خاص _ شهاب
عاشت مدينة "تل أبيب" ووسط "إسرائيل" ليلة جديدة ثقيلة تحت وقع الضربات الإيرانية، بعدما دوت صفارات الإنذار مرات متتالية قبيل الفجر، واضطر المستوطنون للنزول مرارًا إلى الملاجئ والغرف المحصنة، في مشهد عكس استمرار قدرة طهران على إبقاء الجبهة الداخلية "الإسرائيلية" تحت الضغط رغم مرور ما يقارب أسبوعين على بدء الحرب.
وأكدت وكالة رويترز أن ملايين "الإسرائيليين" دُفعوا ليلًا إلى الملاجئ بعد تحذيرات من إطلاق صواريخ إيرانية نحو "إسرائيل"، فيما دوّت انفجارات الاعتراض في الظلام مع هرع المستوطنون إلى أماكن الاحتماء.
وبحسب وكالة "أسوشيتد برس"، رصد الجيش "الإسرائيلي" أربع دفعات صاروخية خلال ساعات الليل وحتى فجر الأربعاء، بينها دفعات أطلقت صفارات الإنذار في "تل أبيب" ومناطق واسعة من وسط البلاد.
وقالت الوكالة إن الإنذار الثالث خلال الليل شمل "تل أبيب" نفسها، بينما أعلنت خدمات الطوارئ "الإسرائيلية" أن الدفعات الأربع لم تُسفر، حتى تلك اللحظة، عن إصابات بشرية، رغم سماع ما وُصف بأنه ارتطامات صغيرة قرب تل أبيب، كما أفاد "تايمز أوف إسرائيل" بأن دفعة جديدة عند الساعة 3:45 فجرًا أطلقت إنذارات في "تل أبيب" ومناطق أخرى بوسط "إسرائيل".
هذا التتابع السريع للإنذارات ترك المدينة في حالة استنزاف نفسي وأمني، إذ لم تعد المشكلة مقتصرة على ضربة واحدة أو إنذار منفرد، إنما على تكرار متقارب أجبر المستوطنون على مقاطعة نومهم والتنقل المتكرر بين الشوارع والملاجئ والمباني المحصنة.
وتُظهر صور وكالة "رويترز" من "تل أبيب" أشخاصًا يركضون للاحتماء أثناء الغارات، فيما وثقت صور أخرى انفجارات ناتجة عن سقوط مقذوفات أو شظايا داخل المدينة ومحيطها، إلى جانب تدخل فرق الإطفاء في مواقع متضررة.
وما زاد من صعوبة الليلة على "تل أبيب" أن جزءًا مهمًا من التهديد الإيراني لم يعد يقتصر على الصواريخ التقليدية، إنما يشمل الصواريخ أو الرؤوس الحربية الانشطارية، غير أن الرواية الدقيقة المتاحة علنًا لا تقول إن "أغلب" الصواريخ كانت انشطارية، بل إن مسؤولًا عسكريًا "إسرائيليًا" قال لأسوشيتد برس إن نحو نصف المقذوفات التي تطلقها إيران باتت من هذا النوع، مع استخدام "شبه يومي" لهذه الذخائر، وفق ما نقله المتحدث العسكري "الإسرائيلي ناداف شوشاني".
وأوضحت الوكالة أن هذه الرؤوس تحتوي عادة بين 20 و24 ذخيرة فرعية، وأنها تشكل تحديًا خاصًا لأنظمة الاعتراض إذا تفرقت قبل تدمير الصاروخ الأصلي.
وتكمن خطورة الصواريخ الانشطارية في أنها لا تحول السماء إلى مسار واحد لصاروخ واحد، إنما إلى عدة أجسام صغيرة متناثرة فوق مساحة واسعة، وهو ما يعقد مهمة الدفاعات الجوية، ونقلت "أسوشيتد برس" عن الباحث "الإسرائيلي" يهوشوع كاليِسكي قوله إن منظومة "آرو" تؤدي دورًا جيدًا في اعتراض الصواريخ الباليستية، لكن إذا انطلقت الذخائر الفرعية قبل إسقاط الصاروخ، فليس هناك الكثير مما يمكن فعله.
وأضافت الوكالة أن "القبة الحديدية" ليست مصممة أصلًا لتدمير الذخائر الصغيرة بعد تشتتها إلى عشرات الأجزاء، ما يفسر تصاعد القلق داخل المناطق السكنية المكتظة في وسط "إسرائيل"، حيث تكون السيارات والواجهات التجارية والأشخاص في الخارج أكثر عرضة للخطر.
لهذا، فإن صعوبة الأوضاع في "تل أبيب" الليلة الماضية لم تنبع فقط من عدد الدفعات الصاروخية، إنما من طبيعة السلاح المستخدم أيضًا، فالمدينة لم تواجه مجرد تهديد بالاعتراض أو السقوط المباشر، إنما تهديدًا مركبًا يقوم على الاستنزاف المتكرر، والإنهاك النفسي، والاحتمال الدائم لتناثر ذخائر صغيرة فوق مناطق حضرية كثيفة، وهذا ما يفسر تركيز قيادة الجبهة الداخلية "الإسرائيلية" والشرطة على التحذير من عدم لمس أي جسم مشبوه أو ذخائر غير منفجرة، بعد العثور على صور منشورة لذخائر فرعية غير منفجرة داخل "إسرائيل".
وفي موازاة ذلك، تبدو الصورة العامة لما جرى في "تل أبيب" خلال الليل أقل وضوحًا مما كانت عليه في جولات سابقة، بسبب تشديد القيود على التغطية الحية، فقد أشار "تايمز أوف إسرائيل" إلى أن الجيش حظر البث المباشر الذي يظهر أفق المدن لحظة انطلاق الصفارات أو أثناء الهجمات، في إطار تشديد الرقابة العسكرية خلال الحرب، وهذا يعني أن ما يظهر من مشاهد وأضرار لا يعكس بالضرورة كامل الصورة الميدانية في الوقت الفعلي، حتى مع استمرار تداول بعض الصور ومقاطع ما بعد الضربات.
ورغم أن الضربات الصاروخية التي استهدفت "تل أبيب" خلال الليل لم تُسفر عن حصيلة كبيرة من الإصابات المباشرة جراء سقوط الصواريخ، فإن خدمات الإسعاف "الإسرائيلية" سجلت عددًا من الحالات المرتبطة بحالة الذعر أثناء إطلاق صفارات الإنذار.
ووفق تقارير نقلتها وسائل إعلام "إسرائيلية" عن خدمة الإسعاف نجمة داوود الحمراء، أصيب عدد من الأشخاص بجروح طفيفة أثناء اندفاعهم نحو الملاجئ أو أثناء محاولتهم الوصول بسرعة إلى الغرف المحصنة بعد تفعيل الإنذارات الصاروخية في "تل أبيب" ووسط "إسرائيل".
كما تحدثت التقارير عن حالات إغماء وصدمة نفسية بين السكان، خاصة بعد تكرار صفارات الإنذار عدة مرات خلال ساعات الليل، ما أجبر آلاف المدنيين على النزول المتكرر إلى الملاجئ.
ويقول خبراء الطوارئ إن مثل هذه الإصابات تُعد شائعة خلال الهجمات الصاروخية المكثفة، إذ غالبًا ما تنتج عن التدافع أو السقوط أثناء الركض إلى الملاجئ أو بسبب التوتر النفسي الناتج عن الإنذارات المتكررة.
وتشير هذه الحالات إلى حجم الضغط الذي تعيشه الجبهة الداخلية "الإسرائيلية"، حيث لا تقتصر آثار الضربات الصاروخية على الخسائر المباشرة، إنما تمتد إلى التأثير النفسي والإنساني على المستوطنين الذين يقضون ساعات طويلة في الملاجئ في ظل استمرار إطلاق الصواريخ.
في المحصلة، تكشف ضربات إيران على "تل أبيب" الليلة الماضية أن المدينة دخلت مرحلة من الضغط المتواصل لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي سقطت، إنما بعدد المرات التي أُجبر فيها المستوطنون على قطع حياتهم والنزول إلى الملاجئ، وبقدرة الصواريخ الانشطارية على تحويل سماء المدينة إلى مساحة تهديد متعددة الأجسام، وبينما تقول التقارير الأولية إن دفعات الليل لم تُسفر عن قتلى أو مصابين، فإن المعنى الأوسع لما جرى هو أن وتيرة الاستنزاف ما زالت مستمرة، وأن "تل أبيب" لا تزال تعيش تحت إنذار مفتوح كلما دوّت الصفارات من جديد.
