تقرير - شهاب
يطل شهر رمضان المبارك هذا العام على قطاع غزة، مثقلاً بالحنين والذكريات التي تملأ زوايا البيوت المدمرة والخيام المتهالكة، وفي مشهد الصمود الغزي، تبرز زوجات الشهداء كأيقونات للصبر، يحملن على أكتافهن أمانة التربية وثقل الفقد، ويحاولن ترميم أرواح أطفالهن بابتسامة تخفي خلفها جرحاً لا يندمل.
فبعد حرب أتت على الأخضر واليابس، وغيّبت بصمات كانت تملأ البيوت بهجة، تستعد زوجات الشهداء لاستقبال الشهر الفضيل بقلوب راضية بقضاء الله، لكنها مثقلة بشوق لمن كانوا بالأمس يشاركونهن الصلاة والسحور.
مسؤوليات كبيرة
دعاء أبو شعر أم لأربعة أطفال وزوجة الشهيد معاذ أبو شعر، تصف حال استقبال الشهر الفضيل بعد أيام طوال من الفقد، قائلة : " نحن على أعتاب شهر رمضان المبارك بعد أيام ثقال مرّت وقد فقدنا أحبة لنا كانوا معنا، عشنا معهم أجمل التفاصيل ولنا معهم في كل زاوية ذكرى".
وتضيف بلهجة يملؤها الإيمان، في حديثها لوكالة شهاب، "نحن شعب عاش الويلات والحرب بكل صورها البشعة، لكننا في الوقت ذاته نحمد الله أننا مسلمون نعظم شعائره، وأسأل الله أن يمسح هذا الشهر على أحزان قلوبنا".
وتشير أبو شعر إلى المسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتق زوجات الشهداء، قائلة: "ما أثقل أحمالنا ومسؤولياتنا ونحن نحاول تلبية احتياجات أبنائنا في ظل هذه الظروف الصعبة، فمن حق هؤلاء الأطفال أن يفرحوا ويعظموا شعائر الله، وما أحوجهم اليوم للاحتضان وجبر الخواطر".
وتتابع،"كل عام وشهداؤنا في نعيم لا ينفد، وكل عام وزوجات الشهداء بصبر وثبات وقدرة على تحمل هذه الأيام الصعبة وعزيمة لا تلين".
غصة الفقد
أما أم ساجد أبو مسامح، زوجة الشهيد عماد أبو مسامح، فترى أن الوجع الحقيقي يتضاعف حين تأتي المناسبات السعيدة في غياب الأحبة.
وتقول أم ساجد بمرارة في حديثها لشهاب، : "ليس الوجع في أيام الفقد العادية، بل حين يأتي الشهر المبارك وتكون بحاجة لمن يشاركك فيه بكل حب، تزيد الذكريات والمواقف عند الإفطار والسحور، وبالكاد أستطيع إيقاف دموعي وكبتها حتى لا يشعر أطفالي بالحزن وتتحول فرحتهم لغصة".
وتستذكر أم ساجد تفاصيل كانت تصنع رمضانهم، مضيفة: "أحاول تعويضهم بقدر المستطاع، لكن والله لا شيء يعوض لحظة وجوده بيننا، يشاركنا الضحكات والتجهيز للسفرة، وصلاة الجماعة بصوته الهادئ المريح، نفتقد حضوره بكل معاني الألم".
وتتابع بقلب صابر: "فقده غصة لا تداويها إلا الدعوات، وأسأل الله أن يكرمني بتمام الرضا واليقين، وأنه ما أخذ إلا لُيعطي ويدهش ويُجبر قلوبنا جبر يتعجب منه أهل السموات والأرض وأن يكون رمضانه في الجنة أجمل مع النبيين والصديقين والصالحين".
غياب السند
وتروي بنان الطنطاوي، زوجة الشهيد محمد، تفاصيل استقبالها لشهر رمضان وهي تحمل في قلبها غياباً موجعاً، تقول: " كنت بتمنى رمضان يجي و يكون زوجي معي، لأنه كان دايماً يعمل إلنا أجواء خاصة، نخرج في أول ليلة من رمضان نلف على المحلات ونشتري لوازم رمضان، ونروح لصلاة التراويح مع بعض، وكان يعطي روح لكل مناسبة، أما الآن فكل هذه المظاهر غابت بغيابه بالنسبة إلي."
وتضيف، في حديثها لشهاب، "رغم الغصة في قلبي، بحاول قد ما أقدر ما أحرم بنتي من أجواء رمضان، فزينت الخيمة واشتريت لها فانوس رمضان، وبعمل كل هذه الأشياء عشان أظهر قوية وعشان طفلتي".
وتوضح الطنطاوي ثقل المسؤولية التي ألقيت على عاتقها بعد فقدان زوجها: "المهمة صعبة جداً، كنت عزيزة كثير عند زوجي، ما كنت أحمل هم شيء، وما كنت أطلب شيء إلا ألاقيه عندي، أما اليوم أنا الأب والأم معاً".
وتتابع، "صحيح فقدت زوجي وسندي، لكن الحمد لله صابرة ومحتسبة الأجر من الله، ومتيقنة إنه ربنا راح يعيني ويقف معي، لأنه نحن نساء غزة صبرنا كثير وقدمنا كثير."
وتردف، "رمضان ناقص بفراق زوجي، لكن الحمد لله على نعمة الشهر الفضيل ، فهو بمثابة سلوى لنا وطبطبة على قلوبنا، حتى نشكي همنا لله ونكون قريبين منه لنزداد قوة في مواجهة هذه الحياة."
وتشير تقارير الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، إلى أن هناك أكثر من 1.1 مليون امرأة في قطاع غزة، بينما فقدت 2% منهنّ تحت سن الـ35 أزواجهن وترمّلن في سن مبكر.
وارتكبت "إسرائيل" حرب إبادة جماعية في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، أسفرت عن استشهاد أكثر من 72,063 وإصابة نحو 171,726، إضافة إلى دمار واسع في البنية التحتية والمنازل والمحلات التجارية.
