من الارتفاع الجنوني للأسعار.
لكن مع الحديث عن الهدنة، تغير الوضع فجأة. "بمجرد أن بدأ الحديث عن التهدئة، تراجع الدعم، ثم توقف بالكامل"، يقول أحمد، مضيفًا أن حياته عادت إلى أزمتها المعتادة: نقص الموارد، ارتفاع الأسعار، وحاجة مستمرة لا يجد من يخفف عنها سوى صبره وإصراره على الصمود.
ويختتم أحمد حديثه قائلاً: "الرابط لم يتوقف عن العمل، لكن العالم بدا وكأن الحرب انتهت بالنسبة له، بينما نحن هنا ما زلنا نعيش تحت الحصار والمجاعة المحتملة في أي لحظة".
من جانبها، توضح مسؤولة الإعلام في مؤسسة "غزي دستك" التركية للإغاثة، إسراء الشريف، أن الهدنة التي دخلت حيّز التنفيذ في غزة لم توقف الأزمة الإنسانية كما يعتقد البعض، بل كشفت الحجم الحقيقي للمعاناة المستمرة بين السكان.
واقعًا أشد قسوة
وتقول الشريف في حديثها لـ"شهاب": "رغم ما يراه العالم من هدوء نسبي، يعيش الناس هنا واقعًا أشد قسوة. اقتصاد مشلول، آلاف العائلات بلا دخل أو مأوى، وخيام مهترئة لا تصمد أمام برد الشتاء".
وتتابع الشريف أن الخدمات الأساسية في غزة تكاد تكون معدومة، موضحة أن المدارس مغلقة أو تعمل بشكل جزئي، والمستشفيات غير قادرة على تقديم الرعاية اللازمة، بينما يعاني الأطفال من آثار نفسية عميقة تتطلب تدخلًا عاجلًا.
وتحذر الشريف من تراجع الاهتمام العالمي بغزة منذ بدء الهدنة، سواء في التغطية الإعلامية أو تفاعل الناشطين، مؤكدة أن هذا الانخفاض في الدعم يظهر بوضوح في تراجع التبرعات المقدمة للمؤسسات الإنسانية: "الاحتياج الحقيقي يبدأ بعد توقف القصف، لكن كثيرين يظنون أن الأزمة انتهت بمجرد هدوء المدافع".
تشير إلى أن المؤسسات الإنسانية تواجه اليوم تحديًا إضافيًا، وهو حملات التشويه التي تستهدف المتطوعين والداعمين، وتتهمهم بالفساد. وقالت: "هذا الانكماش في الثقة أدى إلى تراجع كبير في التبرعات، وهو ما يزيد من معاناة العائلات التي تنتظر الغذاء والدواء والمأوى". وأضافت أن هذه الحملات ليست عفوية، بل جزء من مسعى ممنهج "لضرب ثقة العالم بأي جهة تقدّم المساعدة لغزة، بهدف خنق آخر شريان دعم يصل للمدنيين".
وتؤكد الشريف حديثها بتحذير شديد اللهجة: "الهدنة ليست نهاية المأساة، بل بداية مرحلة أصعب. إذا تراجع العالم الآن، فإنه لا يترك غزة بلا قصف فقط، بل يتركها بلا حياة".
من جانبه، يؤكد المبادر محمد الفرا أن تدفق التبرعات إلى قطاع غزة خلال الحرب كان مرتبطًا بشكل مباشر بمستوى التصعيد ومستجدات الأخبار، مشيرًا إلى أن الدعم المالي من الخارج شهد تذبذبًا شديدًا انعكس على حياة الأسر والمحتاجين.
يقول الفرا: "مع كل تصعيد أو انتشار أخبار المجاعة والمجازر، كان الدعم يتضاعف ويصل سريعًا إلى المستفيدين، ما ساعد على توفير الدواء والغذاء والمستلزمات الأساسية، أما عند أي حديث عن هدنة أو توقف القصف، فكان التدفق المالي يتراجع بسرعة، حتى وصل أحيانًا إلى الانقطاع التام".
صورة الأحداث
ويضيف أن هذا التذبذب لم يكن مرتبطًا باحتياجات الناس الفعلية، بل بصورة الأحداث التي يراها العالم: "الناس في الخارج يتأثرون بما يشاهدونه في الإعلام، فإذا خفتت الأخبار ظنوا أن الأزمة انتهت، بينما الواقع على الأرض مختلف تمامًا، والحاجة لا تتوقف".
ويشير الفرا إلى أن بعض المساهمين الثابتين حافظوا على دعمهم طوال الوقت، إلا أن حجم هذا الدعم لا يغطي احتياجات السكان بشكل كامل، مشددًا على أن استمرار الحملة أو تقديم المساعدات يعتمد دائمًا على تدفق متبرعين جدد، وهو ما يقل بشكل واضح مع الحديث عن الهدنة أو أي فترة هدوء.
ويخلص إلى أن العامل الأهم في الحفاظ على الدعم هو التغطية الإعلامية المستمرة: "الإعلام ثم الإعلام ثم الإعلام… هذا ما يحرك التعاطف ويجعل العالم يقدم الدعم، وإذا اختفى الضوء الإعلامي، يتراجع الدعم مباشرة، ويبقى الناس هنا في مواجهة الأزمة وحدهم".
