تقرير /شهاب
وجدت النازحات الغزيات في مصر، اللواتي نزحن قسرًا تحت وطأة الإبادة الجماعية والقصف والدمار، أنفسهن نازحات في بلد غريب، بلا حقوق قانونية، وبدون مصدر دخل يضمن لهن حياة كريمة مع أطفالهن، سيما وأن غالبية النازحات غادرن غزة لظروف صحية دون أزواجهن، وكن يعتقدن بأن نزوحهن سيكون مؤقتًا وقصيرًا، وستنتهي الحرب ويعودون إلى غزة، لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا مع استمرار الحرب لأكثر من عامين.
الغربة القسرية دفعت هؤلاء النساء للبحث عن مصادر رزق لتكون وسيلة لإعالة أسرهن وتغطية احتياجاتهن الأساسية التي تتصاعد بشكل يومي بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية في مصر، فكانت المشاريع النسائية الصغيرة المرتكز الأول لبناء حياة كريمة لهذه الأسر من داخل البيوت.
تحديات قاسية
لم تكن أمل أبو رويدة (35 عامًا) تتخيل أن تتحول من ربة منزل تعيش الحياة العادية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة إلى صاحبة مشروع صغير تعيل أسرتها في مصر. فقبل الحرب، كانت أمل تقضي أيامها بين منزلها وأطفالها الأربعة في حياة هادئة نسبيًا، إلى أن الحرب الإسرائيلية على غزة والقصف الإسرائيلي على منزلها قلب حياتها رأسًا على عقب بعد استهداف منزلها وتدميره.
وتقول لـ"شهاب": "بعد قصف منزلي واستشهاد زوجي وإصابة أطفالي، تم تحويلنا عبر وزارة الصحة الفلسطينية إلى مصر للعلاج، ولم أكن أتوقع أن يطول بقاؤنا كل هذه المدة، حيث كان الحديث حينها أن الحرب ستنتهي قريبًا وسيتم إعادة المرضى إلى غزة".
وتضيف: استقرت مع أطفالها في شقة صغيرة بمنطقة المقطم في القاهرة، لكن الواقع الجديد سرعان ما فرض عليها تحديات قاسية، إذ وجدت نفسي فجأة مسؤولة عن إعالة أربعة أطفال في بلد جديد، دون مصدر دخل أو عمل.
وتتابع: بعد تفكير طويل، قررت استثمار مهارتي في إعداد الأطعمة الغزاوية التي اعتدت تحضيرها لعائلتي في غزة، فبدأت بإعداد بعض الأطباق المنزلية وبيعها عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى نشر إعلانات بسيطة في مجموعات خاصة بالجالية الفلسطينية في مصر.
وتوضح: "بدأت بكميات قليلة جدًا من الطعام، مثل المسخن وبعض الأكلات الغزاوية التي يحبها الفلسطينيون، ولم تمضِ أشهر قليلة حتى بدأت الطلبات تتزايد تدريجيًا، خاصة من أبناء الجالية الفلسطينية في القاهرة، إلى جانب مصريين أرادوا تجربة المطبخ الغزاوي".
وتتابع أمل: "تفاجأت بالإقبال الكبير على الأكلات، ومع الوقت أصبح لدي زبائن دائمون ينتظرون ما أعدّه من طعام"، وأصبح مطبخي مصدر رزق أساسي لي ولأطفالي، إذ يوفر لي دخلًا يساعدني على تغطية احتياجات الأسرة اليومية في ظل ظروف النزوح الصعبة.
وتنوه: "لم أتخيل يومًا أن يصبح مطبخي مشروعًا أعيش منه، لكن النزوح علّمنا أن نحاول الوقوف مجددًا مهما كانت الظروف، هذه الحرب غيرت حياتنا بالكامل".
حياة كريمة
أما سارة صيدم، البالغة من العمر 48 عامًا، فلم تتخيل للحظة أن تتحول هوايتها القديمة في التطريز والخياطة إلى مصدر رزق تعيل به أسرتها بعد أن دفعتها الحرب إلى النزوح من منزلها في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة.
تقول: "بعد وصولنا إلى القاهرة مع عائلتي هربًا من أهوال الحرب، وجدت نفسي في مواجهة واقع صعب، إذ لم يكن لدى الأسرة أي مصدر دخل، في وقت لا تمنح فيه مصر للفلسطينيين أي نوع من الإقامة، على غرار بقية النازحين واللاجئين إليها من دول العالم، تتيح لهم هذه الإقامات العمل بسهولة داخل الشركات والمؤسسات".
وتستطرد: هذه الأزمة دفعتنا للتفكير طويلًا في كيفية تأمين دخل يساعد الأسرة على مواجهة تكاليف الحياة المتزايدة، قبل أن تهتدي في النهاية إلى استثمار مهارتها القديمة في التطريز الفلاحي الفلسطيني، مؤكدة: "على مدار سنوات حياتي كان لدي شغف كبير في التطريز، وفي غربتي قررت أن أحوله إلى عمل يمكن أن يوفر لعائلتي حياة كريمة".
وتتابع: توجهت إلى بعض المحلات التجارية التي تبيع المنتجات التراثية، بما فيها المنتجات الفلسطينية، وعرضت عليهم نماذج من مطرزاتي وأعمالي اليدوية التراثية، ولم تمضِ فترة طويلة حتى لاقت أعمالي قبولًا واسعًا، ما شجعني على الاستمرار في إنتاج المزيد من القطع المطرزة والمبدعة.
وتضيف: مع تزايد الطلب، بدأت بتطريز الحقائب والقمصان والإكسسوارات وبعض القطع التراثية الأخرى، ثم توسع عملي لاحقًا عبر إنشاء صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي لعرض منتجاتها وبيعها عبر الإنترنت.
وتوضح: "مع الوقت بدأت الطلبات تصلني من داخل مصر، ثم من دول عربية أخرى، وحتى من خارج المنطقة، مما دفعني لافتتاح ورشة صغيرة مع بعض المهتمات بالأعمال اليدوية والتطريز الفلاحي، تشمل الحقائب والملابس وبعض الأدوات المصنوعة بالتطريز الفلسطيني، فيما يشاركها في العمل زوجها وابنتها الكبرى، وهي طالبة جامعية تدرس في قسم إعداد الوسائط، وتساعدها في إدارة الصفحة الإلكترونية والتسويق للمنتجات".
وتقول سارة إن هذا المشروع أصبح مصدر الدخل الأساسي للأسرة، إذ يساعدها على إعالة عائلتها ودفع إيجار المنزل وتغطية احتياجات الحياة اليومية في ظل ظروف النزوح.
فيما تقول عبير أبو دقة، 40 عامًا، إنها لم تتخيل أن حياتها ستتبدل إلى هذا الحد بعد أن دمّر القصف الإسرائيلي منزلها والحي الذي كانت تسكن فيه، مما أدى إلى إصابة عدد من أطفالها، وجري تحويلها للعلاج في مصر، إلى أن انتهت من العلاج وانتقلت إلى مدينة العاشر من رمضان في مصر أملًا في الاستقرار المؤقت إلى أن يتمكن زوجها من اللحاق بها، لكن إغلاق المعبر حال دون ذلك.
وتقول عبير: "وجدت نفسي مع سبعة أطفال، دون مصدر دخل، وأمام مسؤوليات كبيرة تتطلب توفير الطعام والإيجار وكل أساسيات الحياة اليومية".
وتضيف: في مواجهة هذا الواقع الصعب، بدأت أفكر في كيفية تأمين مصدر رزق مستقل يمكنني من إعالة أطفالي، وقد شجعتني بعض الصديقات بإنتاج الحلويات الفلسطينية المنزلية التي كانت تميزني بين نساء عائلتي في غزة، كما تلقيت دعمًا كبيرًا من نساء الجالية الفلسطينية في مصر نظرًا لأنني أم لعدد كبير من الأطفال.
وتتابع: بدأت بصنع الحلويات التقليدية وبيعها، لأصبح بعد شهور قليلة واحدة من أشهر النساء صاحبات المشاريع المنزلية ضمن الجالية الفلسطينية والنازحين في المنطقة.
التكيف مع الغربة
وتتابع عبير: "بدأت بالحلويات، ولكن مع تزايد الطلب والرغبة في تقديم المزيد من المنتجات الفلسطينية، توسعت لاحقًا لتشمل القهوة، الدقة، الزعتر والتوابل الفلسطينية، ليصبح منزلي مصدرًا متكاملًا للمنتجات الفلسطينية الأصيلة ومصدر دخل ثابت يساعدني على تغطية احتياجات أسرتي، ويمنحني الاستقلالية التي كنت أحلم بها منذ وصولي إلى مصر".
من جانبها، قالت الأخصائية النفسية والاجتماعية عطاف العبسي إن تجربة النزوح القسري لنساء غزة إلى مصر كانت مليئة بالتحديات النفسية والاجتماعية منذ اللحظة الأولى لوصولهن، فالكثير منهن فقدن بيوتهن وممتلكاتهن واضطررن لمواجهة خوف مستمر على حياة أطفالهن واحتياجاتهم الطبية في بيئة غريبة وبدون شبكة دعم محلية، ما جعل الشعور بالعجز والوحدة مسيطرًا في البداية.
وأضافت العبسي أن المشاريع الصغيرة لعبت دورًا محوريًا في التكيف مع الغربة وتحقيق بعض الاستقرار النفسي، فبمجرد أن بدأ النساء بالعمل على مشاريعهن، سواء في الطهي أو التطريز أو بيع المنتجات التراثية، شعرن بأن لديهن هدفًا وأن حياتهن لم تتوقف عند النزوح فقط.
وأكدت أن هذه الأنشطة ساعدت النساء على إعادة بناء الثقة بالنفس، لأن كل مشروع صغير يمثل إنجازًا ملموسًا يمنحهن شعورًا بالفعالية والقدرة على مواجهة التحديات.
وتابعت العبسي: "أن الاتجاه للعمل والمشاريع أعاد للنساء إحساس السيطرة، وقلل التوتر داخل الأسرة، خصوصًا بين الأمهات وأطفالهن، كما أن مشاركة بعض الأطفال في الأعمال البسيطة ساعد على تعزيز روح التعاون والمسؤولية داخل الأسرة".
وعن الجانب الاجتماعي، قالت الأخصائية: "المشاريع الصغيرة لم تكن مصدر دخل فقط، بل كانت أيضًا منصة لبناء شبكات دعم بين النساء النازحات، تبادل الخبرات ومساعدة بعضهن البعض ساعد على تخفيف شعور الوحدة وبناء شعور بالانتماء والأمان النفسي"، لافتة إلى أن أبرز التحديات كانت القلق المالي، وعدم الثقة بالنفس، والصعوبات القانونية المتعلقة بالعمل في بلد غريب.
وأكدت أن النساء تغلبن على هذه العقبات بالمثابرة والدعم المتبادل، مشيرة إلى أن الاستقلال المالي منح النساء قدرة أكبر على اتخاذ القرارات وعزز شعورهن بالتمكين والكرامة، وأعاد إليهن هيبة الاستقلال.
وختمت العبسي حديثها بالتأكيد على أهمية برامج الدعم المتكاملة، قائلة: "نجاح هذه المشاريع يعتمد على الجمع بين التدريب المهني، والدعم النفسي والاجتماعي، وتوفير فرص التمويل الصغير، وهذه التجربة يمكن أن تكون نموذجًا يُقتدى به لدعم النساء النازحات في أي سياق مستقبلي، لأنها تثبت قدرة المرأة على الصمود وبناء حياة كريمة رغم أصعب الظروف".
