كشف تحقيق جديد للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن وقائع استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي لعائلة مدنية في خان يونس جنوبي قطاع غزة في فبراير/شباط 2024.
وقال المرصد في تحقيق نشره يوم الثلاثاء، إن الاستهداف شمل قصف المنزل، وقتل أفراد من العائلة بنيران القنص، وعرقلة إسعاف المصابين وانتشال الجثامين ودفنها، إضافة إلى الاعتقال التعسفي لمن تبقى على قيد الحياة وما رافقه من انتهاكات جسيمة، وذلك ضمن سياق الإبادة الجماعية المتواصلة ضد الفلسطينيين في قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأضاف أن التحقيق تضمّن عملًا استقصائيًا ميدانيًا حول هجوم جوي نفّذه جيش الاحتلال على منزل عائلة "العويني" بطائرات مسيّرة ثلاث مرات على الأقل دون سابق إنذار أو تحذير، أعقبه قنص جنود إسرائيليين أفرادًا من العائلة في محيط مجمع ناصر الطبي، وتركهم ينزفون حتى الموت، مع عرقلة إسعافهم وانتشال جثامينهم ودفنها.
وفي تفاصيل الجريمة، في حوالي الساعة 11:00 صباحًا من يوم الأحد الموافق 11 فبراير/شباط 2024، شن جيش الاحتلال هجومًا على منزل العائلة القريب من مجمع ناصر الطبي، حيث قصفت طائرة مسيرة المنزل بصاروخ واحد على الأقل دون أي سابق إنذار، ما أدى إلى إصابة عبد الله إبراهيم العويني (29 عامًا) بجراح بالغة في بطنه.
وعندما صعد والده إبراهيم (56 عامًا) خلفه للاطمئنان عليه وتفقد ما حدث، فوجئ – على درج المبنى مفتوح السقف – بطائرة مسيرة من نوع "كواد كابتر" تُصوره من مسافة قريبة، قبل أن تستهدفه عدة مرات بمقذوفات متشظية، فأصيب بشظايا في رأسه وظهره إلى أن فقد وعيه.
وعلى إثر ذلك، سارع الأشقاء حسام (27 عامًا) وسعد (22 عامًا) وحسن (33 عامًا) وأنس (18 عامًا) لنجدة شقيقهم، فحملوه محاولين إسعافه ونقله إلى مجمع ناصر القريب من منزلهم. وبينما كانوا يتوجهون إلى المستشفى سيرًا على الأقدام، استهدفهم قناصة إسرائيليون تمركزوا فوق أسطح مبانٍ مجاورة، ما أدى إلى إصابة الشقيقين "حسام" و"سعد" بجروح خطيرة، وسقطا بالقرب من سور المجمع إلى جانب شقيقهما "عبد الله"، الذي كان أُصيب سابقًا جراء استهداف المنزل.
وحسب شاهد عيان من الجيران، حاول "حسام" و"سعد" الزحف بعد إصابتهما، فتعرضا لإطلاق نار القناصة مرة أخرى.
وفي حين نجا الشقيقان الآخران: "حسن"، الذي يعمل ممرضًا في مجمع ناصر، و"أنس" (الأصغر سنًا)، لم يتمكن أحد من العائلة أو من السكان المتبقين في المنطقة من الاقتراب لإنقاذ الجرحى؛ خشية أن يلقوا المصير ذاته، نظرًا لاستمرار القناصة في استهداف كل جسم متحرك في محيط المستشفى.
كما حالت غزارة النيران دون تمكنهم من إسعاف والدهم أو نقله، رغم إصابته هو الآخر جراء القصف الذي طال المنزل.
وفي خضم تلك الأحداث، خرجت الأم تهاني غازي مصطفى حمدان (55 عامًا) مع زوجها المصاب "إبراهيم" وحاولت الوصول إلى المستشفى، ففوجئت بأبنائها ملقين على الأرض ومضرجين بدمائهم جراء رصاص القناصة.
ورغم مناشدة ابنها الناجي "حسن" لها بالعودة إلى المنزل حفاظًا على حياتها، إلا أنها لم تقو على تركهم دون غوث؛ فعاد الابن مع والده "إبراهيم"، وسلكت هي طرقًا التفافية لتفادي النيران حتى وصلت إلى بوابة مجمع ناصر.
وأضاف التحقيق "هناك، استهدفتها رصاصة قناص أصابت ساقها، لكن إصابتها لم تثنها عن مواصلة طريقها نحو قسم الطوارئ لطلب النجدة، غير أن حصار الجيش المطبق للمستشفى، واستهدافه لكل جسم متحرك في محيطه، حال دون تمكن الطواقم الطبية من الاستجابة؛ إذ وقفوا عاجزين عن الخروج لإسعاف الأشقاء الثلاثة، أو حتى انتشال جثامينهم بعد استشهادهم".
وفق إفادة شاهد عيان لفريق الأورومتوسطي، فإن الرصاص أُطلق مجددًا على المصابين أثناء محاولتهما الزحف، ما يوضح التعذر الفعلي للإخلاء في ظل كثافة الاستهداف في محيط المجمع.
وأضاف "بعد تلقيها العلاج، لم تتمكن الأم من مغادرة المستشفى؛ إذ اضطرّت للبقاء فيه بناءً على توصية الطاقم الطبي، خشية أن تُستهدف إذا ما حاولت الخروج، فتلقى المصير ذاته الذي لقيه أبناؤها".
وتابع "ظلت الأم داخل المجمع لأربعة أيام، إلى أن أجبر جيش الاحتلال، بتاريخ 14 فبراير/شباط 2024، جميع المتواجدين في الداخل على الإخلاء القسري نحو الجنوب، تمهيدًا لاقتحام المجمع".
وخلال تلك الفترة، تُركت جثامين الأشقاء الثلاثة ملقاة في الشارع أمام سور المستشفى، دون أن يتمكن أحد من الوصول إليها لدفنها أو حتى الاقتراب منها. ولم تملك الأم سوى مراقبة جثامين أبنائها يوميًا عبر فتحة في السور، عاجزة عن فعل أي شيء، إلى أن اجتاح الجيش الإسرائيلي المنطقة وطمس معالمها بالتدمير والتجريف.
وبعد انسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة، تكشّف مشهد مروع أمام طواقم الإسعاف والعائلات؛ إذ حالت الظروف القاهرة والقيود المشددة دون التمكن من انتشال الجثامين المتكدسة، أو تحديد هويات أصحابها، أو مواراتهم الثرى بكرامة.
وحسب التحقيق، دُفن جثمان أحد الأشقاء من عائلة العويني على عجل ضمن مقبرة جماعية في حي "النمساوي" قبل أن تحظى عائلته بفرصة وداعه، مما أجبر الوالد لاحقًا على نبش موضع الدفن بنفسه للتحقق من هوية ابنه، فيما ظل مصير جثماني الشقيقين الآخرين مجهولًا بعد طمس معالم المنطقة.
وأشار المرصد إلى أن الانتهاكات التي طالت هذه الأسرة لم تقتصر على قتل الأشقاء الثلاثة وترك جثامينهم دون انتشال، بل امتدت لتستهدف من تبقى من أفرادها عبر الاعتقال والتعذيب داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية.
وقال: "في 13 فبراير/شباط 2024، وقبيل إجبار النازحين على إخلاء المستشفى بيوم واحد، اقتحمت القوات الإسرائيلية منزل العائلة في محيط المجمع، واعتقلت الوالد الجريح إبراهيم من داخل المنزل، ومعه ابناه حسن وأنس".
وأضاف "وبعد ثماني أيام، أفرج الجيش عن أنس، فيما أفرج عن إبراهيم بعد 36 يومًا من اعتقاله، بينما أبقى حسن رهن الاحتجاز إلى أن أُفرج عنه ضمن صفقة تبادل الأسرى والمعتقلين التي نُفذت عقب دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025".
وخلال فترات احتجازهم، ووفق إفادات الأسرة، تعرض "إبراهيم" و"حسن" و"أنس" للتعذيب والمعاملة اللاإنسانية، بما في ذلك الاعتداءات الجسدية العنيفة، والتجويع، والحرمان من النوم، والعزل، ومنع الاتصال بالعالم الخارجي.
وأظهرت نتائج التحقيق أن المنزل المستهدف كان مرفقًا مدنيًّا بحتًا، خاليًا تمامًا من أي مظاهر عسكرية أو أهداف مشروعة يمكن أن تبرر الاستهداف بموجب "الضرورة العسكرية" المنصوص عليه في المادتين (51) و(52) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف (1977).
وبناءً عليه، يغيب أي أساس ظاهر يبرر استهدافهم بالقتل أو الاعتقال، أو قصف منزلهم دون أي إنذار مسبق أو تدابير احترازية.
وخلص الأورومتوسطي إلى أن ما جرى يندرج ضمن نمط أوسع تتبعه القوات الإسرائيلية عند اجتياحها أو بسط سيطرتها على مناطق بعينها، يقوم على تحويلها فعليًا إلى "مناطق قتل"، بحيث يُعامل كل من يتواجد داخلها بوصفه هدفًا مفترضًا، ويُواجه بالقتل أو الإصابة أو الاعتقال.
وأشار إلى أن جريمة استهداف عائلة "العويني"، عند قراءتها في سياقها المباشر ضمن حصار مجمع ناصر الطبي، وبعد استعراض الوقائع المادية، تُشكل نموذجًا تطبيقيًا مكثفًا للأركان المادية والمعنوية المكونة لجريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
وأكد أنه في هذه الواقعة تتضافر مؤشرات قاطعة على توافر الأنماط السلوكية المحظورة بموجب المادة الثانية من اتفاقية منع الإبادة الجماعية، بدءًا من القتل العمد لأفراد جماعة محمية، مرورًا بإلحاق الأذى البدني والنفسي الجسيم بهم، ووصولًا إلى إخضاعهم عمدًا لظروف معيشية يراد بها إهلاكهم الفعلي.
وطالب المرصد مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية باعتماد ملف عائلة "العويني" بوصفه "حالة نموذجية كاشفة"؛ كونه يجمع في طياته كافة العناصر المادية المكونة لجريمة الإبادة الجماعية.
ودعا لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة والمقرر الخاص المعني بالتعذيب إلى تكثيف التوثيق والتحقق بشأن نمط الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون، ولا سيما المعتقلون من قطاع غزة، داخل السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية.
وطالب الأورومتوسطي بممارسة ضغط فعّال لتمكين فرق دولية مستقلة في الطب الشرعي من الدخول العاجل إلى قطاع غزة والوصول إلى جميع مواقع الدفن، بما في ذلك المقابر الجماعية ومواقع الدفن الاضطراري، لإجراء تحقيق مهني شامل يتضمن توثيق ملابسات الدفن واستخراج الرفات عند اللزوم، وتحديد هويات الضحايا وأسباب الوفاة قدر الإمكان.
وناشد المجتمع الدولي بفرض عقوبات شاملة وفورية على "إسرائيل"، تشمل حظرًا كاملًا لتصدير الأسلحة والذخائر وتقنيات المراقبة، وتحديدًا الطائرات المسيرة (من أنواع كواد كابتر وهيرميس) وبنادق القنص الدقيقة، التي ثبُت استخدامها بشكل منهجي في تصفية عائلة "العويني" والمدنيين في القطاع.
ودعا إلى فرض عقوبات فردية موجهة، تشمل تجميد الأصول وحظر السفر، ضد القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين المتورطين في إصدار أوامر وتنفيذ الجرائم ضد الفلسطينيين، ومقاطعة الشركات التجارية والتكنولوجية التي يثبت تورطها في تزويد الاحتلال بالأدوات المستخدمة في ارتكاب هذه الجرائم.
وحث الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف على تفعيل التزاماتها باستخدام الولاية القضائية العالمية في محاكمها الوطنية لملاحقة المتورطين في هذه الانتهاكات، خاصة حملة الجنسيات المزدوجة.
وطالب المرصد بتبنّي آليات دولية شاملة وملزمة لضمان جبر الضرر لضحايا الجرائم المرتكبة في قطاع غزة.
