تقرير ارتفاع الملوحة والتلوث الجرثومي والكيميائي في المياه الجوفية.. قنبلة موقوتة تهدد الأجيال القادمة

تقرير /شهاب

يقف قطاع غزة اليوم أمام واحدة من أخطر الأزمات البيئية والمائية في تاريخه؛ فالحرب الأخيرة وما رافقها من تدمير واسع للبنية التحتية الأساسية، خاصة شبكات المياه والصرف الصحي ومحطات المعالجة، أدت إلى تدهور جودة المياه بشكل حاد.

شهدت نوعية المياه في القطاع تراجعًا خطيرًا تمثل في ارتفاع مستويات الملوحة والتلوث الجرثومي والكيميائي، الأمر الذي جعل غالبية المياه غير صالحة للاستخدام الآدمي، وتحولت إلى تهديد مباشر للصحة العامة والبيئة، ولحقّ السكان في الحصول على مياه آمنة تضمن لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

كل صباح، تحمل أم محمد عدة أوعية بلاستيكية وتسير مسافة طويلة بحثًا عن نقطة يمكن أن تحصل منها على بعض المياه. تقف لساعات في طابور طويل مع عشرات النساء، تحت شمس حارقة أحيانًا وبرد قارس أحيانًا أخرى، على أمل أن يعود معها كمية من الماء تكفي لاحتياجات يوم واحد فقط.

معركة يومية

تقول أم محمد إن الحصول على المياه أصبح معركة يومية لا تقل قسوة عن بقية تفاصيل الحياة في قطاع غزة. وتضيف أن طعم المياه تغيّر بشكل واضح، كما أن رائحتها لم تعد كما كانت من قبل، لكنهم لا يملكون خيارًا آخر. توضح: "نعرف أن المياه ملوثة، لكن ماذا نفعل؟"

مع تدهور البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، وانتشار المكبات العشوائية وتسرب المياه الملوثة إلى التربة، باتت المخاوف من تلوث المياه متكررة يوميًا بين السكان. ورغم ذلك، يضطر كثيرون إلى استخدامها لعدم توفر بدائل حقيقية، في ظل الحصار والدمار الذي طال معظم مصادر المياه.

يقف أبو خالد قرب خزان المياه فوق سطح منزله، يتفقد لونه ورائحته قبل أن يسمح لأطفاله باستخدامه. يقول إن العائلة لم تعد تثق بأي مصدر للمياه، بعد أن تغيّر طعمها وازداد ملوحتها خلال الأشهر الأخيرة. ويوضح أن كثيرًا من السكان مقتنعون بأن معظم المياه في القطاع أصبحت ملوثة، سواء بسبب تسرب مياه الصرف الصحي، أو قرب المكبات العشوائية، أو نتيجة الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية خلال الحرب. ويضيف: "نعرف أن هذه المياه ليست آمنة، لكن لا توجد بدائل. المياه النظيفة أصبحت نادرة، والناس مجبرون على استخدام ما هو متاح".

بينما تتزايد المخاوف من اتساع التلوث في الخزان الجوفي، يرى كثير من سكان غزة أن الأزمة مرشحة للاستمرار لفترة طويلة، في ظل الدمار الواسع الذي طال قطاع المياه والصرف الصحي، وغياب أي حلول قريبة تعيد توفير مصادر آمنة للمياه.

من جانبها، تقول الباحثة ريم منصور في ورقة حقائق حول أزمة المياه الجوفية والتلوث البيئي بقطاع غزة: "يشكل القطاع واحدة من أكثر المناطق هشاشة مائيًا وبيئيًا في العالم، إذ تعتبر المياه الجوفية المصدر الوحيد لتلبية الاحتياجات المنزلية والزراعية والصناعية، ومصدرها الأساسي هو الخزان الساحلي الذي يغطي كامل القطاع".

وتشير منصور إلى أن القطاع يعاني من تلوث شديد نتيجة الاستنزاف المفرط للطبقات المائية، والتسرب التدريجي لمياه البحر المالحة، إضافة إلى تصريف كميات كبيرة من المياه العادمة غير المعالجة بسبب توقف محطات الصرف والتحلية.

تضيف أن هذه الظروف أجبرت السكان على البحث عن مصادر مياه غير مأمونة، بما في ذلك المياه المالحة أو الملوثة من الآبار، أو جمع مياه الأمطار من أسطح المنازل، ما زاد من انتشار الأمراض المنقولة بالمياه مثل الإسهال والتهابات الجهاز الهضمي. كما امتد التلوث أيضًا إلى الزراعة والبيئة المحلية، إذ تراكمت الملوحة والمواد الكيميائية في التربة، ما يجعل استعادة جودة المياه الجوفية أكثر صعوبة على المدى الطويل.

وتوضح منصور أن المقذوفات والمواد الكيميائية والبيولوجية والمواد المشعة الناتجة عن العمليات العسكرية بدأت تتسرب إلى الخزان الجوفي مع بداية هطول الأمطار، ما يزيد من خطورة الأزمة البيئية على الأجيال القادمة.

تهديدًا متفاقمًا

ويؤكد التقرير أن قطاع غزة يضم 2,200,000 نسمة، نصفهم تقريبًا من الأطفال، وهم يواجهون تهديدًا متفاقمًا جراء تداعيات الحرب. سجلت منظمة الصحة العالمية منذ بدء الحرب أكثر من 1,200,000 إصابة بالجهاز التنفسي، و570,000 حالة إسهال حاد، و103,000 إصابة بالقمل والجرب، و40,000 حالة التهاب كبد وبائي، وأكثر من 11,000 إصابة بجدري الماء، و65,000 حالة طفح جلدي، و100,000 حالة من متلازمة اليرقان الحاد، بالإضافة إلى 126 حالة التهاب سحايا و88 حالة شلل أطفال.

وتؤكد منصور أن أكثر من 80% من مرافق المياه، من شبكات وخطوط ومحطات ضخ وخزانات وأبار، دُمرت أو تضررت، ونسبة الآبار العاملة لا تتجاوز 17% فقط، وتعمل لساعات محدودة. أما محطات تحلية المياه الثلاثة، فإما خارج الخدمة أو تعمل جزئيًا بسبب نقص الكهرباء والوقود، ما يجعل كمية المياه المتاحة يوميًا أقل من 7% من طاقتها الأصلية.

وتشدد منصور على أن الأزمة البيئية والمائية في غزة لا تمثل كارثة آنية فحسب، بل تهديدًا طويل الأمد للحق في الحياة والصحة والكرامة الإنسانية، مطالبة بتحرك دولي عاجل لتأهيل الخزان الجوفي، وضمان وصول فرق الصيانة والطوارئ، وإجراء تقييم شامل للتلوث البيئي، وتأمين المعدات والوقود اللازم لتشغيل محطات المعالجة والشبكات المائية.

من جانبها، تقول الدكتورة إسلام الهبيل، المختصة في الهندسة البيئية والكيميائية، إن تسرب عصارة المكبات العشوائية يشكّل تهديدًا خطيرًا للصحة العامة. وتوضح أن هذه العصارة تحتوي على خليط شديد السمية يضم البكتيريا القولونية والفيروسات وبقايا الأدوية والمعادن الثقيلة مثل الرصاص والزئبق، إضافة إلى المركبات العضوية السامة والجسيمات البلاستيكية الدقيقة.

مخاطر التسمم المزمن

وتشدد على أن أي بئر يُحفر بالقرب من هذه المكبات يكون عرضة لمخاطر صحية جسيمة، حيث يُعد الأطفال والنساء الفئة الأكثر تأثرًا بالمضاعفات، مثل الأمراض المعوية والتسممات الكلوية والعصبية. كما تؤكد الهبيل أن التلوث لا يقتصر على النفايات المنزلية والطبية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى مخلفات القصف والذخائر والمتفجرات.

وتوضح أن المواد الكيميائية الناتجة عن الانفجارات، والمعادن الناتجة عن الشظايا، ومركبات المتفجرات التي تبقى في التربة، يمكن أن تنجرف مع مياه الأمطار أو عمليات الري نحو الخزان الجوفي، أو تترسّب في التربة، وهو ما ينعكس سلبًا على الصحة الزراعية والغذائية على المدى الطويل.

كما تشير إلى أن المواد السامة تتسرب إلى التربة وتترسّب في النباتات عبر عملية التراكم الحيوي لتصل لاحقًا إلى المستهلك عبر الأغذية أو الحيوانات، مما يضاعف مخاطر التسمم المزمن والأمراض طويلة الأمد، بما في ذلك السرطان واضطرابات النمو لدى الأطفال.

وأظهر تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة نهاية 2025 مستويات غير مسبوقة من الأضرار البيئية التي لحقت بقطاع غزة، شملت التربة والمياه العذبة والسواحل البحرية. وأكد التقرير أن التعافي من بعض هذه الأضرار قد يستغرق عقودًا، مشيرًا إلى الانهيار الكامل للبنية التحتية للمياه والصرف الصحي، وتدمير شبكات التحلية ومحطات المعالجة، إضافة إلى الاعتماد على الحفر الامتصاصية في مناطق النزوح، ما أدى إلى تسرب مياه الصرف غير المعالجة والمياه الملوثة بالنفايات إلى الحوض الجوفي، المصدر الرئيسي لمياه الشرب.

وأوضحت الأمم المتحدة أن هذه الأضرار تسببت في تلوث شديد للمياه الجوفية، ترافق مع ارتفاع معدلات الأمراض المعدية المرتبطة بالمياه، مثل الإسهال المائي الحاد ومتلازمة اليرقان الحاد (التهاب الكبد A). كما شدد التقرير على أن تعافي النظم المائية وإصلاح الخزان الجوفي سيستغرق سنوات طويلة وجهودًا متواصلة لإعادة الضخ والمعالجة، بما يضمن استعادة مياه شرب آمنة وحماية صحة السكان في المستقبل.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة