الناجي الوحيد .. وجع يُفتَح في رمضان يروي قصص المأساة والفقد

أزهار مسعود ترفع صور شهداء عائلتها

يحلّ شهر رمضان محمّلًا بذكريات ثقيلة للأشخاص الذين لقبوا بالناجي الوحيد بعد أن فقدوا عائلاتهم بالكامل. يستقبلون الأيام الأولى من الصيام بقلوب مثقلة بالغياب، ويحاولون التعايش مع موائد خالية من أحبّة وأصوات كانت تجعل للشهر معنى. بين الخيام ومراكز الإيواء، تتشكل حكايات أناس يصارعون وحدتهم ويبحثون عن بصيص أمل، لا لأن الألم خفّ، بل لأن الحياة، رغم كل قسوتها، لا تتوقف.

في زاوية مظلمة من حيّها المدمّر غرب مدينة غزة، تقف خلود سعفة (38 عامًا) وحيدة تمامًا بعد أن سحقت الحرب عائلتها بالكامل، وكانت هي الناجية الوحيدة؛ لا يلاحقها في كل لحظة إلا ذكريات أطفالها التي كانت تضجّ بها زوايا بيتها القديم، وحواراتهم الطفولية، وصراخهم الفَرِح، وضحكات الحياة التي عاشتها كأم في أيام رمضان السابقة.

تقول خلود لــ" شهاب" إن رمضان في السابق كان يعني لها ساعات لا تنتهي من التحضيرات، وتزيين المنزل، وإعداد الحلويات، وشراء الفوانيس، والاستعداد لصلاة التراويح مع الأطفال، مؤكدةً أنه مع بزوغ أولى فعاليات استقباله في الشوارع والأسواق هذا العام، طرق الحزن بابها كأنه الطقس الوحيد لاستقباله.

ضحكة بعيدة

وتوضح أن كل صوت عابر في الشارع، وكل ضحكة بعيدة، تفتح جرحها على مصراعيه؛ فتتذكر كلمات أطفالها التي سبقت استشهادهم، وتستعيد في رأسها صرخة الموت التي حوّلت حياتها إلى مقبرة خطفت منها كل شيء، حتى قدرتها على المواجهة والاستمرار.

وتتابع أنه بعد المجزرة عادت إلى منزل والدها محاولةً البحث عن سند أو طوق نجاة، لكنها وجدت أن الحرب لم تترك لها حتى ذلك؛ فكل من كان يمكن أن يقف إلى جانبها أزاحته الحرب في طريق مؤلم، وتركها بلا ملاذ تواجه وحدتها.

images (21).jfif


 

وتشير إلى أنه لم يكن أمامها خيار سوى الانتقال إلى خيمة في أحد مراكز إيواء الأيتام، حيث قررت أن تجعل من حياتها رسالة عطاء جديدة.

وتضيف أنها في مخيم الأيتام وجدت أطفالًا فقدوا عائلاتهم يشبهونها؛ فكانت أوجاعهم صدى لوجعها. وتبيّن أنها تعيش لحظتين متناقضتين: الأولى حين يفتح صدى أصواتهم جرحها، فتستحضر صرخات أطفالها الأخيرة ومشهد الموت الخاطف الذي حرمها منهم. والثانية حين تتحول تلك الضوضاء إلى حياة جديدة يمكنها أن تعيشها بالعطاء والاحتضان والعناية بأطفال آخرين يمنحونها سببًا للابتسام ولو للحظة.

وتؤكد خلود أن رمضان بالنسبة لها الآن ليس مجرد صيام وصلوات، بل رحلة مزدوجة بين الألم والحياة، وبين الفقد والعطاء؛ لافتةً إلى أنها وجدت في العطاء للأطفال الأيتام ومشاركتهم اللعب والضحك طريقةً وحيدة لإعادة ترتيب حياتها وشقّ ضوء صغير ينير قلبها رغم الظلام الذي خلفته الحرب.

أما جواد العروقي (44 عامًا)، الذي خرج حيًا من تحت ركام منزله في حي الصبرة بعد أن فقد زوجته وأولاده الخمسة، فيعيش—كما يقول—في صدمة مستمرة، غير قادر على تجاوز ذكرياتهم أو الانخراط في الحياة من جديد رغم مرور عامين على الفاجعة.

ويقيم جواد في خيمة صغيرة بجوار خيمة شقيقه في مخيم للنازحين بحوض ميناء غزة، حيث يقضي أيامه في صمت، متأملًا البحر، ومسترجعًا ضحكات أطفاله وصورهم واللحظات التي كانت تملأ البيت بالفرح.

الشهيد الوحيد

يقول جواد إن "الناجي الوحيد هو الشهيد الوحيد الذي يصارع كل شيء للبقاء… ولا شيء يمكن أن يشعرني بالرضا إلا أن ألتقي بعائلتي مرة أخرى في جنة النعيم".

ويضيف بمرارة متسائلًا كيف يطالبه الآخرون بالبدء من جديد، وكيف يبني عائلة ثانية بعدما كرّس حياته لأطفاله وعلّمهم القرآن وغرس فيهم الأخلاق.

ويوضح أنه منذ ثلاث سنوات يميل إلى العزلة في رمضان، معتزلًا العالم في خيمته بين الصلاة وقراءة القرآن، ومتخليًا عن أي مشاركة اجتماعية. ويصف رمضان بأنه شهر مغفرة ورحمة يخفف جزءًا من حزنه، إذ يهدي ختمة مصحف لكل واحد من أطفاله الخمسة، مستحضرًا صورهم في كل صفحة.

ورغم عزلته، يشير إلى أن رمضان يشكّل له مساحة خاصة للتماسك الروحي، يتواصل فيها مع روحه ومع أطفاله الغائبين، محاولًا تحويل الألم إلى ذكرى طيبة ولو للحظات.

وفي سياق متصل، وجدت أزهار مسعود (23 عامًا) نفسها وحيدة بعد أن فقدت عائلتها بالكامل، وتعيش اليوم في منزل جدتها محاولة المضي قدمًا وسط فراغ كبير.

تقول أزهار إن صعوبة الحياة اليومية تمنح الإنسان أحيانًا مساحة للنسيان، لكن مع أي لحظة هدوء تعود الفاجعة بكل تفاصيلها كأنها تحدث الآن. وتوضح أن رمضان كان في السابق موسمًا للفرح والدفء العائلي، أما اليوم فأصبح اختبارًا مؤلمًا تستعيد فيه تفاصيل بيتهم القديم وروائح الطعام ومشاركة العائلة في إعداد الأطباق والطاعات.

وتشير إلى أن رمضان هذا العام، وهو الأول بعد نهاية الإبادة، ضاعف من معاناتها النفسية، إذ تعيد كل ذكرى إليها شعور الحزن العميق.

وتقول لـ"شهاب" إنها كانت تتمنى بقاء شخص واحد من عائلتها إلى جانبها لتتقاسم معه هول الفاجعة ومرارة الفقد، مؤكدة أن وحدتها تجعل كل شيء صعبًا ومثقلًا بالحنين.

وتضيف بصوت خافت أن وصف "الناجية الوحيدة" يبدو كسكين باردة تقطع قلبها كلما خطر ببالها، موضحةً أن هذه الكلمة تزيد شعورها بالضعف وتراكم العجز وتأنيب الضمير لكونها من بقي على قيد الحياة.

"ذنب الناجي"

من جانبها، توضح رائدة عوض الله، دكتورة علم النفس التربوي، أن اقتراب رمضان يضاعف وطأة الفقد لدى من خسروا عائلاتهم، لأن الشهر المرتبط بالدفء العائلي يعيد تذكيرهم بحجم الفراغ الشعوري الذي يعيشون فيه . وتؤكد أن أعراضًا مثل الاكتئاب الحاد والقلق واضطرابات النوم قد تظهر، إذ تتحول الطقوس الرمضانية إلى محفزات للذاكرة.

وتضيف أن "ذنب الناجي" يبرز بقوة في رمضان، حين يسأل كثيرون أنفسهم لماذا بقوا وحدهم، مشيرةً إلى أن هذا الإحساس قد يقود إلى انسحاب اجتماعي أو جلد للذات إذا تُرك دون دعم.

وتنوه بأن فقدان عائلة كاملة يربك المراحل الطبيعية للحزن، وأن تكثف الزيارات وصلة الرحم في رمضان يصطدم بواقع أن الناجي لم يعد يملك أحدًا، ما يخلق حزنًا مركبًا يمزج الشوق بالصدمة وإحساس انقطاع الجذور.

وتتابع أنه على مستوى الهوية، فإن محو العائلة من السجل المدني لا يبقى حدثًا إداريًا فقط، بل ينعكس كشعور باهتزاز الانتماء؛ ما يدفع الناجي للتساؤل عمّن ينتمي إليهم، وهنا تصبح حماية ذكريات العائلة جزءًا من حماية الهوية النفسية.

ورغم ذلك، تؤكد أن بعض الناجين يظهرون قدرًا لافتًا من الصمود عبر العمل أو التطوع أو رعاية من تبقى من الأقارب، وقد يجدون في البعد الروحي للشهر عزاءً يساعد على إعادة بناء توازن نفسي هش.

وتشدد على أن الدعم الأكثر فاعلية يتمثل في إتاحة مساحات آمنة للكلام عبر الإرشاد النفسي الفردي أو مجموعات الدعم، لافتةً إلى أن التناول الإعلامي الحساس الذي لا يضغط على الناجي ولا يحصره في دور الضحية يمكن أن يكون جزءًا من الدعم بدل أن يكون عبئًا إضافيًا.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة