تقرير بين رصاصة فوق الموج وسمكة في جوف البحر.. معادلة حياة الصيادين بغزة لإطعام أطفالهم

تقرير /شهاب

يضع الصيادون في قطاع غزة حياتهم على المحك، وفي مواجهة الموت من مسافة صفر؛ فالتوجه نحو الميناء المدمر رحلة مجهولة النتائج، محفوفة بالمخاطر؛ فربما يعود منها ببعض المال والطعام لصغاره، وربما تكون رحلة النهاية، في ظل ملاحقة الزوارق الإسرائيلية للصيادين بالرصاص، حتى داخل مسافات الصيد المحدودة التي لا تتجاوز مئات الأمتار، في مشهد يومي مفتوح على الاحتمالات الأسوأ.

لم يعد البحر في غزّة مصدر حياة، بل تحوّل إلى ساحة موت بطيء؛ فمنذ اندلاع حرب الإبادة، قُتل 235 صيادًا وهم يمارسون المهنة، ودُمّر نحو 95% من هذا القطاع، فيما انهار قطاع الثروة السمكية إلى مستويات شبه معدومة.

حسبة العقلاء

يدفع الصياد نزار أبو ريالة "41 عامًا" قاربه البدائي نحو الماء مع أول خيط ضوء في صباحٍ باهت على حوض الميناء وشاطئ غزّة، لا بدافع الشغف وحب المهنة والبحر، بل تحت وطأة هندسة التجويع التي يمارسها الاحتلال بحق سكان غزة، فلم يعد البحر بالنسبة له مساحة للرزق الوفير، بل محاولة يومية لتفادي الجوع الذي يلاحق عائلته.

يقول أبو ريالة: "النزول إلى البحر مخاطرة كبيرة في حسبة العقلاء، لكنه بالنسبة لأهل غزة تفصيلة حياة تشبه التفاصيل الأخرى التي قد تكون سببًا لنهاية حياته تحت الإبادة. فالموت يتربص بالغزيين في كل مناحي الحياة، ولا أحد فينا معصوم من أن يصل الموت".

ويضيف: "أخاطر أنا وكل من امتهنوا الصيد على مدار السنوات الماضية في النزول للبحر لأحصّل على قوت عائلتي وأعيل أفرادًا آخرين من عائلتي أصبحوا بدون معيل. المشكلة ليست بالمخاطرة وحدها، وإنما في غياب كل أدوات الصيد التي كانت تسهّل أعمالنا. فالقصف والإبادة لم تترك لنا 'حسكة' ولا سفينة ولا غزل للصيد، بعد أن طالها التدمير، مما يدفعنا إلى اللجوء لبدائل بدائية تزيد المعاناة".

يتابع: "نقضي ساعات طويلة في البحر، قد تتجاوز 15 ساعة متواصلة، دون ضمان أن نعود بما يسد رمق أطفالنا. فالسمك قليل وشبه منعدم، نظرًا لأننا نصيد في مساحة لا تبعد عن الشاطئ سوى أمتار قليلة، ونضطر لبيع ما نصيده حتى نستطيع من سعر البيع شراء ما يسد رمق أطفالنا من كل شيء".

وينوه: "المفارقة القاسية التي يعيشها أن مهنته تطعم الناس سمكًا، بينما هو لا يستطيع إطعام أطفاله هذا السمك، إذا يجد نفسه مضطرًا لبيع ما يصيده حتى يستطيع تأمين كافة احتياجات العائلة لعدة أيام، إلى حين يتمكن مجددًا من إعادة مخاطرة الموت للصيد".

بينما يقول محمود الغلبان "47 عامًا": "في كل مرة أذهب فيها إلى العمل، تتحول حياة زوجتي وأولادي إلى انتظار قاتل وخوف من عدم الرجوع إليهم، حتى حول تكرار المشهد بشكل يومي حياة عائلية إلى عزاء مؤجل وموت يتربص بنا جميعًا".

ويضيف: "كما نحمل أدوات الصيد المتهالكة، نحمل أرواحنا على الكفوف. فزوارق الاحتلال الإسرائيلي لا تغادر البحر، ولا تتوانى في إطلاق النار دون أي أسباب، بل في كثير من المرات يطلقون النار علينا لإرهابنا أو لتسلية أنفسهم بخوفنا".

الموت يتربص بنا

وينوه: "لم يعد الخطر مقتصرًا على عرض البحر، بل امتد ليشمل الشاطئ ومحيط الميناء، حيث يتعرض الصيادون لإطلاق النار دون مقدمات، في مشهد بات عاديًا. ولا تنتهي المعاناة عند هذا الحد، بل تضاف إليها أدوات الصيد المتهالكة التي قد تعرضك لحوادث عرضية داخل البحر قد تكون سببًا في موتك".

يتابع: "لا انفكاك من حب البحر، ولا من حب الصيد، ولا مهنة لي غير هذه المهنة؛ لذا المخاطرة لن تثنينا عن خوض البحر، خاصة بعد إدراكنا أن الموت يتربص بنا حتى ونحن في أكثر الأماكن أمانًا".

وبحسب متابعة مركز غزة لحقوق الإنسان، فقد نفذ الاحتلال الإسرائيلي عمليات تدمير واسعة النطاق طالت مهنة الصيد التي يعمل فيها أكثر من خمسة آلاف صياد خلال الأشهر الماضية.

وتعرضت "لنشات الجر" و"الشناصيل"، وهي القوارب الكبيرة التي كانت تشكل العمود الفقري للإنتاج السمكي، للتدمير الكلي في ميناء غزة الرئيسي ومراسي خانيونس ورفح، ما أدى إلى خروجها عن الخدمة نهائيًا.

ويشير المركز إلى أن نحو ألفي قارب وحسكة، إلى جانب 100 لنش كبير، دُمرت بنسبة 95% بالقصف الإسرائيلي خلال الحرب، ما أفرغ القطاع من أدوات الصيد الأساسية.

وينتابع: "ولا يقتصر الضرر على القوارب الكبيرة فقط، بل شمل 'الحسكات' الصغيرة أيضًا، حيث حُطمت وحُرقت مئات القوارب التي يعتمد عليها الصيادون الصغار، حتى تلك المركونة بعيدًا عن الشاطئ".

كما تعمدت قوات الاحتلال استهداف المحركات والمعدات، وغرف الصيادين، ومصانع الثلج، وورش الصيانة، ما جعل عملية إعادة الإعمار تتطلب إمكانيات تفوق القدرة المحلية الحالية.

وبحسب المركز، لم يكتف الاحتلال بتدمير المعدات، بل فرض "منطقة عسكرية مغلقة" على طول ساحل القطاع، حيث يواجه أي اقتراب من البحر إطلاق نار مباشر.

"العقوبة الاقتصادية"

وأكد المركز أن هذه الإجراءات أسفرت عن مقتل 235 صيادًا على الأقل، من بينهم نحو 65 أثناء عملهم، وإصابة عشرات آخرين أثناء محاولتهم تأمين قوت يومهم من مسافات لا تتجاوز 100 متر عن الشاطئ. واستمرت سياسة اعتقال الصيادين من عرض البحر، واقتيادهم إلى جهات مجهولة، ومصادرة ما تبقى من معداتهم كنوع من "العقوبة الاقتصادية"، حيث جرى اعتقال نحو 43 صيادًا.

وأشار المركز إلى أن هذه الممارسات تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفقًا للمواثيق الدولية، مؤكدًا أن جريمة التجويع تعد مخالفة صريحة لاتفاقيات جنيف، التي تحظر مهاجمة أو تدمير الأعيان الضرورية لبقاء السكان المدنيين، بما يشمل المناطق الزراعية والمرافق الريفية.

كما أوضح أن العقاب الجماعي الذي يتعرض له الصيادون يشكل خرقًا لاتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر العقوبات الجماعية ضد الأشخاص المحميين وممتلكاتهم، مع التأكيد على أن استهداف القوارب والمرافئ يمثل انتهاكًا للمبادئ الأساسية في القانون الدولي الإنساني، بما يشمل التمييز والتناسب والضرورة العسكرية.

وأشار مركز "غزة" إلى ضرورة تدخل الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية لتوفير الحماية الدولية للصيادين، وإنشاء صندوق طوارئ لإعادة بناء المرافئ وتوفير معدات صيد بديلة، لضمان الحد الأدنى من الأمن الغذائي للقطاع.

من جانبه، حذر وليد ثابت، المدير العام للإدارة العامة للثروة السمكية بوزارة الزراعة، من أن قطاع الصيد البحري في غزة يواجه انهيارًا وشيكًا بفعل الدمار الهائل الذي طال بنيته التحتية وتوقف النشاط البحري تقريبًا بشكل كامل. وأوضح ثابت أن الحرب تسببت في تدمير نحو 250 غرفة مخصصة للصيادين واستهداف مقر الثروة السمكية بالكامل، ما أدى إلى خسائر مباشرة تُقدّر بنحو 110 ملايين دولار.

وأضاف ثابت أن قطاع الصيد كان يشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي في غزة، إذ كان إنتاجه السنوي من الأسماك يتجاوز خمسة آلاف طن، إلى جانب نحو 600 طن من المزارع السمكية، مع توفيره مصدر رزق مباشر لنحو 6 آلاف فلسطيني، إضافة إلى مئات العاملين في المرافئ والمنشآت المرتبطة بالقطاع، واعتماده من قبل آلاف الأسر كمورد معيشي رئيسي.

وأشار ثابت إلى أن الواقع الحالي يعكس تراجعًا كبيرًا في القوى العاملة، إذ لم يتبق سوى نحو 440 صيادًا يمارسون العمل فعليًا، من أصل 4500 صياد مسجل رسميًا في وزارة الزراعة الفلسطينية بغزة، وسط قيود أمنية مشددة تحول دون عودة الأغلبية للعمل.

وأوضح أن مساحة الصيد المتاحة تقلصت بشكل غير مسبوق لتتراوح بين 200 و350 مترًا على امتداد الساحل، ما أدى إلى تكدس خطير للصيادين وفرض نمط من الصيد الجائر القسري، مهددًا المخزون السمكي ومستقبل القطاع.

انهيار ممنهج

ونوه بأن استمرار هذه الظروف يزيد من مستويات الفقر والبطالة، ويجعل دعم الصيادين وإعادة تشغيل المراكب والمزارع السمكية أمرًا ملحًا للحفاظ على الأمن الغذائي والاستقرار المجتمعي في غزة.

من جانبه، أكد زكريا بكر، نقيب العاملين في مجال الصيد في غزة، أن الوضع الحالي في القطاع البحري لا يمكن وصفه بأزمة عابرة، بل هو انهيار ممنهج طال أحد أهم القطاعات الاقتصادية والمعيشية في القطاع.

وأشار بكر إلى أن الحرب تسببت في تدمير أكثر من ألفي قارب ولنش صيد، ما رفع معدلات البطالة بين الصيادين إلى أكثر من 95%، بالتزامن مع انهيار حاد في الإنتاج السمكي، إذ تراجع المعدل اليومي من نحو 10 أطنان قبل الحرب إلى أقل من 300 كيلوغرام في الوقت الحالي.

وكشف بكر أن 235 صيادًا قُتلوا منذ اندلاع الحرب، بينهم 65 استُهدفوا مباشرة أثناء عملهم في البحر، إضافة إلى اعتقال 43 صيادًا، من بينهم 15 حالة اعتقال بعد سريان وقف إطلاق النار، ما يعد مؤشرًا على استمرار سياسة الاستهداف الممنهج ضد الصيادين.

ولفت إلى أن تقليص مساحة الصيد المتاحة أدى إلى تكدس خطير للصيادين وفرض واقع من الصيد الجائر القسري، الذي يهدد المخزون السمكي ومستقبل المهنة.

وأكد بكر أن استمرار هذا الوضع يزيد من مستويات الفقر والبطالة، مشددًا على أن دعم الصيادين وإعادة تشغيل المراكب والمنشآت البحرية بات ضرورة ملحّة للحفاظ على الأمن الغذائي والاستقرار المجتمعي في غزة.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة