نيويورك تايمز ترصد شهادات مروّعة حول عمليات الاغتصاب والاعتداءات الجنسية في سجون الاحتلال "الإسرائيلي"

images (58).jfif

فتح الكاتب الأميركي نيكولاس كريستوف، في تقرير مطول نشرته صحيفة نيويورك تايمز، للمرة الأولى ملفاً واسعاً حول ما وصفه بـ”الاغتصاب والعنف الجنسي” الذي يتعرض له الأسرى الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية، مؤكداً أن الانتهاكات طالت النساء والرجال والأطفال تحت التهديد والإذلال.

وقال كريستوف إن شهادات متعددة جمعها من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة تكشف نمطاً متكرراً من العنف الجنسي داخل منظومة الاعتقال الإسرائيلية، مشيراً إلى أن هذه الانتهاكات لا تقتصر على السجون، بل تمتد أيضاً إلى الميدان عبر اعتداءات وتهديدات من قبل جنود ومستوطنين.

شهادات مروعة

ونقل التقرير عن امرأة فلسطينية تبلغ من العمر 42 عاماً قولها إنها قُيّدت عارية إلى طاولة معدنية، وتعرضت للاغتصاب على مدار يومين على يد جنود إسرائيليين، بينما كان جنود آخرون يقومون بتصوير الاعتداء. وأضافت أنها لاحقاً أُجبرت على مشاهدة صور الاعتداء، وتم تهديدها بنشرها إذا لم تتعاون مع المخابرات الإسرائيلية.

وفي شهادة أخرى مؤلمة، تحدث الصحفي الفلسطيني سامي الساعي، 46 عاماً، عن تعرضه لاعتداء جنسي وتعذيب داخل أحد السجون عام 2024. وقال إنه أثناء اقتياده إلى زنزانته، ألقاه الحراس أرضاً وانهالوا عليه بالضرب، قبل أن يُجرد من ملابسه الداخلية.

وأضاف أن أحد الحراس استخدم عصا مطاطية في محاولة لإدخالها في شرجه بالقوة، بينما كان آخرون يضحكون عليه، قبل أن يُستبدل ذلك باستخدام “جزرة” في الاعتداء.

وقال الساعي إنه سمع حراساً ينهون التصوير خلال الاعتداء، ما دفعه للاعتقاد بأنه كان يتم توثيقه بالكاميرا، مضيفاً أن إحدى الحارسات أمسكت بعضوه التناسلي وخصيتيه وسخرت منه، في مشهد وصفه بأنه “مدمر نفسياً”.

وأشار إلى أنه تعرض للضرب مجدداً، وترك مكبلاً في زنزانة تفوح منها رائحة دخان السجائر، قبل أن يكتشف لاحقاً آثار دماء وقيء وأسنان مكسورة في المكان.

وأضاف الساعي أن هدف الاعتداء كان دفعه للتعاون مع جهاز الأمن الإسرائيلي، لكنه رفض ذلك مؤكداً تمسكه بعمله الصحفي.

وفي شهادة أخرى، نقل التقرير عن مزارع فلسطيني سابق تعرض لاعتداءات جنسية متكررة أثناء احتجازه الإداري، حيث قال إن ستة حراس قاموا بتقييده والاعتداء عليه باستخدام عصا معدنية، قبل أن يفقد وعيه وينقل إلى عيادة السجن، ثم يُعاد الاعتداء عليه مرة أخرى، مؤكداً أنه “كان ينزف وبحالة انهيار كامل”.

وأضاف أنه تعرض لاحقاً لاعتداء ثالث داخل الزنزانة نفسها بعد محاولته تقديم شكوى، لكن طلبه رُفض، وتعرض للضرب مجدداً.

وأشار المزارع إلى أن جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) حذره لاحقاً من الحديث للإعلام، ما دفعه في النهاية إلى التراجع عن الكشف عن اسمه خوفاً من العواقب.

بات أمراً شائعاً

كما أورد التقرير شهادات حقوقية، إذ قالت المحامية الإسرائيلية الأميركية ساري باشي، المديرة التنفيذية السابقة للجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل، إن "الاعتداء الجنسي على الأسرى الفلسطينيين بات أمراً شائعاً"، مضيفة أنه لا توجد أوامر مباشرة لكنها ترى أن السلطات على علم بما يحدث دون اتخاذ إجراءات لوقفه.

وقال المحامي الإسرائيلي بن مارماريلي إن شهادات المعتقلين تشير إلى أن استخدام أدوات في الاعتداء الجنسي على الأسرى الفلسطينيين يحدث “على نطاق واسع”، في ظل غياب المحاسبة.

وأشار التقرير إلى أن منظمة أنقذوا الأطفال أجرت استطلاعاً أظهر أن أكثر من نصف الأطفال الفلسطينيين الذين احتُجزوا لدى الاحتلال تعرضوا أو شاهدوا عنفاً جنسياً، بينما أفادت بيانات لجنة حماية الصحفيين أن 29% من الصحفيين الفلسطينيين المفرج عنهم تحدثوا عن تعرضهم لأشكال من العنف الجنسي، بينها الاغتصاب.

كما وثّق التقرير حادثة أسير فلسطيني من غزة تعرض لتمزق في المستقيم وكسور في الأضلاع وثقب في الرئة بعد اعتداء داخل السجن، ما أدى لاحقاً إلى نقله إلى المستشفى وإجراء تحقيقات مع جنود احتياط، قبل أن تُسقط التهم عنهم لاحقاً، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل إسرائيل، وسط تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وصف فيها القضية بأنها “فرية دموية”.

وفي السياق ذاته، نقل التقرير عن منظمة بتسيلم توثيقها لنمط واسع من العنف الجنسي ضد الأسرى الفلسطينيين، مشيرة إلى أن هذه الممارسات أصبحت “أمراً مقبولاً” داخل منظومة الاعتقال.

كما تحدث التقرير عن شهادات من معتقلين وأطفال فلسطينيين أكدوا تعرضهم لتهديدات بالاغتصاب خلال التحقيقات، إضافة إلى حالات استهداف للأطفال الفلسطينيين الذين يُعتقلون عادة على خلفية رشق الحجارة، حيث وصف أحدهم التهديدات بأنها “روتينية ومستمرة”.

وأورد الكاتب أيضاً شهادة مسؤول فلسطيني سابق قال إنه تعرض لاعتداءات من مستوطنين تضمنت تجريده من ملابسه وضربه وتهديده بالاغتصاب، قبل أن يتم نشر صورته على مواقع التواصل الاجتماعي، ما دفعه للصمت لعدة أشهر.

 أشار كريستوف إلى أن مسؤولين إسرائيليين سابقين، من بينهم رئيس وزراء الاحتلال الأسبق إيهود أولمرت، أقروا بأن مثل هذه الانتهاكات “ليست مفاجئة”، وأن “جرائم حرب تُرتكب يومياً في الأراضي الفلسطينية”، بحسب تعبيره.

ضوءًا أخضر

ويركز المقال بشكل كبير على قضية الإفلات من العقاب. وينقل كريستوف عن المحامية الإسرائيلية الأمريكية ساري باشي، المديرة التنفيذية للجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل، قولها إن منظمتها قدمت مئات الشكاوى المتعلقة بانتهاكات ضد معتقلين فلسطينيين دون أن يؤدي ذلك إلى محاكمات فعلية. وترى باشي أن غياب المحاسبة يمثل "ضوءًا أخضر" لاستمرار الانتهاكات.

كما يتطرق المقال إلى قضية أثارت جدلًا واسعًا عام 2024، حين اتُّهم جنود احتياط إسرائيليون بالاعتداء الجنسي على معتقل فلسطيني أُصيب بجروح داخلية خطيرة استدعت نقله إلى المستشفى. ورغم توقيف بعض الجنود في البداية، أُسقطت التهم لاحقًا، فيما دافع سياسيون يمينيون إسرائيليون عن المتهمين.

ويتناول كريستوف أيضًا تأثير الوصمة الاجتماعية داخل المجتمع الفلسطيني، موضحًا أن كثيرًا من الضحايا يخشون الحديث علنًا بسبب العار والخوف من انعكاسات اجتماعية على أسرهم، بما في ذلك التأثير على فرص الزواج.

ولا يقتصر المقال على السجون، بل يشمل أيضًا اتهامات لمستوطنين إسرائيليين باستخدام التهديدات الجنسية والعنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية لإجبارهم على مغادرة أراضيهم. ويستشهد الكاتب بتقرير صادر عن "ائتلاف حماية الضفة الغربية" يفيد بأن التهديدات بالاغتصاب والعنف الجنسي أصبحت وسيلة لدفع الفلسطينيين إلى النزوح.

المصدر : نيويورك تايمز

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة