توصل تحقيق عسكري أمريكي أولي إلى أن ضربة جوية نفذتها الولايات المتحدة استهدفت مدرسة ابتدائية داخل إيران، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 175 شخصًا، معظمهم من الأطفال، بحسب ما أفاد به مسؤولون أمريكيون مطلعون على مجريات التحقيق.
وتشير هذه النتائج إلى رواية تختلف تمامًا عن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي كان قد أكد في وقت سابق أن إيران هي المسؤولة عن قصف المدرسة.
ونقل موقع "ذا إنترسبت" عن مسؤول أمريكي – تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته – أن الهجوم الذي طال مبنى مدرسة "الشجرة الطيبة" الابتدائية وقع نتيجة خطأ في تحديد الهدف من قبل الجيش الأمريكي، إذ جرى التعامل مع المبنى على أنه جزء من منشأة بحرية تابعة للحرس الثوري الإيراني تقع بالقرب من المدرسة.
وأوضح مسؤول آخر للموقع نفسه أن القيادة المركزية الأمريكية اعتمدت خلال تنفيذ الضربة على إحداثيات قديمة للغاية قدمتها جهة دفاعية أمريكية أخرى. وكانت المدرسة مرتبطة في الماضي بقاعدة للحرس الثوري، غير أن المبنى انفصل عنها بالكامل بحلول عام 2016، وفق ما كشفه تحقيق سابق أجرته مجلة "نيو لاينز".
وجاء هذا الهجوم بعد عام كامل من مساعي وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث لتقليص برامج الحد من الخسائر المدنية. ووفق المعطيات الأولية، فإن عدد الضحايا المدنيين الناتج عن هذه الضربة يفوق ما سجلته أي غارة أخرى خلال الحرب الثانية التي يقودها ترامب ضد إيران. وقد وصف أحد المسؤولين الحكوميين الحاليين ما حدث بأنه "إهمال جسيم".
ورغم تزايد الأدلة التي تشير إلى مسؤولية الولايات المتحدة عن الضربة، واصل ترامب تكرار اتهاماته لإيران بالوقوف خلف الهجوم. وفي تصريحات أدلى بها للصحفيين في 7 مارس/آذار قال: "برأيي، وبناءً على ما رأيته، فإن إيران هي من نفذت ذلك.. إنهم يفتقرون تمامًا إلى الدقة، وإيران هي المسؤولة عن الهجوم".
من جهته، اعتبر ويس براينت – الذي شغل حتى العام الماضي منصب كبير المحللين والمستشارين في مجال الحرب الدقيقة والاستهداف والحد من الأضرار المدنية في مركز التميز لحماية المدنيين التابع لوزارة الدفاع الأمريكية – أن قصف مدرسة "الشجرة الطيبة" يمثل إخفاقًا واضحًا في تطبيق المبادئ والمعايير الأساسية لعمليات تحديد الأهداف.
وقال براينت، الذي تولى الإشراف على آلاف الضربات الجوية في منطقة الشرق الأوسط خلال عمله في مراقبة العمليات الجوية، إن الاعتماد على صور أو معلومات قديمة خلال تنفيذ العمليات العسكرية كان أمرًا يحدث كثيرًا.
وأضاف في تصريح لموقع "ذا إنترسبت": "عندما تكون مسؤولًا عن تحديد الأهداف، فإن الصور الأولية والبيانات الاستخباراتية التي تتلقاها بشأن هدف محتمل لا تمثل سوى نقطة البداية. لا يمكن اتخاذ قرار بتنفيذ ضربة اعتمادًا على صورة واحدة مصدرها أي جهة، سواء كانت الوكالة الوطنية للاستخبارات الجغرافية أو غيرها، ثم الادعاء بأن الموقع تابع للعدو".
وتابع موضحًا أن عملية التحقق يجب أن تمر بعدة مراحل، قائلًا: "يتعين التأكد من صحة المعلومات عبر مصادر استخباراتية متعددة، إضافة إلى إجراء توصيف حديث قدر الإمكان للهدف، مع تحديد أماكن وجود المدنيين وتقييم المخاطر المحتملة، بما يشمل تحليل الأضرار الجانبية وإمكانية وقوع إصابات في صفوف المدنيين".
من جانبها، امتنعت القيادة المركزية الأمريكية عن التعليق على النتائج الأولية للتحقيق. وقال أحد مسؤولي القيادة في رسالة بريد إلكتروني لموقع "ذا إنترسبت": "ليس من المناسب التعليق في الوقت الحالي لأن الحادثة لا تزال قيد التحقيق".
كما لم تقدم كل من الوكالة الوطنية للاستخبارات الجغرافية ووكالة الاستخبارات الدفاعية ردودًا على طلبات التعليق بشأن احتمال تورطهما في تقديم معلومات استخباراتية ربما ساهمت في تنفيذ تلك الضربة.
وكانت نتائج التحقيق الأولي متوقعة على نطاق واسع في ظل تزايد المؤشرات التي تشير إلى مسؤولية الولايات المتحدة عن الهجوم. فقد أظهر مقطع فيديو نشرته وكالة "مهر" الإيرانية شبه الرسمية يوم الأحد صاروخ "كروز" وهو يضرب القاعدة البحرية التابعة للحرس الثوري المجاورة للمدرسة الابتدائية، بينما تتصاعد أعمدة الدخان من مبنى المدرسة، ما يوحي بأنها تعرضت لضربة قبل وقت قصير من ذلك.
ووفق تحليل أجراه موقع "بيلينغكات"، فإن الصاروخ الذي أصاب المدرسة هو من طراز "توماهوك"، وهو سلاح لا يستخدمه في هذا النزاع سوى الجيش الأمريكي.
وكان وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث قد صرح خلال مؤتمر صحفي عقد في 2 مارس/آذار قائلاً: "الولايات المتحدة، وبغض النظر عما تقوله ما يسمى بالمؤسسات الدولية، تنفذ الحملة الجوية الأكثر فتكًا ودقة في التاريخ"، مضيفًا: "لا مكان لقواعد اشتباك حمقاء".
ورفضت القيادة المركزية الأمريكية تقديم تقديرات رسمية لعدد الضحايا المدنيين في الحرب الأمريكية على إيران. في المقابل، تشير بيانات جمعية الهلال الأحمر الإيراني إلى أن عدد المدنيين الذين قُتلوا تجاوز 1300 شخص.
وفي سياق متصل، كشف تحقيق أجرته منظمة "إير وورز"، وهي مؤسسة بريطانية متخصصة في مراقبة الضربات الجوية، أن الأيام الأولى من الحرب على إيران شهدت استهداف عدد كبير من المواقع يفوق ما سُجل في أي حملة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية أخرى خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح تقرير المنظمة أنه رغم عدم إمكانية توقع حجم الخسائر المدنية اعتمادًا على عدد الأهداف فقط، فإن المؤشرات الأولية تشير إلى ارتفاع عدد الضحايا، خصوصًا أن العديد من الضربات الأمريكية نُفذت في مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة.
