تقرير / شهاب
تقول شيماء، 24 عامًا، أم لطفلين، فقدت زوجها في الأيام الأولى للحرب: "بعد أيام قليلة من استشهاد زوجي، يُخبرني شقيقه الأكبر بأن أمور طفلي بحاجة إلى تنظيم عبر تحديد الوصاية، ويشرح لي أن الوصاية أمر قانوني لا علاقة له بحضانة أطفالي".
توضح شيماء أن الحادثة تأتي في وقت تكون فيه منشغلة بفجيعة الحرب واستشهاد زوجها ومغادرة منزلها، ولم يكن لديها المعرفة أو الوقت أو القدرة على متابعة الإجراءات القانونية بدقة.
وتتابع أن الضغط المجتمعي والعائلي يدفعها إلى التوقيع للموافقة على إجراءات الوصاية على أموال أطفالها دون إدراك كامل لعواقب القرار.
نتيجة الخوف
وتضيف أن القرار لا يكون نابعًا من اقتناع شخصي، بل نتيجة الخوف والانشغال والفوضى التي يُخلفها استشهاد زوجها، مشيرة إلى أن كثيرًا من النساء في وضعها يُجبرن على التنازل عن حقوقهن بسبب ظروف مماثلة.
وتبين شيماء أن فقدانها حق الوصاية يعكس واقعًا أوسع لمعاناة النساء في الحصول على حقوقهن القانونية بعد فقدان الزوج، وأنه يشكّل مثالًا على كيف يمكن أن تُسلب الحقوق دون مواجهة مباشرة أو وعي كامل بالإجراءات.
في المقابل، تقول سميرة (ع)، 40 عامًا، أم لخمسة أطفال، يُستشهد زوجها في منتصف عام 2024، تاركًا خلفه عائلة كبيرة واحتياجات أكبر: "يكون الشهر الأول بعد استشهاد زوجي صعبًا، إذ أصطدم بواقع لم أعرفه من قبل، ومشكلات لا يمكنني حلها وحدي، ترتبط زمنيًا مع المجاعة والنزوح، فلا دخل أو مورد ثابت للمال، ولا قدرة على تلبية أبسط احتياجات أولادي".
وتتابع سميرة أن المساعدات الإنسانية، باعتبار أولادها أيتامًا، تبدأ بالوصول، ومعها يظهر الحديث عن "من يستلم" و"من يقرر حجم المصاريف"، وهنا يتولى والد زوجها الأمر، مبررًا ذلك بأنها "امرأة" لا تعرف كيف تدير أمورها الحياتية والمالية، وأن الأمر متعلق بأحفاده ويجب أن يكون بيده دون أي إشكال.
وتضيف أن كلمة سلب الحضانة لا تُذكر صراحة، لكن الرسائل تكون واضحة؛ فالأموال التي تحتاجها لإطعام أطفالها تصل متأخرة، أو ناقصة، أو مشروطة.
وتؤكد أن أي اعتراض يُقابل بالتذكير بأن المسؤولية واحدة، وأن من يدير المال هو الأقدر على اتخاذ القرار.
وتبين سميرة أنها لا توقع تنازلًا رسميًا، لكنها تفقد السيطرة الفعلية على الأموال، ويصبح عليها أن تطلب احتياجات أبنائها مرة ومرتين وثلاثًا دون رد، وبالتالي تصبح هي وصغارها وأموالهم تحت إمرة والد زوجها.
وتتابع أن أكثر ما يؤلمها ليس العوز، بل شعورها بالعجز أمام أطفالها الذين يفقدون باستشهاد والدهم أي سبل للاستقرار يمكن أن يعيشها أي بيت.
أشد قسوة
بينما تقول مي (ق)، 39 عامًا: "إن وفاة زوجها الموظف الحكومي جعلت الصراع العائلي على راتبه بينها وبين عائلة زوجها أكثر تنظيمًا وأشد قسوة مقارنة بمواقف سابقة، وأن السؤال لا يكون من يرعى الأطفال، بل من يسيطر على الراتب".
وتتابع مي أن العم يحضر ومعه محامٍ، وأن الحديث يكون قانونيًا بالكامل، مليئًا بالمصطلحات والإجراءات، وتؤكد أنه يُقال لها إن أي نزاع قد يفتح ملفات أخرى، في إشارة إلى حضانة أطفالها التي تُستخدم كورقة ضغط صريحة، مشيرة إلى أن التهديد لا يكون اجتماعيًا أو اقتصاديًا فقط، بل قانونيًا مغلفًا بشرعية شكلية.
وتتابع أن حياتها اليوم تمتلئ بالقلق الدائم، وأنها تخشى أي ورقة رسمية أو مراجعة أو استدعاء، مؤكدة أنها تعرف أنها الحاضنة القانونية لأطفالها، لكنها تدرك أيضًا أن المال — ومن يملكه — قد يقلب المعادلة في أي لحظة ويهدد حضانة أطفالها.
تؤكد المحامية الشرعية والنظامية، آية ياسين، العاملة في برامج الدعم والتمكين القانوني للنساء، أن الإشكال في قضايا الأيتام بعد الحرب لا يعود إلى غموض النصوص، بل إلى سوء استخدامها، موضحة أن التفريق بين الحضانة والوصاية مسألة مستقرة شرعًا وقانونًا، إلا أن الخلط المتعمد بينهما يفتح الباب أمام انتهاكات بحق الأمهات.
حق للأم
وتبيّن أن الحضانة في الفقه الإسلامي تعني رعاية الطفل وتربيته وحمايته، وهي حق للأم بعد وفاة الأب متى تستوفي شروط الأهلية، في حين تقتصر الوصاية على إدارة المال دون أن تمس حقها في احتضان أطفالها، مؤكدة أن هذا الفصل قاعدة راسخة في الفقه والقانون، وليس اجتهادًا معاصرًا.
وفي ما يتعلق بالوصاية، تشدد ياسين على أنه لا يوجد أي نص شرعي يمنع الأم من أن تكون وصية على مال أولادها، موضحة أن معيار الوصاية هو الأمانة والكفاءة، لا الجنس أو القرابة الذكورية، معتبرة أن تصوير الأم كـ"محل شبهة" بسبب كونها امرأة أو فقيرة هو إسقاط اجتماعي لا يمت للشريعة بصلة.
وتؤكد أن نزع الوصاية لا يتم شرعًا إلا في حال ثبوت تضييع المال أو الإضرار بمصلحة القاصر، مشددة على أن الفقر ليس سببًا قانونيًا أو شرعيًا لذلك، بل يُفترض أن يكون مدخلًا لتعزيز الحماية لا لسلب الصلاحيات، وتحذر من أن استخدام الحاجة الاقتصادية لإقصاء الأمهات يمثل انحرافًا عن مقاصد الشريعة التي تهدف إلى حماية الضعفاء لا التحكم بهم.
وتعتبر أن ما يجري على الأرض هو امتداد للأعراف لا للشريعة، حيث تُنتزع بعض النصوص من سياقها وتُستخدم بشكل انتقائي لتبرير السيطرة، مقابل تغييب النصوص التي تضع مصلحة الطفل في المقام الأول، لافتة إلى أن أخطر ما في ذلك هو إضفاء غطاء ديني على ممارسات لا علاقة لها بالحماية، وربط الحضانة بالوصاية كأداة ضغط نفسية على الأمهات دون أي أساس شرعي.
مصلحة القاصر
قانونيًا، توضح ياسين أن قانون الأحوال الشخصية في غزة يميّز بوضوح بين الحضانة والوصاية، ويجيز الجمع بينهما إذا ثبتت أهلية الأم، مؤكدة أن المعيار الأساس هو مصلحة القاصر، وأن المحكمة تملك صلاحية تعيين الأم وصية متى رأت ذلك مناسبًا، ولا يجوز رفضها إلا لأسباب محددة، كعدم الأهلية أو سوء الإدارة، وليس لمجرد وجود قريب ذكر.
وتشير إلى أن ما يحدث في كثير من الحالات يمثل تجاوزًا للنص القانوني عبر ضغوط غير رسمية، مستفيدة من ضعف الوصول إلى القضاء خلال الحرب، مؤكدة أن أي تنازل يُنتزع تحت الضغط أو التهديد يفقد مشروعيته، في ظل توقيع العديد من الأمهات دون إدراك كامل لحقوقهن أو خوفًا من تبعات اجتماعية وقضائية.
وتضيف أن الحرب تؤثر بشكل مباشر على قدرة النساء على اللجوء إلى القضاء بسبب تعطّل المحاكم والنزوح وانعدام الموارد، ما يخلق فراغًا قانونيًا تملؤه الأعراف والوساطات العائلية، ويسهم في تصاعد النزاعات على الوصاية، خاصة في الحالات التي يكون فيها للطفل راتب أو تعويض، مع غياب الرقابة، بما يسمح لبعض الأوصياء بالتصرف بالأموال دون مساءلة.
وتختتم ياسين بالتأكيد على أنه لو تُعرض هذه القضايا في ظروف طبيعية أمام المحاكم، تختلف الأحكام في كثير من الحالات، ولا يُقبل هذا الكم من التنازلات القسرية، مشددة على أن زمن الحرب يختبر قدرة القوانين على حماية الأضعف، لا مجرد سلامة نصوصها.
من جانبها، توضح استشارية العلاقات المجتمعية، الدكتورة ختام أبو عودة، أن تجربة فقدان الزوج في ظل الحرب لا تتوقف عند حدود الألم الإنساني، بل تدفع الأم إلى مواجهة منظومة معقدة من المسؤوليات والضغوط، يتداخل فيها النفسي بالمعيشي والقانوني، خاصة في ما يتعلق بقضايا الوصاية.
مصدر توتر إضافي
وتبيّن أن هذا التحول المفاجئ، حين يترافق مع التهديد بسلب الوصاية على المال أو التشكيك في قدرتها على إدارته، يضاعف العبء النفسي، ويضع الأم تحت ضغط مستمر في ظل محاولاتها للحفاظ على تماسك أسرتها.
وتشير أبو عودة إلى أن قسوة الواقع المعيشي في غزة — من العيش في خيام، وانعدام الماء والكهرباء، وغياب الخدمات الأساسية، إلى جانب المجاعة — تحوّل قضية الوصاية إلى مصدر توتر إضافي، يدفع الأم إلى الشعور بأن أي خطأ قد يهدد استقرار حياة أطفالها أو مصادر رزقهم، ما يعمّق الإحساس بالعجز وانعدام الأمان.
وتلفت إلى أن الأطفال يتأثرون مباشرة بهذه الأجواء المشحونة، إذ يلاحظون القلق الدائم على أمهاتهم، ويدركون ارتباط تفاصيل حياتهم اليومية بقرارات مالية يتحكم بها آخرون، وهو ما ينعكس لاحقًا على سلوكهم في صورة انكماش اجتماعي وصعوبات في بناء الثقة والعلاقات المستقرة.
وتضيف أن التنازل عن الحقوق تحت الضغط، خاصة في قضايا الوصاية، لا يترك أثرًا مؤقتًا، بل يمتد داخل بنية الأسرة على المدى الطويل، حيث تتراكم لدى الأم مشاعر الذنب والعجز، فيما يترسخ لدى الأطفال شعور بأن أمنهم وحقوقهم مرهونة بإرادة الآخرين، ما يخلق حالة دائمة من القلق وغياب الاستقرار.
وتنوه أبو عودة إلى أن صمت الأم لا يعكس استسلامًا، بل يمثل في كثير من الأحيان استراتيجية لحماية أطفالها من مزيد من النزاعات، في ظل غياب الدعم القانوني والمجتمعي، رغم كلفته النفسية المرتفعة.
وتختتم بالتأكيد على أن النساء في هذه الظروف يقدّمن نموذجًا يوميًا للصمود، مشددة على أن فهم واقعهن لا يمكن فصله عن سياق الحرب والتدمير وفقدان الموارد، ولا عن الضغوط المرتبطة بقضايا الوصاية التي تمس جوهر الأمان الأسري والنفسي.
