تقرير خاص / شهاب
أصبح خطر القوارض جزءًا من الواقع اليومي في حياة خيام غزة المهترئة، حيث تتكدس العائلات النازحة في مساحات ضيقة وتفتقر لأدنى مقومات الحياة، لتضيف إلى معاناة النازحين تهديدًا جديدًا لا يقل قسوة عن الحرب نفسها.
فكل خيمة تتحول إلى ساحة صراع صامت بين البشر والقوارض، تعكس منهجية البقاء التي يحاول الغزيون تطويرها لمواجهة ويلات حياتهم، فلم تعد مشكلتهم وجود القوارض، بل تطورت لتصبح محاولة للنجاة من الأمراض التي تنقلها القوارض من خلال الماء أو العض أو العبث بمقتنياتهم الشخصية.
معركة ليلية مع القوارض
في خيمة مهترئة جنوب غزة، تعيش وفاء الطويل مع خمسة أطفال منذ بداية الحرب وفقدانها لمنزلها في بيت حانون، تقول: "بدأت الفئران تتسلل إلى خيمتنا، في البداية كانت مجرد زوّار غير مرحب بهم، يلتهمون بعض الطعام ويعبثون بالمتعلقات الشخصية، ونحاول مكافحتها بطرق بدائية."
تقول وفاء لـ"شهاب": "كنت أرى الفئران تقفز على الأغطية، تفسد الطعام، تنهش الملابس.. كنت أحاول أن أرفع كل شيء عن الأرض، لكنهم كانوا أسرع مني. على طيلة سنوات النزوح هناك معركة ليلية بيني وبينهم، حتى أحافظ على الأغطية والطعام والملابس، فنحن نبذل جهودًا مضنية للحصول على قطعة ملابس واحدة."
وتضيف: "مع مرور الوقت، لم تعد القوارض تكتفي بالتخريب، بل بدأت تعضّ الأطفال أثناء النوم، فتطور توحشها أصبح ملموسًا في حياة العائلة اليومية. أصبحت أخاف على صغاري من كل شيء، واضطر إلى مراقبتهم طوال الليل خوفًا من عض الفئران، فالأمر لم يعد مجرد فئران، بل صار خطرًا حقيقيًا على حياتهم."
في كل ليلة، يستيقظ طفل صارخًا، ليجد أن القوارض قد اخترقت الحماية الهشة التي حاولوا صنعها، لتصبح جزءًا من واقعهم المرعب الذي لا يتوقف: حرب لا تعرف نهاية.
بينما يروي علاء أبو شعبان تجربته في العيش بخيمة غرب دير البلح: "في بداية النزوح، كان الأمر مجرد فئران تتسلل بين الخيام، تعبث بالطعام والملابس، لكن مع الزمن أصبح الازدحام في المخيم، القمامة، ومياه الصرف المنتشرة بيئة مثالية للقوارض، حتى باتت الخيمة تشبه جحورها."
ويضيف: "لم أعد أتفاجأ إذا رأيت فأرًا يزحف بين أقدام أطفالي، أو يتسلق الأغطية أثناء النوم.. نحن الذين استولينا على أراضيهم، على مزابلهم، وأصبحنا نعيش في عوالمهم."
الحياة في المخيم جعلت الناس جزءًا من مجتمع الفئران، في بيئة اختلطت فيها المخاطر: الأمراض، الجوع، والحاجة إلى البقاء على قيد الحياة. القوارض لم تعد مجرد آفة، بل انعكاس لحقيقة أن الحرب لم تهدم المدن فقط، بل دفعت البشر إلى قلب بيئة لم يكونوا جزءًا منها، لتصبح الحياة اليومية صراعًا مزدوجًا: بين البشر والحرب، وبين البشر والفئران التي استوطنت خيامهم.
هشاشة كل شيء
وأوضح مدير الطب الوقائي في وزارة الصحة، أيمن أبو رحمة، أن بيئة المخيمات الحالية تشكل أرضًا خصبة لتكاثر الحشرات والقوارض، ما يرفع خطر تفشي الأمراض المعدية والمنقولة عبر المياه أو القوارض، مثل الإسهال الحاد واليرقان، والتي سجلت بشكل كبير بين الأطفال دون الخامسة.
ولفت أبو رحمة إلى أن الفئات الأكثر هشاشة، بما في ذلك النساء الحوامل وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة، معرضة لمخاطر أكبر، نتيجة ضعف المناعة الناجم عن سوء التغذية المنتشر بين النساء والأطفال.
وحذر من أن "غياب إجراءات فعالة لمكافحة القوارض قد يؤدي إلى تفشي أمراض خطيرة مرتبطة بفضلاتها، وهو ما قد يتحول إلى أزمة صحية يصعب السيطرة عليها".
وأكد أن الأزمة البيئية والصحية تشمل جميع مناطق النزوح في القطاع، وأن تدهور شبكات المياه والصرف الصحي، بالإضافة إلى تراكم النفايات، يمثل تهديدًا شاملًا للصحة العامة. وشدد على الحاجة الماسة إلى تدخل عاجل لإصلاح البنية التحتية، وإزالة النفايات، وتوفير مواد النظافة ومستلزمات مكافحة القوارض والحشرات، التي تنتشر داخل الخيام وتشكل خطرًا يوميًا على النازحين.
وأشار أبو رحمة إلى أن داء البريميات أحد أخطر الأمراض المحتملة التي قد تنقلها القوارض، خاصة في ظل تكاثرها في بيئة ملوثة بالنفايات والصرف الصحي. ورغم أن جميع العينات المشتبه بها حتى الآن ظهرت سلبية، إلا أن الخطر يظل قائمًا بسبب سوء الظروف المعيشية وانتشار القوارض.
من جهته، حذّر الخبير البيئي والمسؤول عن رقابة المياه والصرف الصحي بوزارة الصحة، سعيد العكلوك، من ارتفاع مخاطر انتقال الأمراض من القوارض إلى سكان قطاع غزة مع توفر بيئة خصبة خلَّفتها الحرب لتكاثر هذه القوارض، وما يجعل خطر انتشار الأمراض قائمًا ومهيأً في أي وقت، طالما استمرت الظروف البيئية المتدهورة.
وأكد أن المشكلة لا تكمن في الركام وحده، رغم أن كميته تجاوزت 60 مليون طن، وإنما في منع إدخال مواد مكافحة نواقل الأمراض، مشيرًا إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يواصل رفض دخول مواد مكافحة القوارض والبعوض والذباب، ما يحرم الجهات المختصة من أي آلية فعّالة للسيطرة على هذه الآفات.
وأضاف العكلوك أن الجهات المحلية، بالتعاون مع برامج الأمم المتحدة، تعمل منذ أكثر من شهر لإدخال مواد مكافحة نواقل الأمراض، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل، مؤكّدًا أن مخزون مواد المكافحة داخل القطاع معدوم بالكامل.
وحذّر من أن استمرار هذا الوضع يعني أن البيئة في غزة ستظل مهيأة لانتشار الأوبئة بمختلف أنواعها، وليس مرضًا واحدًا فقط، مشددًا على أن كل يوم تأخير يزيد من خطورة تفشي الأمراض بين السكان.
ولفت الخبير العكلوك إلى تغير ملحوظ في سلوك القوارض والحيوانات الضالة، حيث أصبحت أكثر جرأة وبدأت بمهاجمة المواطنين، وتسجيل حالات عض داخل الخيام، مرجعًا ذلك إلى عوامل عدة، من بينها وجود رفات الشهداء، وعيش المواطنين داخل بيئة هذه الحيوانات نفسها، بل إقامة بعض الخيام فوق مكبات نفايات.
تهديدًا حقيقيًا
وأكد أن استمرار غياب حلول بيئية وصحية شاملة، ومنع إدخال مواد المكافحة، يشكل تهديدًا حقيقيًا للصحة العامة، ويضع قطاع غزة أمام مخاطر وبائية متصاعدة في ظل واقع بيئي كارثي.
من جانبها، حذّرت بلديات قطاع غزة من انتشار القوارض بشكل واسع بين الخيام والشوارع بسبب تراكم الركام وطفح مياه الصرف الصحي، نتيجة الدمار الهائل الذي لحق بالمنازل.
وأوضحت البلديات أن بقايا الطعام في المنازل المدمرة وفرت بيئة مثالية لتكاثر الفئران والجرذان، التي تخلف فضلاتها في الطرقات وتختلط بالمياه الراكدة، ما يؤدي إلى تكوين بكتيريا خطيرة قد تسبب أمراضًا جلدية معدية.
وأكدت البلديات أن القطاع يفتقر إلى وسائل فعالة لمكافحة القوارض، حيث لم تتوفر المبيدات والسموم اللازمة منذ نحو عامين، رغم مخاطبة الجهات المعنية، كما أن الفحوصات المخبرية لمراقبة الأمراض الناتجة عن هذه القوارض محدودة، بسبب عدم توفر مختبرات محلية وإمكانية إرسال العينات خارج القطاع صعبة.
وشددت البلديات على أن أزمة مياه الصرف الصحي المستمرة، مع مضخات بدائية وتصريفها في برك وأزقة عشوائية، تزيد من انتشار الحشرات والبعوض وتغذي القوارض، ما يزيد من خطر الأمراض المعدية على السكان. وأكدت أن القطاع يعيش حالة انهيار بيئي تهدد الصحة العامة، في ظل غياب أدوات المكافحة والإمكانات الصحية اللازمة، ما يزيد من معاناة أكثر من مليوني فلسطيني.
